Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَقْرِيعَهم بِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِئِ أعْمالِهِمْ مَزْجَرَةٌ عَنْها ومَظِنَّةٌ لِلتَّوْبَةِ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيِ: التَزَمُوهُما وعَزَمُوا عَلى إقامَتِهِما ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الدِّينِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِإخْوانِكُمْ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أيْ: لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فَعامِلُوهم مُعامَلَةَ الإخْوانِ، وفِيهِ مِنِ اسْتِمالَتِهِمْ واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ جَوابِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ وجَوابِ الَّتِي مَرَّتْ مِن قَبْلُ مَعَ اتِّحادِ الشَّرْطِ فِيهِما لِما أنَّ الأوْلى سِيقَتْ إثْرَ الأمْرِ بِالقَتْلِ ونَظائِرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جَوابُها أمْرًا بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذِهِ سِيقَتْ بَعْدَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالِاعْتِداءِ وأشْباهِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ جَوابِها حُكْمًا بِخِلافِهِ البَتَّةَ.

﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نُبَيِّنُها، والمُرادُ بِها: إمّا ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ مِنَ النّاكِثِينَ وغَيْرِهِمْ وأحْكامِهِمْ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، وإمّا جَمِيعُ الآياتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها تِلْكَ الآياتُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الأحْكامِ أوْ لِقَوْمٍ عالِمِينَ، وهو اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ في الأحْكامِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها.

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿وَإنْ نَكَثُوا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَإنَّ تابُوا" أيْ: وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ المُوَثَّقِ بِها، وأظْهَرُوا ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وأخْرَجُوهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: (وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا" ... الآيَةَ، أوْ ثَبَتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّكْثِ، لا أنَّهُمُ ارْتَدَوْا بَعْدَ الإيمانِ- كَما قِيلَ - ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ قَدَحُوا فِيهِ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ: فَقاتِلُوهُمْ، وإنَّما أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْإيذانِ بِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي رِياسَةٍ وتَقَدُّمٍ في الكُفْرِ، أحِقّاءَ بِالقَتْلِ والقِتالِ، وقِيلَ المُرادُ بِأئِمَّتِهِمْ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهُمْ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ إمّا لِأهَمِّيَةِ قَتْلِهِمْ، أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ، فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهُمْ، وقُرِئَ (أئِمَّةَ) بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ، والأفْصَحُ إخْراجُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وَأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَحْنٌ ظاهِرٌ عِنْدَ الفَرّاءِ ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَعُدُّونَ نَقْضَها مَحْذُورًا، وإنْ أجْرَوْها عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِها - كالنَّكْثِ فِيما سَلَفَ لا بِالعَهْدِ المُؤَكَّدِ بِها - لِأنَّها العُمْدَةُ في المَواثِيقِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ لا يُساعِدُهُ تَعْلِيقُهُ بِالنَّكْثِ والطَّعْنِ؛ لِأنَّ حالَهم في أنْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ كَحالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى عَدَمِ بَقاءِ أيْمانِهِمْ بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ - مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ - خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الأوْلى جَعْلُها تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا، كَما هو المُتَوَقَّعُ مِنهُمْ، إذْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً حَتّى لا يَنْكُثُوها، أوْ لِاسْتِمْرارِ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَفادِ مِن سِياقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقاتِلُوهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا إنَّهم لا أيْمانَ لَهم حَتّى يُعْقَدَ مَعَهم عَهْدٌ آخَرُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إعْطاءِ الأمانِ، أيْ: لا سَبِيلَ إلى أنْ تُعْطُوهم أمانًا بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا، وأمّا العَكْسُ - كَما قِيلَ - فَلا وجْهَ لَهُ لِإشْعارِهِ بِأنَّ مُعاهَدَتَهم مَعَنا عَلى طَرِيقَةِ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ الأمانِ مِن قِبَلِهِمْ، وذَلِكَ بَيِّنُ البُطْلانِ، أوْ بِمَعْنى الإسْلامِ، فَفي كَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ إشْكالٌ بَلِ اسْتِحالَةٌ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى انْتِفاءِ الإسْلامِ مُطْلَقًا فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ العِلِّيَّةِ لِلْقِتالِ، أوْ لِلْأمْرِ بِهِ كَما قَبْلَ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وإنْ حُمِلَ عَلى انْتِفائِهِ فِيما سَيَأْتِي فَلا يُلائِمُ جَعْلَ الِانْتِهاءِ غايَةً لِلْقِتالِ فِيما سَيَجِيءُ، فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا، وهو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا إسْلامَ لَهم حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنْ نَقْضِ جِنْسِ أيْمانِهِمْ، وعَنِ الطَّعْنِ في دِينِكم.

﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَقاتِلُوا" أيْ: قاتِلُوهم إرادَةَ أنْ يَنْتَهُوا، أيْ: لِيَكُنْ غَرَضُكم …

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى انْتِفاءِ مُقاتَلَتِهِمْ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ تَدُلُّ عَلى تَحْضِيضِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ بِطَرِيقِ حَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِانْتِفائِها، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْتَرَفَ بِهِ طائِعًا لِكَمال شَناعَتِهِ، فَيَلْجَئُونَ إلى ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الإقْرارِ بِهِ فَيَخْتارُونَ المُقاتَلَةَ ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها عِنْدَ المُعاهَدَةِ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَيَكُونُ نَعْيًا عَلَيْهِمْ جِنايَتَهُمُ القَدِيمَةَ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ ﴿وَهم بَدَءُوكُمْ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُحاجَّةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى المُقاتَلَةِ، أوْ بَدَءُوا بِقِتالِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ إعانَةَ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ قِتالٌ مَعَهم.

﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أيْ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ حَتّى تَتْرُكُوا قِتالَهُمْ، وبَّخَهم أوَّلًا بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها، ويُحَقِّقُ أنَّ مَن كانَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ السَّيِّئَةِ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، ويُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِ أعْدائِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تَخْصِيصُ الخَشْيَةِ بِهِ تَعالى، وعَدَمُ المُبالاةِ بِمَن سِواهُ، وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِمْ، وبِتَعْذِيبِ أعْدائِهِمْ وإخْزائِهِمْ، وتَشْجِيعٌ لَهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ قَتْلًا وأسْرًا ﴿وَيَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَجْعَلُكم جَمِيعًا غالِبِينَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ أُخِّرَ عَنِ التَّعْذِيبِ والإجْزاءِ ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ، وهم خُزاعَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقَوْا مِن أهْلِها أذًى كَثِيرًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْكُونَ إلَيْهِ، فَقالَ ﷺ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ».»

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ بِما كابَدُوا مِنَ المَكارِهِ والمَكايِدِ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما وعَدَهم بِهِ عَلى أجْمَلِ ما يَكُونُ، فَكانَ إخْبارُهُ ﷺ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ مُعْجِزَةً عَظِيمَةً ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يُنْبِئُ عَمّا سَيَكُونُ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ مِنَ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ، بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَكانَ كَذَلِكَ حَيْثُ أسْلَمَ ناسٌ مِنهم وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ بِحَسَبِ المَعْنى، فَإنَّ القِتالَ - كَما هو سَبَبٌ لِفَلِّ شَوْكَتِهِمْ وإلانَةِ شَكِيمَتِهِمْ - فَهو سَبَبٌ لِلتَّدَبُّرِ في أمْرِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولِلِاخْتِلافِ في وجْهِ السَّبَبِيَّةِ غُيِّرَ السَّبْكُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿واللَّهُ﴾ إيثارُ إظْهارِ الجَلالَةِ عَلى الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ إلى آخَرَ، وما فِيها مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الحُسْبانِ المَذْكُورِ، أيْ: بَلْ أحَسِبْتُمْ ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ، ولا تُبْتَلُوا بِما يُمَحِّصُكُمْ، والخِطابُ إمّا لِمَن شَقَّ عَلَيْهِمُ القِتالُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ لِلْمُنافِقِينَ ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ الواوُ حالِيَّةٌ، ولَمّا لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، إذْ لَوْ شُمَّ رائِحَةُ الوُجُودِ لَعُلِمَ قَطْعًا، فَلَمّا لَمْ يُعْلَمْ لَزِمَ عَدَمُهُ قَطْعًا، أيْ: أمْ حَسَبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصُ مِنَ المُجاهِدِينَ مِنكم مِن غَيْرِهِمْ، وما في (لَمّا) مِنَ التَّوَقُّعِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وفائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَمّا ذُكِرَ مِن عَدَمِ التَّبَيُّنِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ المَقْصُودَ هو التَّبَيُّنُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا لِلْعِلْمِ ومَدارًا لِلثَّوابِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحالِ المُقَصِّرِينَ - لِما أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَ إرادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ.

﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (جاهَدُوا) داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جاهَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً وصاحِبَ سِرٍّ، وهو الَّذِي تُطْلِعُهُ عَلى ما في ضَمِيرِكَ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، مِنَ الوُلُوجِ وهو الدُّخُولُ، و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ إنْ أُبْقِيَ عَلى حالِهِ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّسْيِيرِ.

﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ أعْمالِكُمْ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، وهو تَذْيِيلٌ يُزِيحُ ما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وَلَمّا يَعْلَمِ) ... إلَخْ، أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، والمَعْنى: ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ، والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أعْمالِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم عَلى مَعْنى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ لا نَفْيِ الجَوازِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ" أيْ: ما وقَعَ وما تَحَقَّقَ لَهم ﴿أنْ يَعْمُرُوا﴾ عِمارَةً مُعْتَدًّا بِها ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَسْجِدَ الحَرامَ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ الجِهاتِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، إذْ لَيْسَ في نَواحِيها اخْتِلافُ الجِهَةِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ: ما كانَ لَهم أنْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو صَدْرُ الجِنْسِ، ويَأْباهُ أنَّهم لا يَتَصَدَّوْنَ لِتَعْمِيرِ سائِرِ المَساجِدِ، ولا يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، عَلى أنَّهُ مُبْنِئٌ عَلى كَوْنِ النَّفْيِ بِمَعْنى نَفْيِ الجَوازِ واللِّياقَةِ دُونَ نَفْيِ الوُجُودِ.

﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِإظْهارِ آثارِ الشِّرْكِ مِن نَصْبِ الأوْثانِ حَوْلَ البَيْتِ والعِبادَةِ لَها، فَإنَّ ذَلِكَ شَهادَةٌ صَرِيحَةٌ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا أنْ يَقُولُوا نَحْنُ كُفّارٌ - كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَعْمُرُوا) أيْ: مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةً عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى فَلَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ.

رُوِيَ أنَّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ أقْبَلُوا عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: تَذْكُرُونَ مُساوِيَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا، فَقالَ: ولَكم مَحاسِنُ، قالُوا: نَعَمْ؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ.

﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِمارَةَ المَسْجِدِ وما يُضاهِيها مِن أعْمالِ البِرِّ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الكُفْرِ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ هَباءً مَنثُورًا ﴿وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِكَفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْمُبالِغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ السّابِقِ، الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ، والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في إيرادِ صِيغَةِ الجَمْعِ كَما مَرَّ فِيما مَرَّ، خَلا أنَّ إرادَةَ جَمِيعِ المَساجِدِ وإدْراجَ المَسْجِدِ الحَرامِ في ذَلِكَ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِمُقْتَضى الحالِ، فَإنَّ الإيجابَ لَيْسَ كالسَّلْبِ، وقَدْ قُرِئَ بِالإفْرادِ أيْضًا، والمُرادُ هَهُنا أيْضًا قَصْرُ تَحَقُّقِ العِمارَةِ ووُجُودِها عَلى المُؤْمِنِينَ لا قَصْرُ جَوازِها ولِياقَتِها، أيْ: إنَّما يَصِحُّ ويَسْتَقِيمُ أنْ يَعْمُرَها عِمارَةً يُعْتَدُّ بِها ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بِما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ عَلى ما عَلِمَ مِنَ الدِّينِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتْمًا، وقِيلَ: هو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمان باللَّهِ خاصَّةً، فَإنَّ أحَدَ جُزْأيْ كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ عِلْمٌ لِلْكُلِّ، أيْ: إنَّما يَعْمُرُها مَن جَمَعَ هَذِهِ الكِمالاتِ العِلْمِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ، والمُرادُ بِالعِمارَةِ ما يَعُمُّ مَرَمَّةَ ما اسْتَرَمَّ مِنها، وقَمَّها، وتَنْظِيفَها، وتَزْيِينَها بِالفُرُشِ، وتَنْوِيرَها بِالسُّرُجِ، وإدامَةَ العِبادَةِ والذِّكْرِ، ودِراسَةَ العُلُومِ فِيها، ونَحْوَ ذَلِكَ، وصِيانَتَها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا.

وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ».»

وَقالَ ﷺ: ««قالَ اللَّهُ تَعالى: إنْ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي، فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرِهِ».»

