Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

بَيانٌ لِلدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] فَتِلْكَ الدَّرَجَةُ هي عِنايَةُ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ بِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، وتَحْقِيقِ فَوْزِهِمْ، وتَعْرِيفِهِمْ بِرِضْوانِهِ عَلَيْهِمْ، ورَحْمَتِهِ بِهِمْ، وبِما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، ومَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لَمْ يَمْنَحْهُ غَيْرُهم مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، الَّذِينَ وإنْ صَلَحُوا لِأنْ يَنالُوا بَعْضَ هَذِهِ المَزايا فَهم لَمْ يَنالُوا جَمِيعَها.

والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لِلْمُخْبَرِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ.

فَإسْنادُ التَّبْشِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ، مُؤْذِنٌ بِتَعاقُبِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ، وتَجَدُّدِ إدْخالِ السُّرُورِ بِذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ تَجَدُّدَ التَّبْشِيرِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُبَشَّرَ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلْمُبَشَّرِ (بِفَتْحِ الشِّينِ) وإلّا لَكانَ الإخْبارُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ.

وكَوْنُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ، دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ، إيماءٌ إلى الرَّحْمَةِ بِهِمْ والعِنايَةِ: لِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَرْجِعُ إلى تَدْبِيرِ المَرْبُوبِ والرِّفْقِ بِهِ واللُّطْفِ بِهِ، ولِتَحْصُلَ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ إضافَةَ تَشْرِيفٍ.

وتَقَدَّمَتِ الرَّحْمَةُ في قَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

والرِّضْوانُ - بِكَسْرِ الرّاءِ وبِضَمِّها -: الرِّضا الكامِلُ الشَّدِيدُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُشْعِرُ بِالمُبالَغَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ والشُّكْرانِ والعِصْيانِ.

والجَنّاتُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في ذِكْرِ الجَنَّةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ مَراتِبِها وأنْواعِها وأنْواعِ النَّعِيمِ فِيها.

صفحة ١٥٠

والنَّعِيمُ: ما بِهِ التِذاذُ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ المَحْسُوسَةِ، وهو أخَصُّ مِنَ النِّعْمَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] وقالَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]

والمُقِيمُ المُسْتَمِرُّ، اسْتُعِيرَتِ الإقامَةُ لِلدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.

والتَّنْكِيرُ في (بِرَحْمَةٍ، ورَضْوانٍ، وجَنّاتٍ، ونَعِيمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقَرِينَةُ قَوْلِهِ: مِنهُ وقَرِينَةُ كَوْنِ تِلْكَ مُبَشَّرًا بِها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَعُمُّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها وغَيْرَهُ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ إفادَةُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن عَظِيمِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ هو بَعْضُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَيْراتِ فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في الِازْدِيادِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَزْدادُوا رِفْعَةً عِنْدَ رَبِّهِمْ، كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”ما عَلى مَن دُعِيَ مِن جَمِيعِ تِلْكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ“ .

والأجْرُ: العِوَضُ المُعْطى عَلى عَمَلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

بَيانٌ لِلدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] فَتِلْكَ الدَّرَجَةُ هي عِنايَةُ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ بِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، وتَحْقِيقِ فَوْزِهِمْ، وتَعْرِيفِهِمْ بِرِضْوانِهِ عَلَيْهِمْ، ورَحْمَتِهِ بِهِمْ، وبِما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، ومَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لَمْ يَمْنَحْهُ غَيْرُهم مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، الَّذِينَ وإنْ صَلَحُوا لِأنْ يَنالُوا بَعْضَ هَذِهِ المَزايا فَهم لَمْ يَنالُوا جَمِيعَها.

والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لِلْمُخْبَرِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ.

فَإسْنادُ التَّبْشِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ، مُؤْذِنٌ بِتَعاقُبِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ، وتَجَدُّدِ إدْخالِ السُّرُورِ بِذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ تَجَدُّدَ التَّبْشِيرِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُبَشَّرَ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلْمُبَشَّرِ (بِفَتْحِ الشِّينِ) وإلّا لَكانَ الإخْبارُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ.

وكَوْنُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ، دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ، إيماءٌ إلى الرَّحْمَةِ بِهِمْ والعِنايَةِ: لِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَرْجِعُ إلى تَدْبِيرِ المَرْبُوبِ والرِّفْقِ بِهِ واللُّطْفِ بِهِ، ولِتَحْصُلَ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ إضافَةَ تَشْرِيفٍ.

