Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا وذَهَبَتْ تِجاراتِنا وبَقِينا ضائِعِينَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نَهْيًا عَنْ مُوالاةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، والمَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ يَمْنَعُونَكم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّونَكم عَنِ الطّاعَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ إنِ اخْتارُوهُ وحَرَصُوا عَلَيْهِ. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقْرِباؤُكم مَأْخُوذٌ مِنَ العِشْرَةِ. وقِيلَ مِنَ العَشَرَةِ فَإنَّ العَشِيرَةَ جَماعَةٌ تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ كَعَقْدِ العَشَرَةِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « وعَشِيراتُكم» وقُرِئَ « وعَشائِرُكم» .

﴿وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكْتَسَبْتُمُوها. ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ فَواتَ وقْتِ نِفاقِها. ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ الحُبُّ الِاخْتِيارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ في التَّحَفُّظِ عَنْهُ. ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ جَوابٌ ووَعِيدٌ والأمْرُ عُقُوبَةٌ عاجِلَةٌ أوْ آجِلَةٌ. وقِيلَ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ لا يُرْشِدُهم، وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وقَلَّ مَن يَتَخَلَّصُ مِنهُ.

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يَعْنِي مَواطِنَ الحَرْبِ وهي مَواقِفُها. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ومَوْطِنُ يَوْمِ حُنَيْنٍ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ في أيّامِ مُواطِنَ أوْ يُفَسَّرَ المَوْطِنُ بِالوَقْتِ كَمَقْتَلِ الحُسَيْنِ ولا يَمْنَعُ إبْدالُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ مِنهُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَوْضِعِ في ﴿مَواطِنَ﴾ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي تَشارُكَهُما فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ المَعْطُوفُ حَتّى يَقْتَضِيَ كَثْرَتَهم وإعْجابَها إيّاهم في جَمْعِ المُواطِنِ. و﴿حُنَيْنٍ﴾ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ «حارَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ- وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، العَشَرَةُ الَّذِينَ حَضَرُوا فَتْحَ مَكَّةَ وألْفانِ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ مِنَ الطُّلَقاءِ- هَوازِنَ وثَقِيفًا وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ فَلَمّا التَقَوْا قالَ النَّبِيُّ ﷺ أوْ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ غَيْرُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، إعْجابًا بِكَثْرَتِهِمْ واقْتَتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا فَأدْرَكَ المُسْلِمِينَ إعْجابُهم واعْتِمادُهم عَلى كَثْرَتِهِمْ فانْهَزَمُوا حَتّى بَلَغَ فُلَّهم مَكَّةَ وبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَرْكَزِهِ لَيْسَ مَعَهُ إلّا عَمُّهُ العَبّاسُ آخِذًا بِلِجامِهِ وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحَرْثِ، وناهِيكَ بِهَذا شَهادَةً عَلى تَناهِي شَجاعَتِهِ فَقالَ لِلْعَبّاسِ- وكانَ صَيِّتًا- « صَيِّحْ بِالنّاسِ»، فَنادى: يا عِبادَ اللَّهِ يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكَرُّوا عُنُقًا واحِدًا يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فالتَقَوْا مَعَ المُشْرِكِينَ فَقالَ ﷺ « هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ثُمَّ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَرَماهم ثُمَّ قالَ: « انْهَزِمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ» فانْهَزَمُوا.»

﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ أيِ الكَثْرَةُ. ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ أوْ مِن أمْرِ العَدُوِّ. ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ بِرَحَبِها أيْ بِسِعَتِها لا تَجِدُونَ فِيها مَفَرًّا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نُفُوسُكم مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ أوْ لا تَثْبُتُونَ فِيها كَمَن لا يَسَعُهُ مَكانُهُ. ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ﴾ الكُفّارَ ظُهُورَكم. ﴿مُدْبِرِينَ﴾ مُنْهَزِمِينَ والإدْبارُ الذَّهابُ إلى خَلْفٍ خِلافِ الإقْبالِ.

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها وأمِنُوا. ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَفِرُّوا.

﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأعْيُنِكم أيِ المَلائِكَةُ وكانُوا خَمْسَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةً أوْ سِتَّةَ عَشَرَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ. ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيْ ما فَعَلَ بِهِمْ جَزاءَ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ مِنهم بِالتَّوْفِيقِ لِلْإسْلامِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأسْلَمُوا وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّهم وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا. وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى. فَقالَ ﷺ: اخْتارُوا إمّا سَباياكم وإمّا أمْوالَكم ؟ فَقالُوا ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُوا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِي والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ فَقالُوا: رَضِينا وسَلَّمْنا فَقالَ: إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عَرْفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا إلَيْنا فَرَفَعُوا أنَّهم قَدْ رَضُوا)» .

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها وأمِنُوا. ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَفِرُّوا.

﴿وَأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ بِأعْيُنِكم أيِ المَلائِكَةُ وكانُوا خَمْسَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةً أوْ سِتَّةَ عَشَرَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ. ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ أيْ ما فَعَلَ بِهِمْ جَزاءَ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ مِنهم بِالتَّوْفِيقِ لِلْإسْلامِ. ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ.

رُوِيَ « (أنَّ ناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأسْلَمُوا وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ وأبَرُّهم وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا. وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى. فَقالَ ﷺ: اخْتارُوا إمّا سَباياكم وإمّا أمْوالَكم ؟ فَقالُوا ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُوا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِي والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا فَمَن كانَ بِيَدِهِ سَبْيٌ وطابَتْ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ فَقالُوا: رَضِينا وسَلَّمْنا فَقالَ: إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عَرْفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا إلَيْنا فَرَفَعُوا أنَّهم قَدْ رَضُوا)» .

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لِخُبْثِ باطِنِهِمْ أوْ لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهم كَما يُجْتَنَبُ عَنِ الأنْجاسِ، أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَتَجَنَّبُونَ عَنِ النَّجاساتِ فَهم مُلابِسُونَ لَها غالِبًا. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما الغالِبُ نَجاسَتُهُ نَجِسٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ. وقُرِئَ « نِجْسٌ» بِالسُّكُونِ وكَسْرِ النُّونِ وهو كَكِبْدٍ في كَبِدٍ وأكْثَرُ ما جاءَ تابِعًا لِرِجْسٍ. ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ لِنَجاسَتِهِمْ، وإنَّما نَهى عَنِ الِاقْتِرابِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلْمَنعِ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ. وقِيلَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ لا عَنِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقاسَ مالِكٌ سائِرَ المَساجِدِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ في المَنعِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ. ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ يَعْنِي سَنَةَ بَراءَةٍ وهي التّاسِعَةُ.

وَقِيلَ سَنَةَ حِجَّةِ الوَداعِ. ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَرَمِ وانْقِطاعِ ما كانَ لَكم مِن قُدُومِهِمْ مِنَ المَكاسِبِ والأرْفاقِ. ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِن عَطائِهِ أوْ تَفَضُّلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ تَبالَةَ وجَرْشٍ فَأسْلَمُوا وامْتارُوا لَهم، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن أقْطارِ الأرْضِ. وقُرِئَ « عائِلَةٌ» عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ أوْ حالٌ. ﴿إنْ شاءَ﴾ قَيَّدَهُ بِالمَشِيئَةِ لِتَنْقَطِعَ الآمالُ إلى اللَّهِ تَعالى ولِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ في ذَلِكَ وأنَّ الغِنى المَوْعُودَ يَكُونُ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ وفي عامٍ دُونَ عامٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِهِما عَلى ما يَنْبَغِي كَما بَيَّناهُ في أوَّلِ « البَقَرَةِ» فَإنَّ إيمانَهم كَلا إيمانَ. ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وقِيلَ رَسُولُهُ هو الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ والمَعْنى أنَّهم يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا. ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ الثّابِتِ الَّذِي هو ناسِخٌ سائِرَ الأدْيانِ ومُبْطِلُها. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ. ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ مُشْتَقٌّ مِن جَزى دِينَهُ إذا قَضاهُ. ﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ بِمَعْنى مُنْقادِينَ، أوْ عَنْ يَدِهِمْ بِمَعْنى مُسْلِمِينَ بِأيْدِيهِمْ غَيْرِ باعِثِينَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ ولِذَلِكَ مَنَعَ مِنَ التَّوْكِيلِ فِيهِ، أوْ عَنْ غِنًى ولِذَلِكَ قِيلَ: لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ، أوْ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى عاجِزِينَ أذِلّاءَ أوْ مِنَ الجِزْيَةِ بِمَعْنى نَقْدًا مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَهم بِالجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ أذِلّاءُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ وتُوجَأُ عُنُقُهُ. ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الجِزْيَةِ بِأهْلِ الكِتابِ ويُؤَيِّدُهُ أنْ عَمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ. وأنَّهُ قالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهِلِ الكِتابِ» وذَلِكَ لِأنَّهم لَهم شُبْهَةُ كِتابٍ فَأُلْحِقُوا بِالكِتابِيِّينَ، وأمّا سائِرُ الكَفَرَةِ فَلا تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عِنْدَنا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِنهم إلّا مُشْرِكِي العَرَبِ لِما رَوى الزُّهْرِيُّ أنَّهُ ﷺ صالَحَ عَبَدَةَ الأوْثانِ إلّا مَن كانَ مِنَ العَرَبِ، وعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تُؤْخَذُ مِن كُلِّ كافِرٍ إلّا المُرْتَدَّ، وأقَلُّها في كُلِّ سَنَةٍ دِينارٌ سَواءً فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَنِيِّ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا وعَلى المُتَوَسِّطِ نِصْفُها وعَلى الفَقِيرِ الكَسُوبِ رُبُعُها ولا شَيْءَ عَلى الفَقِيرِ غَيْرِ الكَسُوبِ.

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ إنَّما قالَهُ بَعْضُهم مِن مُتَقَدِّمِيهِمْ أوْ مِمَّنْ كانُوا بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ بَعْدَ وقْعَةِ بَخْتُنَصَّرَ مَن يَحْفَظُ التَّوْراةَ، وهو لَمّا أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ أمْلى عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ حِفْظًا فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وقالُوا: ما هَذا إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ فِيهِمْ أنَّ الآيَةَ قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُكَذِّبُوا مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ. وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿عُزَيْرٌ﴾ بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِابْنٍ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهِ وحَذْفُهُ في القِراءَةِ الأُخْرى إمّا لِمَنعِ صَرْفِهِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ، أوْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ تَشْبِيهًا لِلنُّونِ بِحُرُوفِ اللِّينِ أوْ لِأنَّ الِابْنَ وصْفٌ والخَبَرَ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مَعْبُودِنا أوْ صاحِبِنا وهو مُزَيَّفٌ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَسْلِيمِ النَّسَبِ وإنْكارِ الخَبَرِ المُقَدَّرِ. ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِحالَةً لِأنْ يَكُونَ ولَدٌ بِلا أبٍ أوْ لِأنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى مَن لَمْ يَكُنْ إلَهًا. ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إمّا تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلَيْهِمْ ونَفْيٌ لِلتَّجَوُّزِ عَنْها، أوْ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنْ بُرْهانٍ وتَحْقِيقٍ مُماثِلٍ لِلْمُهْمَلِ الَّذِي يُوجَدُ في الأفْواهِ ولا يُوجَدُ مَفْهُومُهُ في الأعْيانِ. ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يُضاهِي قَوْلُهم قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِهِمْ والمُرادُ قُدَماؤُهم عَلى مَعْنى أنَّ الكُفْرَ قَدِيمٌ فِيهِمْ، أوِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوِ اليَهُودُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى، والمُضاهاةُ المُشابِهَةُ والهَمْزُ لُغَةٌ فِيهِ. وقَرَأ بِهِ عاصِمٌ ومِنهُ قَوْلُهُمُ امْرَأةٌ ضَهْياءُ عَلى فَعِيلٍ لِلَّتِي شابَهَتِ الرِّجالَ في أنَّها لا تَحِيضُ. ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ فَإنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ. ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.