وَعَنْهُ ﷺ: ««مَن ألِفَ المَسْجِدَ ألِفَهُ اللَّهُ تَعالى».»

وَقالَ ﷺ: ««إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ».»

وَعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ««مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْءُهُ».»

﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ فَعَمِلَ بِمُوجِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ غَيْرَ آخِذٍ لَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا خَشْيَةُ ظالِمٍ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ الخَشْيَةِ عِنْدَ القِتالِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وَأمّا الخَوْفُ الجِبِلِّيُّ مِنَ الأُمُورِ المَخُوفَةِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ، ولا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ والخِطابِ، وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم.

﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ إلى مَباغِيهِمْ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها مِن فُنُونِ المَطالِبِ العَلِيَّةِ، وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ السَّنِيَّةِ في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يَحْسَبُونَ أنَّهم في ذَلِكَ مُحْسِنُونَ، ولِتَوْبِيخِهِمْ بِقَطْعِهِمْ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِن هَذِهِ الكِمالاتِ - إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى - فَما بالُ الكَفَرَةِ وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهُمْ؟! وفِيهِ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَرْغِيبٌ لَهم في تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، ورَفْضُ الِاعْتِذارِ بِاللَّهِ تَعالى.

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ لا يُتَصَوَّرُ تَشْبِيهُهُما بِالأعْيانِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الجانِبَيْنِ، أيْ: أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ... إلَخْ؟ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ) أوْ (أجَعَلْتُمُوها كَإيمانِ مَن آمَنَ)... إلَخْ.

وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو المُتَبادَرُ مِن تَخْصِيصِ ذِكْرِ الإيمانِ بِجانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ ونَحْوِهِما عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ ونَظائِرِهِما، وهو المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ لِلْفَرِيقِ الثّانِي، وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ، وجَعْلُ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لا يُجْدِي كَثِيرَ نَفْعٍ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ أيْضًا، أمّا عَلى الأوَّلِ فَهو تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ، ومَدارُهُ عَلى إنْكارِ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ - مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورِينَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ - بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ، وأمّا اعْتِبارُ مُقارَنَتِهِما لَهُ - كَما قِيلَ - فَيَأْباهُ المَقامُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ آنِفًا حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ بِالمَرَّةِ؟! وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَشْبِيهِهِما بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رَدُّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ التَّنْزِيلِيُّ، ولَوِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن تَشْبِيهِ المَعْدُومِ بِالمَوْجُودِ.

فالمَعْنى: أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ، أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ بَيْنِهِما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ - وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ - لَكِنَّهُما - وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ - بِمَعْزِلٍ عَنْ صَلاحِيَّةِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ، أوْ يُشَبَّهَ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ مِن حَيْثُ اتِّصافُ كُلٍّ مِنهُما بِوَصْفَيْهِما، ومِن ضَرُورَتِهِ عَدَمُ التَّساوِي بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبَيْنَ الآخِرَيْنِ؛ لِأنَّهُ المَدارُ في التَّفاوُتِ بَيْنَ المَوْصُوفَيْنِ، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارِ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ - مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ …

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ، وضَلالِ المُشْرِكِينَ وظُلْمِهِمْ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ، لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، أيْ: هم بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِها كائِنًا مَن كانَ، وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِنَ الكِمالاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها السِّقايَةُ والعِمارَةُ.

﴿وَأُولَئِكَ﴾ أيِ: المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الرِّفْعَةِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ، أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ، كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ، وأمّا عَلى الثّانِي فَهو تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ.

رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا قالَ لِلْعَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بَعْدَ إسْلامِهِ: يا عَمِّ ألا تُهاجِرُونَ؟ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ؛ أسْقِي حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ، وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، فَلَمّا نَزَلَتْ قالَ: ما أُرانِي إلّا تارِكَ سِقايَتَنا، فَقالَ ﷺ: ««أقِيمُوا عَلى سِقايَتِكُمْ، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا».»

وَرَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ – فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ اسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَدَخَلَ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَذِهِ الآيَةَ.

والمَعْنى: أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والرِّفْعَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ، أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ في جانِبِ المُشَبَّهِ - مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا - تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ، وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يُتْرَكْ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا؛ تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ، وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ، ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ، ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ - ظاهِرٌ، وكَذا أعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فالمُرادُ بِهِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لَهم إلى مَعْرِفَةِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ، وظُلْمُهم بِوَضْعِ كُلٍّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، ولا الظُّلْمُ عُمُومًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.