وتَقَدَّمَتِ الرَّحْمَةُ في قَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

والرِّضْوانُ - بِكَسْرِ الرّاءِ وبِضَمِّها -: الرِّضا الكامِلُ الشَّدِيدُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُشْعِرُ بِالمُبالَغَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ والشُّكْرانِ والعِصْيانِ.

والجَنّاتُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في ذِكْرِ الجَنَّةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ مَراتِبِها وأنْواعِها وأنْواعِ النَّعِيمِ فِيها.

صفحة ١٥٠

والنَّعِيمُ: ما بِهِ التِذاذُ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ المَحْسُوسَةِ، وهو أخَصُّ مِنَ النِّعْمَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] وقالَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]

والمُقِيمُ المُسْتَمِرُّ، اسْتُعِيرَتِ الإقامَةُ لِلدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.

والتَّنْكِيرُ في (بِرَحْمَةٍ، ورَضْوانٍ، وجَنّاتٍ، ونَعِيمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقَرِينَةُ قَوْلِهِ: مِنهُ وقَرِينَةُ كَوْنِ تِلْكَ مُبَشَّرًا بِها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَعُمُّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها وغَيْرَهُ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ إفادَةُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن عَظِيمِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ هو بَعْضُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَيْراتِ فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في الِازْدِيادِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَزْدادُوا رِفْعَةً عِنْدَ رَبِّهِمْ، كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”ما عَلى مَن دُعِيَ مِن جَمِيعِ تِلْكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ“ .

والأجْرُ: العِوَضُ المُعْطى عَلى عَمَلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِافْتِتاحِ غَرَضٍ آخَرَ وهو تَقْرِيعُ المُنافِقِينَ ومَن يُوالِيهِمْ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ أوَّلُ السُّورَةِ في تَخْطِيطِ طَرِيقَةِ مُعامَلَةِ المُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المُتامُّ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أبَطَنُوا الكُفْرَ وأظْهَرُوا الإيمانَ: المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِن بَقايا قَبائِلِ العَرَبِ، مِمَّنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ، أوْ لَمْ يُعْرَفُوا وأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ، وحَذَّرَ المُؤْمِنِينَ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِمْ مِن بِطانَتِهِمْ وذَوِي قَرابَتِهِمْ

صفحة ١٥١

ومُخالَطَتِهِمْ، وأكْثَرُ ما كانَ ذَلِكَ في أهْلِ المَدِينَةِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ مُعْظَمُهم مُؤْمِنِينَ خُلَّصًا، وكانَتْ مِن بَيْنِهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ المُنافِقِينَ وهم مِن ذَوِي قَرابَتِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَ الخِطّابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إشْعارٌ بِأنَّ ما سَيُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَصايا هو مِن مُقْتَضَياتِ الإيمانِ وشِعارِهِ.

وقَدْ أسْفَرَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ الَّتِي نَزَلَتْ عَقِبَها هَذِهِ السُّورَةُ عَنْ بَقاءِ بَقِيَّةٍ مِنَ النِّفاقِ في أهْلِ المَدِينَةِ والأعْرابِ المُجاوِرِينَ لَها كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] ونَظائِرِهُما مِنَ الآياتِ.

رَوى الطَّبَرَيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ وقالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا حاجِبُ الكَعْبَةِ، فَلا نُهاجِرُ، تَعَلَّقَ بَعْضُ الأزْواجِ والأبْناءِ بِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ فَقالُوا ”أتُضَيِّعُونَنا“ فَرَقُّوا لَهم وجَلَسُوا مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ومَعْنى ﴿اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ﴾ أحَبُّوهُ حُبًّا مُتَمَكِّنًا. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ ما في اسْتَقامَ واسْتَبْشَرَ.

حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن مُوالاةِ مَنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، في ظاهِرِ أمْرِهِمْ أوْ باطِنِهِ، إذا اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ وبَدَتْ عَلَيْهِمْ أماراتُ ذَلِكَ بِما ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وجَعَلَ التَّحْذِيرَ مِن أُولَئِكَ بِخُصُوصِ، كَوْنِهِمْ آباءً وإخْوانًا تَنْبِيهًا عَلى أقْصى الجَدارَةِ بِالوَلايَةِ لِيُعْلَمَ بِفَحْوى الخِطابِ أنَّ مَن دُونَهم أوْلى بِحُكْمِ النَّهْيِ. ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ هُنا لِأنَّهم تابِعُونَ فَلا يَقْعُدُونَ بَعْدَ مَتْبُوعِيهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أُرِيدَ بِهِ الظّالِمُونَ أنْفُسُهم لِأنَّهم وقَعُوا فِيما نَهاهُمُ اللَّهُ، فاسْتَحَقُّوا العِقابَ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَسَبُّبِ العَذابِ لَها، فالظُّلْمُ إذَنْ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ. وصِيغَةُ الحَصْرِ لِلْمُبالَغَةِ بِمَعْنى أنَّ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ كَلا ظُلْمَ بِالنِّسْبَةِ لِعَظَمَةِ ظُلْمِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُمُ ”الظّالِمُونَ“ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ:﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ إلى الآباءِ والإخْوانِ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ،

