الجِزْيَةُ هي الخَراجُ المَضْرُوبُ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ إذْلالًا وصَغارًا والمَعْنى: حَتّى يُعْطُوا الخَراجَ عَنْ رِقابِهِمْ.
واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِها، فَقالَ القاضِي في " الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ ": اسْمُها مُشْتَقٌّ مِنَ الجَزاءِ إمّا جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ لِأخْذِها مِنهم صَغارًا، أوْ جَزاءً عَلى أمانِنا لَهم لِأخْذِها مِنهم رِفْقًا.
قالَ صاحِبُ " المُغْنِي ": هي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزاهُ بِمَعْنى قَضاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، فَتَكُونُ الجِزْيَةُ مِثْلَ الفِدْيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّها عُقُوبَةٌ أوْ أُجْرَةٌ.
وَأمّا قَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ، فَهو في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ: أيْ يُعْطُوها أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ هَذا هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى مِن يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن يَدِهِ إلى يَدِ الآخِذِ لا باعِثًا بِها ولا مُوَكِّلًا في دَفْعِها.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ عَنْ إنْعامٍ مِنكم عَلَيْهِمْ بِإقْرارِكم لَهم وبِالقَبُولِ مِنهُمْ، والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ وعَلَيْهِ النّاسُ.
وَأبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ ولَمْ يُصِبْ مُرادَ اللَّهِ مَن قالَ: المَعْنى: عَنْ يَدٍ مِنهُمْ، أيْ عَنْ قُدْرَةٍ عَلى أدائِها فَلا تُؤْخَذُ مِن عاجِزٍ عَنْها، وهَذا الحُكْمُ صَحِيحٌ وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ باطِلٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ ولا التّابِعَيْنِ ولا سَلَفِ الأُمَّةِ وإنَّما هو مِن حَذاقَةِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، حالٌ أُخْرى، فالأوَّلُ حالُ المُسْلِمِينَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، أنْ يَأْخُذُوها بِقَهْرٍ وعَنْ يَدٍ، والثّانِي حالُ الدّافِعِ لَها أنْ يَدْفَعَها وهو صاغِرٌ ذَلِيلٌ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ (الصَّغارِ) الَّذِي يَكُونُونَ عَلَيْهِ وقْتَ أداءِ الجِزْيَةِ فَقالَ عِكْرِمَةُ: أنْ يَدْفَعَها وهو قائِمٌ، ويَكُونَ الآخِذُ جالِسًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا لا راكِبًا، ويُطالَ وُقُوفُهُ عِنْدَ إتْيانِهِ بِها ويُجَرَّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنهُ بِالعُنْفِ ثُمَّ تُجَرَّ يَدُهُ ويُمْتَهَنَ.
وَهَذا كُلُّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا هو مُقْتَضى الآيَةِ ولا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ.
والصَّوابُ في الآيَةِ أنَّ الصَّغارَ هو التِزامُهم لِجَرَيانِ أحْكامِ المِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وإعْطاءِ الجِزْيَةِ فَإنَّ التِزامَ ذَلِكَ هو الصَّغارُ.
وَقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: كانُوا يُجَرُّونَ في أيْدِيهِمْ ويُخْتَمُونَ في أعْناقِهِمْ إذا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغارَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا بَذَلَ ما عَلَيْهِ والتَزَمَ الصَّغارَ لَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ ويُضْرَبَ.
وَقَدْ قالَ في رِوايَةِ مُهَنّا بْنُ يَحْيى: يُسْتَحَبُّ أنْ يُتْعَبُوا في الجِزْيَةِ.
قالَ القاضِي: ولَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهم ولا تَكْلِيفَهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ وإنَّما أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِهِمْ وإذْلالَهم.
قُلْتُ: لَمّا كانَتْ يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ الآخِذِ السُّفْلى احْتَرَزَ الأئِمَّةُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الجِزْيَةِ، وأخَذُوها عَلى وجْهٍ تَكُونُ يَدُ المُعْطِي السُّفْلى ويَدُ الآخِذِ العُلْيا.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ …