Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ تَفْرِيعُ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ لِتَعْقِيبِ الشِّدَّةِ بِاللِّينِ إنْ هم أقْلَعُوا عَنْ عَداوَةِ المُسْلِمِينَ بِأنْ دَخَلُوا في الإسْلامِ لِقَصْدِ مَحْوِ أثَرِ الحَنَقِ عَلَيْهِمْ إذا هم أسْلَمُوا. أعْقَبَ بِهِ جُمْلَةَ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] إلى قَوْلِهِ: ”المُعْتَدُونَ“ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ تَدارُكَهم أمْرَهم هَيِّنٌ عَلَيْهِمْ. وفَرَّعَ عَلى التَّوْبَةِ أنَّهم يَصِيرُونَ إخْوانًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِذِكْرِ عَداوَتِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ جُعِلَتْ تَوْبَتُهم سَبَبًا لِلْأُخُوَّةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، بِخِلافِ مَقامِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] حَيْثُ إنَّ المُعَقَّبَ بِالتَّوْبَةِ هُنالِكَ هو الأمْرُ بِقِتالِهِمْ والتَّرَصُّدِ لَهم، فَناسَبَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى تَوْبَتِهِمْ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهم بِسُوءٍ. وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ أنَّ تَوْبَتَهم تُوجِبُ أمْنَهم وأُخُوَّتَهم.

ومِن لَطائِفِ الآيَتَيْنِ أنْ جُعِلَتِ الأُخُوَّةُ مَذْكُورَةً ثانِيًا لِأنَّها أخَصُّ الفائِدَتَيْنِ مِن تَوْبَتِهِمْ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأُخْتِها في أصْلِ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ: ”فَإخْوانُكم“ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: فَهم إخْوانُكم. وصِيغَ هَذا الخَبَرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيمانَهم يَقْتَضِي ثَباتَ الأُخُوَّةِ ودَوامَها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم يَعُودُونَ كالمُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ مِن قَبْلُ في أصْلِ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ.

صفحة ١٢٨

والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُطْلِقَتِ الأُخُوَّةُ هُنا عَلى المَوَدَّةِ والصَّداقَةِ.

والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي الدِّينِ﴾ مَجازِيَّةٌ: تَشْبِيهًا لِلْمُلابَسَةِ القَوِيَّةِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ زِيادَةً في الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ مِنَ الإسْلامِ وأنَّهُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.

* * *

﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] أنَّهُ تَضَمَّنَ أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا بِآياتِ اللَّهِ ونَبَذُوها عَلى عِلْمٍ بِصِحَّتِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] وبِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن فَرْضِ تَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ إذا أقْلَعُوا عَنْ إيثارِ الفَسادِ عَلى الصَّلاحِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ جامِعًا لِلْحالَيْنِ، دالًّا عَلى أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] آياتٌ واضِحَةٌ مُفَصَّلَةٌ، وأنَّ عَدَمَ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ بِها لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيها ولَكِنَّها إنَّما يَهْتَدِي بِها قَوْمٌ يَعْلَمُونَ، فَإنْ آمَنُوا فَقَدْ كانُوا مِن قَوْمٍ يَعْلَمُونَ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنِ اشْتَرَوْا بِها ثَمَنًا قَلِيلًا فَلَيْسُوا مِن قَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فَنُزِّلَ عِلْمُهم حِينَئِذٍ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِانْعِدامِ أثَرِ العِلْمِ، وهو العَمَلُ بِالعِلْمِ، وفِيهِ نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِمُساواتِهِمْ لِغَيْرِ أهْلِ العُقُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ إذْ أُرِيدَ بِهِ: لِقَوْمٍ ذَوِي عِلْمٍ وعَقْلٍ.

وعُطِفَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى جُمْلَةِ …

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

صفحة ١٢٩

﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أيِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾

لَمّا اسْتَوْفى البَيانَ لِأصْنافِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَ اللَّهُ بِالبَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِإبْطانِهِمُ الغَدْرَ، والَّذِينَ أمَرَ بِإتْمامِ عَهْدِهِمْ إلى مُدَّتِهِمْ ما اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ [التوبة: ٤] الآياتِ، والَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ عَطَفَ عَلى أُولَئِكَ بَيانَ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ بِنَكْثِ العَهْدِ، ويُعْلِنُونَ بِما يُسْخِطُ المُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا حالٌ مُضادٌّ لِحالِ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٨]

والنَّكْثُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] في الأعْرافِ.

وعَبَّرَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ بِنَكْثِ الأيْمانِ تَشْنِيعًا لِلنَّكْثِ؛ لِأنَّ العَهْدَ كانَ يُقارِنُهُ اليَمِينُ عَلى الوَفاءِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ العَهْدُ حِلْفًا.

وزِيدَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ زِيادَةً في تَسْجِيلِ شَناعَةِ نَكْثِهِمْ: بِتَذْكِيرِ أنَّهُ غَدْرٌ لِعَهْدٍ، وحَنْثٌ بِاليَمِينِ.

والطَّعْنُ حَقِيقَتُهُ خَرْقُ الجِسْمِ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ كالرُّمْحِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى الثَّلْبِ. والنِّسْبَةُ إلى النَّقْصِ، بِتَشْبِيهِ عِرْضِ المَرْءِ، الَّذِي كانَ مُلْتَئِمًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، بِالجَسَدِ السَّلِيمِ. فَإذا أُظْهِرَتْ نَقائِصُهُ بِالثَّلْبِ والشَّتْمِ شُبِّهَ بِالجِلْدِ الَّذِي أُفْسِدَ التِحامُهُ.

والأمْرُ، هُنا: لِلْوُجُوبِ، وهي حالَةٌ مِن أحْوالِ الإذْنِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَفي هَذِهِ الحالَةِ يَجِبُ قِتالُهم ذَبًّا عَنْ حُرْمَةِ الدِّينِ، وقَمْعًا لِشَرِّهِمْ مِن قَبْلِ أنْ يَتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ.

وأئِمَّةٌ جَمْعُ إمامٍ، وهو ما يُجْعَلُ قُدْوَةً في عَمَلٍ يُعْمَلُ عَلى مِثالِهِ، أوْ عَلى مِثالِ عَمَلِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ [القصص: ٥] أيْ مُقْتَدًى بِهِمْ، وقالَ لَبِيدٌ:

ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

صفحة ١٣٠

والإمامُ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ عَلى شَكْلِهِ، أوْ قَدْرِهِ، مَصْنُوعٌ، فَأئِمَّةُ الكُفْرِ، هُنا: الَّذِينَ بَلَغُوا الغايَةَ فِيهِ، بِحَيْثُ صارُوا قُدْوَةً لِأهْلِ الكُفْرِ.

والمُرادُ بِأئِمَّةِ الكُفْرِ: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ، فَوُضِعَ هَذا الِاسْمُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ حِينَ لَمْ يُقَلْ: فَقاتِلُوهم، لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِبُلُوغِهِمْ هَذِهِ المَنزِلَةَ مِنَ الكُفْرِ، وهي أنَّهم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ أضْمَرُوا النَّكْثَ يَبْقُونَ مُتَرَدِّدِينَ بِإظْهارِهِ، فَإذا ابْتَدَأ بَعْضُهم بِإظْهارِ النَّقْضِ اقْتَدى بِهِمُ الباقُونَ، فَكانَ النّاقِضُونَ أئِمَّةً لِلْباقِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِقِتالِهِمْ بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ لِأجْلِ اسْتِخْفافِهِمْ بِالأيْمانِ الَّتِي حَلَفُوها عَلى السَّلْمِ، فَغَدَرُوا. وفِيهِ بَيانٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَيْلا يَشْرَعُوا في قِتالِهِمْ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى حِكْمَةِ الأمْرِ …

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّوانِي في قِتالِهِمْ عَدا ما اسْتُثْنِيَ مِنهم بَعْدَ الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ، وأسْرِهِمْ، وحِصارِهِمْ، وسَدِّ مَسالِكِ النَّجْدَةِ في وُجُوهِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] . وبَعْدَ أنْ أُثْبِتَتْ لَهم ثَمانِيَةُ خِلالٍ تُغْرِي بِعَدَمِ

صفحة ١٣٢

الهَوادَةِ في قِتالِهِمْ، وهي قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] وقَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢]

فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ التَّراخِي في مُبادَرَتِهِمْ بِالقِتالِ.