صفحة ١٥٢

والمَعْنى ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى الظّالِمِينَ فَيَكُونُ الظُّلْمُ عَلى هَذا مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ، …

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

ارْتِقاءٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ العَلائِقِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إلى التَّقْصِيرِ في القِيامِ بِواجِباتِ الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ زِيادَةُ تَفْصِيلِ الأصْنافِ مِن ذَوِي القَرابَةِ وأسْبابُ المُخالَطَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، ومِنَ الأسْبابِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها نُفُوسُ النّاسِ فَيَحُولُ تَعَلُّقُهم بِها بَيْنَهم وبَيْنَ الوَفاءِ بِبَعْضِ حُقُوقِ الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ الأبْناءُ هُنا لِأنَّ التَّعَلُّقَ بِهِمْ أقْوى مِنَ التَّعَلُّقِ بِالإخْوانِ، وذُكِرَ غَيْرُهم مِن قَرِيبِ القَرابَةِ أيْضًا.

وابْتِداءُ الخِطابِ بِـ ”قُلْ“ يُشِيرُ إلى غِلَظِهِ والتَّوْبِيخِ بِهِ.

والمُخاطَبُ بِضَمائِرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَصَّرُوا في بَعْضِ الواجِبِ أوِ المُتَوَقَّعِ مِنهم ذَلِكَ، كَما يَشْعُرُ بِهِ اقْتِرانُ الشَّرْطِ بِحَرْفِ الشَّكِّ وهو ”إنْ“ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُسْتَرْسِلِينَ في ذَلِكَ المُلابِسِينَ لَهُ هم أهْلُ النِّفاقِ، فَهُمُ المُعَرَّضُ لَهم بِالتَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْنافًا مِنَ العَلاقاتِ وذَوِيها، مِن شَأْنِها أنْ تَأْلَفَها النُّفُوسُ وتَرْغَبَ في القُرْبِ مِنها وعَدَمِ مُفارَقَتِها، فَإذا كانَ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ يَجُرُّ إلى هِجْرانِ بَعْضِها كالآباءِ والإخْوانِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَهْجُرُ بَعْضُهم بَعْضًا إذا اخْتَلَفُوا في الدِّينِ،

صفحة ١٥٣

وكالأبْناءِ والأزْواجِ والعَشِيرَةِ الَّذِينَ يَأْلَفُ المَرْءُ البَقاءَ بَيْنَهم، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُقْعِدُهُ عَنِ الغَزْوِ، وكالأمْوالِ والتِّجارَةِ الَّتِي تَصُدُّ عَنِ الغَزْوِ وعَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المَساكِنُ الَّتِي يَأْلَفُ المَرْءُ الإقامَةَ فِيها فَيَصُدُّهُ إلْفُها عَنِ الغَزْوِ. فَإذا حَصَلَ التَّعارُضُ والتَّدافُعُ بَيْنَ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ ما تَجُرُّ إلَيْهِ تِلْكَ العَلائِقُ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِ دَحْضُها وإرْضاءُ رَبِّهِ.

وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِـ (أحَبَّ) لِأنَّ التَّفْضِيلَ في المَحَبَّةِ يَقْتَضِي إرْضاءَ الأقْوى مِنَ المَحْبُوبِينَ، فَفي هَذا التَّعْبِيرِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّهاوُنِ بِواجِباتِ الدِّينِ مَعَ الكِنايَةِ عَنْ جَعْلِ ذَلِكَ التَّهاوُنِ مُسَبِّبًا عَلى تَقْدِيمِ مَحَبَّةِ تِلْكَ العَلائِقِ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَفِيهِ إيقاظٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ ذَلِكَ مِن مَهْواةٍ في الدِّينِ وهَذا مِن أبْلَغِ التَّعْبِيرِ.

