Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ.

﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ. ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿أئِمَّةَ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ.

﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ. ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿أئِمَّةَ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الهَمْزَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ لِلْإنْكارِ فَأفادَتِ المُبالَغَةَ في الفِعْلِ. ﴿نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ. ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَأهم بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالكِتابِ والتَّحَدِّي بِهِ، فَعَدَلُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ إلى المُعاداةِ والمُقاتَلَةِ فَما يَمْنَعُكم أنْ تُعارِضُوهم وتُصادِمُوهم. ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَقاتِلُوا أعْداءَهُ ولا تَتْرُكُوا أمْرَهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أمْرٌ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِهِ والتَّوَعُّدُ عَلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ وعْدٌ لَهم إنْ قاتَلُوهم بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والتَّمَكُّنِ مِن قَتْلِهِمْ وإذْلالِهِمْ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي خُزاعَةَ.

وَقِيلَ بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ» .

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم وقَدْ أوْفى اللَّهُ بِما وعَدَهم والآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَهم يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا، وقُرِئَ « ويَتُوبَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ فَإنَّ القِتالَ كَما تَسَبَّبَ لِتَعْذِيبِ قَوْمٍ تَسَبَّبُ لِتَوْبَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما كانَ وما سَيَكُونُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَحْكُمُ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أمْرٌ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِهِ والتَّوَعُّدُ عَلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ وعْدٌ لَهم إنْ قاتَلُوهم بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والتَّمَكُّنِ مِن قَتْلِهِمْ وإذْلالِهِمْ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي خُزاعَةَ.

وَقِيلَ بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ» .

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم وقَدْ أوْفى اللَّهُ بِما وعَدَهم والآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَهم يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا، وقُرِئَ « ويَتُوبَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ فَإنَّ القِتالَ كَما تَسَبَّبَ لِتَعْذِيبِ قَوْمٍ تَسَبَّبُ لِتَوْبَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما كانَ وما سَيَكُونُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَحْكُمُ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ كَرِهَ بَعْضُهُمُ القِتالَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّوْبِيخُ عَلى الحُسْبانِ. ﴿أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ ولَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصَ مِنكم وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مَن غَيْرَهم، نَفى العِلْمَ وأرادَ نَفْيَ المَعْلُومِ لِلْمُبالَغَةِ فَإنَّهُ كالبُرْهانِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عُطِفَ عَلى جاهَدُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ بِطانَةً يُوالُونَهم ويُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَهم. وما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ.﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْلَمُ غَرَضَكم مِنهُ وهو كالمَزِيجِ لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ .

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم. ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وقِيلَ هو المُرادُ وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها فَعامِرُهُ كَعامِرِ الجَمِيعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ والمَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ وعِبادَةِ غَيْرِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القَوْلِ فَقالَ: ما بالُكم تَذْكُرُونَ « مَساوِينا» وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَفُكَّ العانِيَ فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الشِّرْكِ. ﴿وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِأجْلِهِ.

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ أيْ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَمارَتُها لِهَؤُلاءِ الجامِعِينَ لِلْكِمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ومِن عِمارَتِها تَزْيِينُها بِالفَرْشِ وتَنْوِيرُها بِالسُّرُجِ وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودَرْسُ العِلْمِ فِيها وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قالَ اللَّهُ تَعالى إنَّ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» .

وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ لِما عُلِمَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ قَرِينُهُ وتَمامُهُ الإيمانُ بِهِ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ عَلَيْهِ. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ في أبْوابِ الدِّينِ فَإنَّ الخَشْيَةَ عَنِ المَحاذِيرِ جِبِلِّيَّةٌ لا يَكادُ العاقِلُ يَتَمالَكُ عَنْها. ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قَطْعًا لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ في الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم بِالقَطْعِ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ مَعَ كَمالِهِمْ إذا كانَ اهْتِداؤُهم دائِرًا بَيْنَ عَسى ولَعَلَّ فَما ظَنُّكَ بِأضْدادِهِمْ، ومَنعًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَغْتَرُّوا بِأحْوالِهِمْ ويَتَّكِلُوا عَلَيْها.

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ فَلا يُشَبَّهانِ بِالجُثَثِ بَلْ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ كَمَن آمَنَ، أوْ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُقاةُ الحاجِّ وعُمْرَةُ المَسْجِدِ» والمَعْنى إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمِ المُثْبَتَةِ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ عَدَمَ تُساوِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ظَلَمَةٌ بِالشِّرْكِ ومُعاداةٌ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْهَمِكُونَ في الضَّلالَةِ فَكَيْفَ يُساوُونَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ووَفَّقَهم لِلْحَقِّ والصَّوابِ، وقِيلَ المُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.