ولَفْظُ ألا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعَ حَرْفَيْنِ: هُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ولا النّافِيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَرْفًا واحِدًا لِلتَّحْضِيضِ، مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، عَلى انْتِفاءِ مُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهو ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ، فَيَكُونُ دَفْعًا لِأنْ يَتَوَهَّمَ المُسْلِمُونَ حُرْمَةً لِتِلْكَ العُهُودِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، وهو ظاهِرُ ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، تَقْرِيرًا عَلى النَّفْيِ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن تَرَكَ القِتالَ فاسْتَوْجَبَ طَلَبَ إقْرارِهِ بِتَرْكِهِ، قالَ في الكَشّافِ: ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى القِتالِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وفي مُغَنِي اللَّبِيبِ أنَّ ألا الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ تَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وسَلَّمَهُ شارِحاهُ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ الكَشّافِ يُنادِي عَلى خِلافِهِ.

وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنْ يَكُونَ ألا حَرْفًا واحِدًا لِلتَّحْضِيضِ فَهو تَحْضِيضٌ عَلى القِتالِ. وجَعَلَ في المُغْنِي هَذِهِ الآيَةَ مِثالًا لِهَذا الِاسْتِعْمالِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ ولَعَلَّ مُوجِبَ هَذا التَّفَنُّنِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِقِتالِهِمْ مَعَ بَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاهُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ فَرِحُوا بِالنَّصْرِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومالُوا إلى اجْتِناءِ ثَمَرَةِ السَّلْمِ، بِالإقْبالِ عَلى إصْلاحِ أحْوالِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلِذَلِكَ لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا مَظِنَّةَ التَّثاقُلِ عَنْهُ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، بَعْدَ أنْ فازُوا بِسُمْعَةِ النَّصْرِ. وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ أتَخْشَوْنَهم ما يَزِيدُ هَذا وُضُوحًا.

أمّا نَكْثُهم أيْمانَهم فَظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ [التوبة: ٤] الآيَةَ. وذَلِكَ نَكْثُهم عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ إذْ أعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ وكانَتْ …

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

صفحة ١٣٥

﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥]

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْعَوْدِ مِن غَرَضِ التَّحْذِيرِ، إلى صَرِيحِ الأمْرِ بِقِتالِهِمُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وشَأْنُ مِثْلِ هَذا العَوْدِ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ بِاسْتِئْنافٍ كَما وقَعَ هُنا.

وجُزِمَ (يُعَذِّبْهم) وما عُطِفَ عَلَيْهِ في جَوابِ الأمْرِ. وفي جَعْلِهِ جَوابًا وجَزاءً أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن تِلْكَ المُقاتَلَةِ خَمْسَ فَوائِدَ تَنْحَلُّ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ إذْ تَشْتَمِلُ كُلُّ فائِدَةٍ مِنها عَلى كَرامَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وإهانَةٍ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ورُوعِيَ في كُلِّ فائِدَةٍ مِنها الغَرَضُ الأهَمُّ فَصَرَّحَ بِهِ وجَعَلَ ما عَداهُ حاصِلًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.

الفائِدَةُ الأوْلى: تَعْذِيبُ المُشْرِكِينَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ وهَذِهِ إهانَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ وكَرامَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

الثّانِيَةُ: خِزْيُ المُشْرِكِينَ وهو يَسْتَلْزِمُ عِزَّةَ المُسْلِمِينَ.

الثّالِثَةُ: نَصْرُ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ كَرامَةٌ صَرِيحَةٌ لَهم وتَسْتَلْزِمُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وهي إهانَةٌ لَهم.

الرّابِعَةُ: شِفاءُ صُدُورِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في شِفاءِ صُدُورِ طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهم خُزاعَةُ، وتَسْتَلْزِمُ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وتَسْتَلْزِمُ حَرَجَ صُدُورِ أعْدائِهِمْ فَهَذِهِ ثَلاثُ فَوائِدَ في فائِدَةٍ.