وخُصَّ الجِهادُ بِالذِّكْرِ مِن عُمُومِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنهم: تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، ولِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الخَطَرِ عَلى النُّفُوسِ ومِن إنْفاقِ الأمْوالِ ومُفارَقَةِ الإلْفِ، جَعَلَهُ أقْوى مَظِنَّةً لِلتَّقاعُسِ عَنْهُ، لا سِيَّما والسُّورَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ تَبُوكَ الَّتِي تَخَلَّفَ عَنْها كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ وبَعْضُ المُسْلِمِينَ.

والعَشِيرَةُ الأقارِبُ الأدْنَوْنَ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِشْرَةِ وهي الخُلْطَةُ والصُّحْبَةُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وعَشِيرَتُكم) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وعَشِيراتُكم“ جَمْعُ عَشِيرَةٍ ووَجْهُهُ: أنَّ …

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .

لَمّا تَضَمَّنَتِ الآياتُ السّابِقَةُ الحَثَّ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وكانَ التَّمْهِيدُ لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ مُدَرَّجًا بِإبْطالِ حُرْمَةِ عَهْدِهِمْ، لِشِرْكِهِمْ، وبِإظْهارِ أنَّهم مُضْمِرُونَ العَزْمَ عَلى الِابْتِداءِ بِنَقْضِ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ لَوْ قُدِّرَ لَهُمُ النَّصْرُ عَلى المُسْلِمِينَ وآيَةُ ذَلِكَ: اعْتِداؤُهم عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ المُسْلِمِينَ، وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، حَتّى إذا انْتَهى ذَلِكَ التَّمْهِيدُ المُدَرَّجُ إلى الحَثِّ عَلى قِتالِهِمْ وضَمانِ نَصْرِ اللَّهِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ حَماسَةَ المُسْلِمِينَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِشَواهِدِ ما سَبَقَ مِن نَصْرِ اللَّهِ المُسْلِمِينَ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وتَذْكِيرٍ بِمُقارَنَةِ التَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ لِحالَةِ الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ، وأنَّ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ شَواهِدَ تَشْهَدُ لِلْحالَيْنِ. فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِمُناسَبَةِ الغَرَضِ السّابِقِ.

صفحة ١٥٥

وأُسْنِدَ النَّصْرُ إلى اللَّهِ بِالصَّراحَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيثارَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وإنْ كانَ يُفِيتُ بَعْضَ حُظُوظِ الدُّنْيا، فَفِيهِ حَظُّ الآخِرَةِ وفِيهِ حُظُوظٌ أُخْرى مِنَ الدُّنْيا وهي حُظُوظُ النَّصْرِ بِما فِيهِ: مِن تَأْيِيدِ الجامِعَةِ، ومِنَ المَغانِمِ، وحِمايَةِ الأُمَّةِ مِنِ اعْتِداءِ أعْدائِها، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ إذْ آثَرُوا مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ عَلائِقِهِمِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وأكَّدَ الكَلامَ بِـ قَدْ لِتَحْقِيقِ هَذا النَّصْرِ لِأنَّ القَوْمَ كَأنَّهم نَسُوهُ أوْ شَكُّوا فِيهِ فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ.

ومَواطِنَ: جَمْعُ مَوْطِنٍ، والمَوْطِنُ أصْلُهُ مَكانُ التَّوَطُّنِ، أيِ الإقامَةِ. ويُطْلَقُ عَلى مَقامِ الحَرْبِ ومَوْقِفِها، أيْ نَصْرِكم في مَواقِعِ حُرُوبٍ كَثِيرَةٍ.

و”يَوْمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ: في مَواطِنَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وهو نَصْرُكم والتَّقْدِيرُ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو مِن جُمْلَةِ المَواطِنِ؛ لِأنَّ مَواطِنَ الحَرْبِ تَقْتَضِي أيّامًا تَقَعُ فِيها الحَرْبُ، فَتَدُلُّ المَواطِنُ عَلى الأيّامِ كَما تَدُلُّ الأيّامُ عَلى المَواطِنِ، فَلَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى اسْمِ مَكانٍ عُلِمَ أنَّهُ مَوْطِنٌ مِن مَواطِنِ النَّصْرِ ولِذَلِكَ عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْطَفْ لَتُوُهِّمَ أنَّ المَواطِنَ كُلَّها في يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَيْسَ هَذا المُرادَ. ولِهَذا فالتَّقْدِيرُ: في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وأيّامَ كَثِيرَةٍ مِنها مَوْطِنُ حُنَيْنٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ.

وتَخْصِيصُ يَوْمِ حُنَيْنٍ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أيّامِ الحُرُوبِ: لِأنَّ المُسْلِمِينَ انْهَزَمُوا في أثْناءِ النَّصْرِ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمُ النَّصْرُ، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ بِحُصُولِ النَّصْرِ عِنْدَ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحُصُولِ الهَزِيمَةِ عِنْدَ إيثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ عَلى الِامْتِثالِ، فَفِيهِ مَثَلٌ وشاهِدٌ لِحالَتَيِ الإيثارَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أحَبَّ …

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]

و(ثُمَّ) دالَّةٌ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ نُزُولَ السَّكِينَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ أعْظَمُ مِنَ النَّصْرِ

صفحة ١٥٨

الأوَّلِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، عَلى أنَّ التَّراخِيَ الزَّمَنِيَّ مُرادٌ؛ تَنْزِيلًا لِعِظَمِ الشِّدَّةِ وهَوْلِ المُصِيبَةِ مَنزِلَةَ طُولِ مُدَّتِها، فَإنَّ أزْمانَ الشِّدَّةِ تُخَيَّلُ طَوِيلَةً وإنْ قَصُرَتْ.

والسَّكِينَةُ: الثَّباتُ واطْمِئْنانُ النَّفْسِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْلِيقُها بِإنْزالِ اللَّهِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِ: تَنْوِيهٌ بِشَأْنِها وبَرَكَتِها، وإشارَةٌ إلى أنَّها سَكِينَةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ لَيْسَتْ لَها أسْبابٌ ومُقَدِّماتٌ ظاهِرَةٌ، وإنَّما حَصَلَتْ بِمَحْضِ تَقْدِيرِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ أُنُفًا كَرامَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وإجابَةً لِنِدائِهِ النّاسَ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ قَبْلَ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ.

وإعادَةُ حَرْفِ (عَلى) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ: تَنْبِيهٌ عَلى تَجْدِيدِ تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالمَجْرُورِ الثّانِي لِلْإيماءِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ السَّكِينَتَيْنِ: فَسَكِينَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - سَكِينَةُ اطْمِئْنانٍ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ وثِقَةٍ بِالنَّصْرِ، وسَكِينَةُ المُؤْمِنِينَ سَكِينَةُ ثَباتٍ وشَجاعَةٍ بَعْدَ الجَزَعِ والخَوْفِ.

والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ. والجُنْدُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو الجَماعَةُ المُهَيَّئَةُ لِلْحَرْبِ، وواحِدُهُ بِياءِ النَّسَبِ: جُنْدِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ الجُنْدُ عَلى الأُمَّةِ العَظِيمَةِ ذاتِ القُوَّةِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] في سُورَةِ البُرُوجِ والمُرادُ بِالجُنُودِ هُنا جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلُونَ بِهَزِيمَةِ المُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ أنْزَلَ، أيْ أرْسَلَها اللَّهُ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ قالَ لَمْ تَرَوْها ولِكَوْنِ المَلائِكَةِ مَلائِكَةَ النَّصْرِ أطْلَقَ عَلَيْها اسْمَ الجُنُودِ.

وتَعْذِيبُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا: هو تَعْذِيبُ القَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ.

والإشارَةُ بِـ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ إلى العَذابِ المَأْخُوذِ مِن عَذَّبَ

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] . وهَذا إشارَةٌ إلى إسْلامِ هَوازِنَ بَعْدَ تِلْكَ الهَزِيمَةِ فَإنَّهم

صفحة ١٥٩

جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمِينَ تائِبِينَ، وسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهم وغَنائِمَهم، فَذَلِكَ أكْبَرُ مِنَّةٍ في نَصْرِ المُسْلِمِينَ إذْ أصْبَحَ الجُنْدُ العَدُوُّ لَهم مُسْلِمِينَ مَعَهم، لا يَخافُونَهم بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

والمَعْنى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم فَقَوْلُهُ: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ دَلِيلُ المَعْطُوفِ بِـ (ثُمَّ) ولِذَلِكَ أُتِيَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: " يَتُوبُ اللَّهُ دُونَ الفِعْلِ الماضِي: لِأنَّ المَقْصُودَ ما يَشْمَلُ تَوْبَةَ هَوازِنَ وتَوْبَةَ غَيْرِهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى إفادَةِ تَجَدُّدِ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ مَن تابَ إلى اللَّهِ لا يَخْتَصُّ بِها هَوازِنَ فَتَوْبَتُهُ عَلى هَوازِنَ قَدْ عَرَفَها المُسْلِمُونَ، فَأعْلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ يُعامِلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كُلَّ مَن نَدِمَ وتابَ، فالمَعْنى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ لِإفادَةِ أنَّ المَغْفِرَةَ مِن شَأْنِهِ تَعالى، وأنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ إنْ أنابُوا إلَيْهِ وتَرَكُوا الإشْراكَ بِهِ.

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلرُّجُوعِ إلى غَرَضِ إقْصاءِ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] الآيَةَ، جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِإبْعادِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرى تَقْتَضِي إبْعادَهم عَنْهُ: وهي أنَّهم نَجَسٌ، فَقَدْ عَلَّلَ فِيما مَضى بِأنَّهم شاهِدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَلَيْسُوا أهْلًا لِتَعْمِيرِ المَسْجِدِ المَبْنِيِّ لِلتَّوْحِيدِ، وعَلَّلَ هُنا بِأنَّهم نَجَسٌ فَلا يَعْمُرُوا المَسْجِدَ لِطَهارَتِهِ.

ونَجَسٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي النَّجاسَةُ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهُ، وقَدْ أُنِيطَ وصْفُ النَّجاسَةِ بِهِمْ بِصِفَةِ الإشْراكِ، فَعَلِمْنا أنَّها نَجاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ ولَيْسَتْ نَجاسَةً ذاتِيَّةً.

صفحة ١٦٠

والنَّجاسَةُ المَعْنَوِيَّةُ: هي اعْتِبارُ صاحِبِ وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ مُحَقَّرًا مُتَجَنَّبًا مِنَ النّاسِ فَلا يَكُونُ أهْلًا لِفَضْلٍ ما دامَ مُتَلَبِّسًا بِالصِّفَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُ كَذَلِكَ، فالمُشْرِكُ نَجَسٌ لِأجْلِ عَقِيدَةِ إشْراكِهِ، وقَدْ يَكُونُ جَسَدُهُ نَظِيفًا مُطَيَّبًا لا يَسْتَقْذِرُ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرُ الجَسَدِ مُلَطَّخًا بِالنَّجاساتِ لِأنَّ دِينَهُ لا يُطْلَبُ مِنهُ التَّطَهُّرُ، ولَكِنْ تَنَظُّفُهم يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَوائِدِهِمْ وبِيئَتِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ لَهم في الإسْلامِ تَحْقِيرُهم وتَبْعِيدُهم عَنْ مَجامِعِ الخَيْرِ، ولا شَكَّ أنَّ خَباثَةَ الِاعْتِقادِ أدْنى بِصاحِبِها إلى التَّحْقِيرِ مِن قَذارَةِ الذّاتِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ الغُسْلَ عَلى المُشْرِكِ إذا أسْلَمَ انْخِلاعًا عَنْ تِلْكَ القَذارَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالطِّهارَةِ الحِسِّيَّةِ لِإزالَةِ خَباثَةِ نَفْسِهِ، وإنَّ طِهارَةَ الحَدَثِ لَقَرِيبٌ مِن هَذا.

وقَدْ فَرَّعَ عَلى نَجاسَتِهِمْ بِالشِّرْكِ المَنعَ مِن أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، أيِ المَنعَ مِن حُضُورِ مَوْسِمِ الحَجِّ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.

والإشارَةُ إلى العامِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقَدْ حَضَرَ المُشْرِكُونَ مَوْسِمَ الحَجِّ فِيهِ وأُعْلِنَ لَهم فِيهِ أنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِ، وإنَّما أُمْهِلُوا إلى بَقِيَّةِ العامِ لِأنَّهم قَدْ حَصَلُوا في المَوْسِمِ، والرُّجُوعُ إلى ءافاقِهِمْ مُتَفاوِتٌ فَأُرِيدَ مِنَ العامِ مَوْسِمَ الحَجِّ، وإلّا فَإنَّ نِهايَةَ العامِ بِانْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ وهم قَدْ أُمْهِلُوا إلى نِهايَةِ المُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]

وإضافَةُ (العامِ) إلى ضَمِيرِ (هم) لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِمْ بِحُكْمٍ هائِلٍ في ذَلِكَ العامِ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:

فَإنْ كانَ أعْجَبَكم عامُكم فَعُودُوا إلى مِصْرَ في القابِلِ

وصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لِإفادَةِ نَفْيِ التَّرَدُّدِ في اعْتِبارِهِمْ نَجَسًا، فَهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالنَّجاسَةِ حَتّى كَأنَّهم لا وصْفَ لَهم إلّا النِّجَسِيَّةَ.