الخامِسَةُ: إذْهابُ غَيْظِ قُلُوبِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ، وهَذِهِ تَسْتَلْزِمُ ذَهابَ غَيْظِ بَقِيَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي تَحَمَّلُوهُ مِن إغاظَةِ أحْلامِهِمْ وتَسْتَلْزِمُ غَيْظَ قُلُوبِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ ثَلاثُ فَوائِدَ في فائِدَةٍ.

والتَّعْذِيبُ تَعْذِيبُ القَتْلِ والجِراحَةِ. وأُسْنِدَ التَّعْذِيبُ إلى اللَّهِ وجُعِلَتْ أيْدِي المُسْلِمِينَ آلَةً لَهُ تَشْرِيفًا لِلْمُسْلِمِينَ.

والإخْزاءُ: الإذْلالُ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. وهو هُنا الإذْلالُ بِالأسْرِ.

صفحة ١٣٦

والنَّصْرُ حُصُولُ عاقِبَةِ القِتالِ المَرْجُوَّةِ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ.

والشِّفاءُ: زَوالُ المَرَضِ ومُعالَجَةُ زَوالِهِ. أُطْلِقَ هُنا اسْتِعارَةً لِإزالَةِ ما في النُّفُوسِ مِن تَعَبِ الغَيْظِ والحِقْدِ، كَما اسْتُعِيرَ ضِدُّهُ وهو المَرَضُ لِما في النُّفُوسِ مِنَ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] قالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:

شَفَيْتُ النَّفْسَ مِن حَمَلِ بْنِ بَدْرٍ وسَيْفِي مِن حُذَيْفَةَ قَدْ شَفانِي

وإضافَةُ (الصُّدُورِ) إلى ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ دُونَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَشْفِي اللَّهُ صُدُورَهم بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ بِالقِتالِ، وهم أقْوامٌ كانَتْ في قُلُوبِهِمْ إحَنٌ عَلى بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوْهم وأعانُوا عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم كانُوا مُحافِظِينَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَلا يَسْتَطِيعُونَ مُجازاتِهِمْ عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وكانُوا يَوَدُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم بِقِتالِهِمْ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِنَقْضِ عُهُودِ المُشْرِكِينَ سُرُّوا بِذَلِكَ وفَرِحُوا، فَهَؤُلاءِ فَرِيقٌ تُغايِرُ حالَتُهُ حالَةَ الفَرِيقِ المُخاطَبِينَ بِالتَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ والتَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ فِيهِ. فَعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ أنَّ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ هم خُزاعَةُ حُلَفاءُ النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ …

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

صفحة ١٣٧

﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ لَيْسَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى الأمْرِ بِالقِتالِ، بَلْ لِذِكْرِ مَن لَمْ يُقْتَلُوا، ولِذَلِكَ جاءَ الفِعْلُ فِيها مَرْفُوعًا، فَدَلَّ هَذا النَّظْمُ عَلى أنَّها راجِعَةٌ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ خانُوا وغَدَرُوا، ولَمْ يُقْتَلُوا، بَلْ أسْلَمُوا مِن قَبْلِ هَذا الأمْرِ أوْ بَعْدَهُ. وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: هي قَبُولُ إسْلامِهِمْ أوْ دُخُولُهم فِيهِ، وفي هَذا إعْذارٌ وإمْهالٌ لِمَن تَأخَّرَ. وإنَّما لَمْ تُفْصَلِ الجُمْلَةُ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها مِن بَقِيَّةِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ، فَناسَبَ انْتِظامَها مَعَ ما قَبْلَها. فَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى أبِي سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وسُلَيْمِ بْنِ أبِي عَمْرٍو (وذَكَرَ هَذا الثّالِثَ القُرْطُبِيُّ ولَمْ أقِفْ عَلى اسْمِهِ في الصَّحابَةِ) .