ووَصْفُ (العامِ) باسِمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِ وبَيانِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ﴾ ظاهِرُهُ نَهْيٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَنِ القُرْبِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ومُواجَهَةُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ تَقْتَضِي نَهْيَ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَقْرُبَ المُشْرِكُونَ …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لا تَتَفَرَّعُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، فالكَلامُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ نَبْذِ العَهْدِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأحْوالِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ إلى غَرَضِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، إذْ كانَ الفَرِيقانِ مُسالِمَيْنِ المُسْلِمِينَ في أوَّلِ بَدْءِ الإسْلامِ، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ في مُدافَعَةِ المُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ما يَكْفِيهِمْ أمْرَ التَّصَدِّي، لِلطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَلاشِي أمْرِهِ فَلَمّا أخَذَ الإسْلامُ يَنْتَشِرُ في بِلادِ العَرَبِ يَوْمًا فَيَوْمًا، واسْتَقَلَّ أمْرُهُ بِالمَدِينَةِ، ابْتَدَأ بَعْضُ اليَهُودِ يُظْهِرُ إحَنَهُ نَحْوَ المُسْلِمِينَ، فَنَشَأ النِّفاقُ بِالمَدِينَةِ وظاهَرَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ أهْلَ الأحْزابِ لَمّا غَزُوا المَدِينَةَ فَأذْهَبَهُمُ اللَّهُ عَنْها.

ثُمَّ لَمّا اكْتَمَلَ نَصْرُ الإسْلامِ بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وعُمُومِهِ بِلادَ العَرَبِ بِمَجِيءِ وُفُودِهِمْ مُسْلِمِينَ، وامْتَدَّ إلى تُخُومِ البِلادِ الشّامِيَّةِ، أوْجَسَتْ نَصارى العَرَبِ خِيفَةً مِن تَطَرُّقِهِ إلَيْهِمْ، ولَمْ تَغْمُضْ عَيْنُ دَوْلَةِ الرُّومِ حامِيَةِ نَصارى العَرَبِ عَنْ تَدانِي بِلادِ الإسْلامِ مِن بِلادِهِمْ، فَأخَذُوا يَسْتَعِدُّونَ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ مُلُوكِ غَسّانَ سادَةَ بِلادِ الشّامِ في مُلْكِ الرُّومِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ ”«كانَ لِي صاحِبٌ مِنَ الأنْصارِ إذا غِبْتُ أتانِي بِالخَبَرِ وإذا غابَ كُنْتُ أنا آتِيهِ بِالخَبَرِ ونَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِن مُلُوكِ غَسّانَ ذُكِرَ لَنا أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسِيرَ إلَيْنا وأنَّهم يَنْعَلُونَ الخَيْلَ لِغَزْوِنا فَإذا صاحِبِي الأنْصارِيِّ يَدُقُّ البابَ فَقالَ: افْتَحِ افْتَحْ. فَقُلْتُ: أجاءَ الغَسّانِيُّ. قالَ: بَلْ أشَدُّ مِن ذَلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ» إلى آخَرِ الحَدِيثِ.

صفحة ١٦٣

فَلا جَرَمَ لَمّا أمِنَ المُسْلِمُونَ بَأْسَ المُشْرِكِينَ وأصْبَحُوا في مَأْمَنٍ مِنهم، أنْ يَأْخُذُوا الأُهْبَةَ لِيَأْمَنُوا بَأْسَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فابْتَدَأ ذَلِكَ بِغَزْوِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَدْ هُزِمُوا وكَفى اللَّهُ المُسْلِمِينَ بَأْسَهم وأوْرَثَهم أرْضَهم فَلَمْ يَقَعْ قِتالٌ مَعَهم بَعْدُ ثُمَّ ثَنّى بِغَزْوَةِ تَبُوكَ الَّتِي هي مِن مَشارِفِ الشّامِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ خُصُوصُ النَّصارى، وهَذا لا يُلاقِي ما تَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ.

و(مِن) بَيانِيَّةٌ وهي تُبَيِّنُ المَوْصُولَ الَّذِي قَبْلَها.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ القَوْمَ المَأْمُورَ بِقِتالِهِمْ ثَبَتَتْ لَهم مَعانِي الأفْعالِ الثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأنَّ البَيانَ الواقِعَ بَعْدَ الصِّلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ، فَيَقْتَضِي أنَّ الفَرِيقَ المَأْمُورُ بِقِتالِهِ فَرِيقٌ واحِدٌ، انْتَفى عَنْهُمُ الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، والتَّدَيُّنُ بِدِينِ الحَقِّ. …

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُ اليَهُودُ مِنهم عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، ويَقُولُ النَّصارى مِنهُمُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، تَشْنِيعًا عَلى قائِلِيهِما مِن أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ غايَتَهُ حَتّى ساوَوُا المُشْرِكِينَ.

وعُزَيْرُ: اسْمُ حَبْرٍ كَبِيرٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ البابِلِيِّ، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (عِزْرا) بِكَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ بْنُ (سَرايا) مِن سِبْطٍ اللّاوِيِّينَ، كانَ

صفحة ١٦٨

حافِظًا لِلتَّوْراةِ. وقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ (كُورَشُ) مَلِكُ فارِسَ فَأطْلَقَهُ مِنَ الأسْرِ، وأطْلَقَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ في بابِلَ، وأذِنَهم بِالرُّجُوعِ إلى أُورْشَلِيمَ وبِناءُ هَيْكَلِهِمْ فِيهِ، وذَلِكَ في سَنَةِ ٤٥١ قَبْلَ المَسِيحِ، فَكانَ عِزْرا زَعِيمَ أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ رَجَعُوا بِقَوْمِهِمْ إلى أُورْشَلِيمَ وجَدَّدُوا الهَيْكَلَ وأعادَ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ مِن حِفْظِهِ، فَكانَ اليَهُودُ يُعَظِّمُونَ عِزْرا إلى حَدِّ أنِ ادَّعى عامَّتُهم أنَّ عِزْرا ابْنُ اللَّهِ، غُلُوًّا مِنهم في تَقْدِيسِهِ، والَّذِينَ وصَفُوهُ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وتَبِعَهم كَثِيرٌ مِن عامَّتِهِمْ. وأحْسَبُ أنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى هَذا القَوْلِ أنْ لا يَكُونُوا أخْلِياءَ مِن نِسْبَةِ أحَدِ عُظَمائِهِمْ إلى بُنُوَّةِ اللَّهِ - تَعالى - مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى في المَسِيحِ كَما قالَ مُتَقَدِّمُوهُمُ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]

قالَ بِهَذا القَوْلِ فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ فَأُلْصِقَ القَوْلُ بِهِمْ جَمِيعًا لِأنَّ سُكُوتَ الباقِينَ عَلَيْهِ وعَدَمَ تَغْيِيرِهِ يُلْزِمُهُمُ المُوافَقَةَ عَلَيْهِ والرِّضا بِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اسْمُ عِزْرا في الآيَةِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا عُرِّبَ عُرِّبَ بِصِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ التَّصْغِيرِ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ اسْمُهُ عِنْدَ يَهُودِ المَدِينَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّ تَصْغِيرَهُ جَرى عَلى لِسانِ يَهُودِ المَدِينَةِ تَحْبِيبًا فِيهِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ عُزَيْرُ - مَمْنُوعًا مِنَ التَّنْوِينِ لِلْعُجْمَةِ - وهو ما جَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: بِالتَّنْوِينِ عَلى اعْتِبارِهِ عَرَبِيًّا بِسَبَبِ التَّصْغِيرِ الَّذِي أُدْخِلَ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّصْغِيرَ لا يَدْخُلُ في الأعْلامِ العَجَمِيَّةِ، وهو ما جَزَمَ بِهِ عَبْدُ القاهِرِ في فَصْلِ النَّظْمِ مِن دَلائِلِ الإعْجازِ، وتَأوُّلُ قِراءَةِ تَرْكِ التَّنْوِينِ بِوَجْهَيْنِ لَمْ يَرْتَضِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ.

وأمّا قَوْلُ النَّصارى بِبُنُوَّةِ المَسِيحِ فَهو مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى المَسِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن ”قالَتِ اليَهُودُ“ - ”وقالَتِ النَّصارى“ . والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ تَشْهِيرُ القَوْلِ وتَمْيِيزُهُ، زِيادَةً في تَشْنِيعِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.

و”بِأفْواهِهِمْ“ حالٌ مِنَ القَوْلِ، والمُرادُ أنَّهُ قَوْلٌ لا يَعْدُو الوُجُودَ في …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.