والتَّذْيِيلُ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ لِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ يُعامِلُ النّاسَ بِما يَعْلَمُ مِن نِيّاتِهِمْ، وأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ تَحْقِيقُ الحِكْمَةِ، فَوَجَبَ عَلى النّاسِ امْتِثالُ أوامِرِهِ، وأنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَن تابَ إلَيْهِ تَكْثِيرًا لِلصَّلاحِ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ لِإفادَةِ الإضْرابِ عَنْ غَرَضٍ مِنَ الكَلامِ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضٍ آخَرَ. والكَلامُ بَعْدَ أمِ المُنْقَطِعَةِ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِفْهامِ دائِمًا، فَقَوْلُهُ: حَسِبْتُمْ في قُوَّةِ (أحَسِبْتُمْ) والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ إنْكارِيٌّ.

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في مُدَّةِ إسْلامِهِمْ، فَشَمِلَ المُنافِقِينَ لِأنَّهم أظْهَرُوا الإسْلامَ.

صفحة ١٣٨

وحَسِبْتُمْ ظَنَنْتُمْ. ومَصْدَرُ حَسِبَ، بِمَعْنى ظَنَّ الحِسْبانُ بِكَسْرِ الحاءِ فَأمّا مَصْدَرُ حَسِبَ بِمَعْنى أحْصى العَدَدَ فَهو بِضَمِّ الحاءِ.

والتَّرْكُ افْتِقادُ الشَّيْءِ وتَعَهُّدُهُ، أيْ: أنْ يَتْرُكَكُمُ اللَّهُ، فَحُذِفَ فاعِلُ التَّرْكِ لِظُهُورِهِ. ولا بُدَّ لِفِعْلِ التَّرْكِ مِن تَعْلِيقِهِ بِمُتَعَلِّقٍ: مِن حالٍ أوْ مَجْرُورٍ، يَدُلُّ عَلى الحالَةِ الَّتِي يُفارِقُ فِيها التّارِكُ مَتْرُوكَهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] . ومِثْلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ:

فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ

وقَوْلِ كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْدِ يكَرِبَ، عَلى لِسانِ شَقِيقِها عَبْدِ اللَّهِ حِينَ قَتَلَتْهُ بَنُو مازِنِ بْنِ زُبَيْدٍ في بَلَدِ صَعْدَةَ مِن بِلادِ اليَمَنِ:

وأُتْرَكُ في بَيْتٍ بِصَعْدَةِ مُظْلِمِ

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تُتْرَكُوا في الآيَةِ: لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، أيْ أنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهادٍ، أيْ أنْ تُتْرَكُوا في دَعَةٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

والمَعْنى: كَيْفَ تَحْسَبُونَ أنْ تُتْرَكُوا، أيْ: لا تَحْسَبُوا أنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهادٍ لِأعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ تُتْرَكُوا أيْ لا تَظُنُّوا أنْ تُتْرَكُوا في حالِ عَدَمِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُقُوعِ ابْتِدارِ المُجاهِدِينَ لِلْجِهادِ، وحُصُولِ تَثاقُلِ مَن تَثاقَلُوا، وحُصُولِ تَرْكِ الجِهادِ مِنَ التّارِكِينَ.

ولَمّا حَرْفٌ لِلنَّفْيِ، وهي أُخْتُ لَمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ لَمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ومَعْنى عِلْمِ اللَّهِ بِالَّذِينَ جاهَدُوا: عِلْمُهُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم وحُصُولِ امْتِثالِهِمْ، وهو مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالأُمُورِ الواقِعَةِ، وهو أخَصُّ مِن عِلْمِهِ - تَعالى - الأزَلِيِّ بِأنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ أوْ لا يَقَعُ، ويَجْدُرُ أنْ يُوصَفَ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

صفحة ١٣٩

و(الوَلِيجَةُ) فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، أيِ الدَّخِيلَةُ، وهي الفِعْلَةُ الَّتِي يُخْفِيها فاعِلُها، فَكَأنَّهُ يُولِجُها، أيْ يُدْخِلُها في مَكْمَنٍ بِحَيْثُ لا تَظْهَرُ، والمُرادُ بِها هُنا: ما يَشْمَلُ الخَدِيعَةَ وإغْراءَ العَدُوِّ بِالمُسْلِمِينَ، وما يَشْمَلُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن أعْداءِ الإسْلامِ يُخْلِصُ إلَيْهِمْ ويُفْضِي إلَيْهِمْ بِسِرِّ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ تَنْكِيرَ ولِيجَةً في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ سائِرَ …

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ .

هَذا ابْتِداءُ غَرَضٍ مِن أغْراضِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، وهو مَنعُ المُشْرِكِينَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ في العامِ القابِلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما تَضَمَّنَتْهُ البَراءَةُ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ولِما اتَّصَلَ بِتِلْكَ الآيَةِ مِن بَيانِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: «أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» . وهو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] .

وتَرْكِيبُ ما كانَ لَهم أنْ يَفْعَلُوا يَدُلُّ عَلى أنَّهم بُعَداءُ مِن ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِما تُعْمَرُ بِهِ مِنَ العِباداتِ.

صفحة ١٤٠

و﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ مَواضِعُ عِبادَتِهِ بِالسُّجُودِ والرُّكُوعِ: المُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَسْعى، وعَرَفَةَ، والمَشْعَرِ الحَرامِ، والجَمَراتِ، والمَنحَرِ مِن مِنًى.

وعَمْرُ المَساجِدِ: العِبادَةُ فِيها لِأنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِلْعِبادَةِ، فَعَمْرُها بِمَن يَحِلُّ فِيها مِنَ المُتَعَبِّدِينَ، ومِن ذَلِكَ اشْتُقَّتِ العُمْرَةُ، والمَعْنى: ما يَحِقُّ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ في مَساجِدِ اللَّهِ. وإناطَةُ هَذا النَّفْيِ بِهِمْ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ: إيماءٌ إلى أنَّ الشِّرْكَ مُوجِبٌ لِحِرْمانِهِمْ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ.

وقَدْ جاءَ الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ مُبَيِّنًا لِسَبَبِ بَراءَتِهِمْ مِن أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ يَعْمُرُوا فَبَيَّنَ عامِلَ الضَّمِيرِ وهو يَعْمُرُوا الدّاخِلَ في حُكْمِ الِانْتِفاءِ، أيْ: انْتَفى تَأهُّلُهم لِأنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بِحالِ شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ لِهَذِهِ الحالِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهَذا الحِرْمانِ الخاصِّ مِن عِمارَةِ مَساجِدِ اللَّهِ، وهو الحِرْمانُ الَّذِي لا اسْتِحْقاقَ بَعْدَهُ.

والمُرادُ بِالكُفْرِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فالكُفْرُ مُرادِفٌ لِلشِّرْكِ، فالكُفْرُ في حَدِّ ذاتِهِ مُوجِبٌ لِلْحِرْمانِ مِن عِمارَةِ أصْحابِهِ مَساجِدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها مَساجِدُ اللَّهِ فَلا حَقَّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيها، ثُمَّ هي قَدْ أُقِيمَتْ لِعِبادَةِ اللَّهِ لا لِغَيْرِهِ، وأقامَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلَ مَسْجِدٍ وهو الكَعْبَةُ عُنْوانًا عَلى التَّوْحِيدِ، وإعْلانًا بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهَذِهِ أوَّلُ دَرَجَةٍ مِنَ الحِرْمانِ. ثُمَّ كَوْنُ كُفْرِهِمْ حاصِلًا بِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مُوجِبٌ لِانْتِفاءِ أقَلِّ حَظٍّ مِن هَذِهِ العِمارَةِ، ولِلْبَراءَةِ مِنِ اسْتِحْقاقِها، وهَذِهِ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ مِنَ الحِرْمانِ.

وشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ حاصِلَةٌ في كَثِيرٍ مِن أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَ ذَلِكَ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ في التَّلْبِيَةِ ”لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا …

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] لَمّا اقْتَضَتْ إقْصاءَ المُشْرِكِينَ عَنِ العِبادَةِ في المَساجِدِ كانَتْ بِحَيْثُ تُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَطَلَّبُوا مَن هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يَعْمُرُوا المَساجِدَ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفِيدَةً جَوابَ هَذا السّائِلِ.

ومَجِيءُ صِيغَةِ القَصْرِ فِيها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَقْصُودَ إقْصاءُ فِرَقٍ أُخْرى عَنْ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ، غَيْرِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ إقْصاؤُهم بِالصَّرِيحِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ خُصُوصَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في الصِّلَةِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِمْ، فاليَهُودُ والنَّصارى آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لَكِنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ولَمْ يُؤْتُوا الزَّكاةَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ العِبادَتانِ المَعْهُودَتانِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ والمَفْرُوضَتانِ في الإسْلامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] كِنايَةً عَنْ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.

واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الإيمانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن آثارِ شَرِيعَتِهِ: وهو الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وإقامُ الصَّلاةِ: وإيتاءُ الزَّكاةِ.

صفحة ١٤٢

وقَصَرَ خَشْيَتَهم عَلى التَّعَلُّقِ بِجانِبِ اللَّهِ - تَعالى - بِصِيغَةِ القَصْرِ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم لا يَخافُونَ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَإنَّهم قَدْ يَخافُونَ الأسَدَ ويَخافُونَ العَدُوَّ، ولَكِنَّ مَعْناهُ إذا تَرَدَّدَ الحالُ بَيْنَ خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ وخَشْيَتِهِمْ غَيْرَهُ قَدَّمُوا خَشْيَةَ اللَّهِ عَلى خَشْيَةِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِاعْتِبارِ تَعارُضِ خَشْيَتَيْنِ.

وهَذا مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ: فَأمّا المُشْرِكُونَ فَهم يَخْشَوْنَ شُرَكاءَهم ويَنْتَهِكُونَ حُرُماتِ اللَّهِ لِإرْضاءِ شُرَكائِهِمْ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَيَخْشَوْنَ النّاسَ ويَعْصُونَ اللَّهَ بِتَحْرِيفِ كَلِمِهِ ومُجاراةِ أهْواءِ العامَّةِ، وقَدْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]

وفَرَّعَ عَلى وصْفِ المُسْلِمِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ رَجاءَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، أيْ مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِالمُهْتَدِينَ وهو الفَرِيقُ الَّذِي الِاهْتِداءُ خُلُقٌ لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ وفي غَيْرِها. ووَجْهُ هَذا الرَّجاءِ أنَّهم لَمّا أتَوْا بِما هو اهْتِداءٌ لا مَحالَةَ قَوِيَ الأمَلُ في أنْ يَسْتَقِرُّوا عَلى ذَلِكَ ويَصِيرُ خُلُقًا لَهم فَيَكُونُوا مِن أهْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ أنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ.

وفِي هَذا حَثُّ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِن هَذا الِاهْتِداءِ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغُرُورِ والِاعْتِمادِ عَلى بَعْضِ العَمَلِ الصّالِحِ بِاعْتِقادِ أنَّ بَعْضَ الأعْمالِ يُغْنِي عَنْ بَقِيَّتِها.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا هَذا الأمَلَ فِيهِمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الأعْمالِ الَّتِي عُدَّتْ لَهم.

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها خِطابٌ لِقَوْمٍ سَوَّوْا بَيْنَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَ الجِهادِ والهِجْرَةِ، في أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَمَلِ البِرِّ، فَتُؤْذِنُ بِأنَّها خِطابٌ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، بِعِلَّةِ اجْتِزائِهِمْ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. ومُناسَبَتُها

صفحة ١٤٣

لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا وقَعَ الكَلامُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الأحِقّاءُ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ لا يَحِقُّ لِغَيْرِ المُسْلِمِ أنْ يُباشِرَ فِيهِ عَمَلا مِنَ الأعْمالِ الخاصَّةِ بِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مَثارَ ظَنٍّ بِأنَّ القِيامَ بِشَعائِرِ المَسْجِدِ الحَرامِ مُساوٍ لِلْقِيامِ بِأفْضَلِ أعْمالِ الإسْلامِ.

وأحْسَنُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ما رَواهُ الطَّبَرَيُّ، والواحِدِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم ”ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ“؛ وقالَ آخَرُ ”بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ“ وقالَ آخَرُ ”بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ“ فَزَجَرَهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وقالَ ”لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ سَرى هَذا التَّوَهُّمُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، فَرُوِيَ أنَّ العَبّاسَ رامَ أنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ويَتْرُكَ الهِجْرَةَ لِأجْلِ الشَّغْلِ بِسِقايَةِ الحاجِّ والزّائِرِ؛ وأنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ رامَ مِثْلَ ذَلِكَ، لِلْقِيامِ بِحِجابَةِ البَيْتِ. ورَوى الطَّبَرَيُّ، والواحِدِيُّ: أنَّ مُماراةً جَرَتْ بَيْنَ العَبّاسِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِبَدْرٍ، وأنَّ عَلِيًّا عَيَّرَ العَبّاسَ بِالكُفْرِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ:“ ما لَكم لا تَذْكُرُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ ونَحْجِبُ الكَعْبَةَ ونَسَقِي الحاجَّ ”فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.

و(السِّقايَةُ) صِيغَةٌ لِلصِّناعَةِ، أيْ صِناعَةُ السَّقْيِ، وهي السَّقْيُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، ولِذَلِكَ أُضِيفَتِ السِّقايَةُ إلى الحاجِّ.

وكَذَلِكَ (العِمارَةُ) صِناعَةُ التَّعْمِيرِ، أيِ القِيامُ عَلى تَعْمِيرِ شَيْءٍ، بِالإصْلاحِ والحِراسَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهي، هُنا: غَيْرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] وأُضِيفَتْ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لِأنَّها عَمَلٌ في ذاتِ المَسْجِدِ.

وتَعْرِيفُ الحاجِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

صفحة ١٤٤

وقَدْ كانَتْ سِقايَةُ الحاجِّ وعِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن أعْظَمِ مَناصِبِ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ، والمَناصِبُ عَشْرَةٌ، وتُسَمّى المَآثِرَ فَكانَتِ السِّقايَةُ لِبَنِي هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيٍّ وجاءَ الإسْلامُ وهي لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ، وكانَتْ …

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

صفحة ١٤٨

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمُ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِنَفْيِ الِاسْتِواءِ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] ومُفَصِّلَةٌ لِلْجِهادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] بِأنَّهُ الجِهادُ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وإدْماجٌ لِبَيانِ مَزِيَّةِ المُهاجِرِينَ مِنَ المُجاهِدِينَ.

والَّذِينَ هاجَرُوا هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها، الَّذِينَ هاجَرُوا مِنها إلى المَدِينَةِ لَمّا أذِنَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ إلَيْها بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا، وذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.

والمُهاجَرَةُ: تَرْكُ المَوْطِنِ والحُلُولُ بِبَلَدٍ آخَرَ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الهَجْرِ وهو التَّرْكُ، واشْتُقَّتْ لَها صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِاخْتِصاصِها بِالهَجْرِ القَوِيِّ وهو هَجْرُ الوَطَنِ، والمُرادُ بِها - في عُرْفِ الشَّرْعِ - هِجْرَةٌ خاصَّةٌ: وهي الهِجْرَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَلا تَشْمَلُ هِجْرَةَ مَن هاجَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِيطانِ بَلْ كانَتْ هِجْرَةً مُؤَقَّتَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الهِجْرَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ.

والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ: أيْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن أصْحابِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا الجِهادَ الكَثِيرَ الَّذِي جاهَدَهُ المُسْلِمُونَ أيّامَ بَقاءِ أُولَئِكَ في الكُفْرِ، والمَقْصُودُ تَفْضِيلُ خِصالِهِمْ.

والدَّرَجَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] في أوائِلِ الأنْفالِ. وهي في كُلِّ ذَلِكَ مُسْتَعارَةٌ لِرَفْعِ المِقْدارِ. وعِنْدَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رِفْعَةَ مِقْدارِهِمْ رِفْعَةُ رِضًى مِنَ اللَّهِ وتَفْضِيلٌ بِالتَّشْرِيفِ؛ لِأنَّ أصْلَ (عِنْدَ) أنَّها ظَرْفٌ لِلْقُرْبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أيْ: أعْظَمُ وهم أصْحابُ الفَوْزِ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِاللّامِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في عِظَمِ فَوْزِهِمْ حَتّى إنَّ فَوْزَ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ يُعَدُّ كالمَعْدُومِ.

صفحة ١٤٩

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الفَوْزَ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي مَيَّزَتْهم: وهي الإيمانُ والهِجْرَةُ والجِهادُ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.