وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةًۭ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةًۭ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allah may reward them for the best of what they were doing.
فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ظَاهِرُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾راجع ج ١٤ ص. [الأحزاب: ٣٥] وَقَدْ تَقَدَّمَ. "أَنْ يَتَخَلَّفُوا" فِي مَوْضِعِ رَفْعِ اسْمِ كَانَ. وَهَذِهِ مُعَاتَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، كَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَأَشْجَعَ وَغِفَارٍ وَأَسْلَمَ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة تَبُوكَ. وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا، فَإِنَّ النَّفِيرَ كَانَ فِيهِمْ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْتَنْفَرُوا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنْفَارُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ، وَخَصَّ هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوار هم، وأنهم أحق بذلك من غير هم. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أَيْ لَا يَرْضُوَا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْخَفْضِ وَالدَّعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَشَقَّةِ. يُقَالُ: رَغِبْتُ عَنْ كَذَا أَيْ تَرَفَّعْتُ عَنْهُ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) أي عطش. وقرا عبيد ابن عُمَيْرٍ "ظَمَاءٌ" بِالْمَدِّ. وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ خَطَأٍ وخطاء.
(وَلا نَصَبٌ) عطف، أي تعب، ولا زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَكَذَا (وَلا مَخْمَصَةٌ) أَيْ مَجَاعَةٌ. وأصله ضمور البطن، ومنه رجل خميص وامرأة خَمْصَانَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ راجع ج ٦ ص ٦٤..
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ في طاعته.
(وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً) أَيْ أَرْضًا.
(يَغِيظُ الْكُفَّارَ) أَيْ بِوَطْئِهِمْ أيا ها، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْطِئِ، أَيْ غَائِظًا.
(وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا) أَيْ قَتْلًا وَهَزِيمَةً. وَأَصْلُهُ مِنْ نِلْتُ الشَّيْءَ أَنَالُ أَيْ أَصَبْتُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَمْرٌ مَنِيلٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التَّنَاوُلِ، إِنَّمَا التَّنَاوُلُ مِنْ نُلْتُهُ الْعَطِيَّةَ في ب وع وك وهـ: بالعطية. هما لغتان.. قَالَ غَيْرُهُ: نُلْتُ أَنُولُ مِنَ الْعَطِيَّةِ، مِنَ الْوَاوِ وَالنَّيْلُ مِنَ الْيَاءِ، تَقُولُ: نِلْتُهُ فَأَنَا نَائِلٌ، أَيْ أَدْرَكْتُهُ.
(وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً) الْعَرَبُ تَقُولُ: وَادٍ وَأَوْدِيَةٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا يُعْرَفُ فِيمَا عَلِمْتُ فَاعِلٌ وَأَفْعِلَةٌ سِوَاهُ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُجْمَعَ وَوَادِي فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ وَاوَيْنِ وَهُمْ قَدْ يَسْتَثْقِلُونَ وَاحِدَةً حَتَّى قَالُوا: أُقِّتَتْ فِي وُقِّتَتْ. وَحَكَى الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ فِي تصغير واصل اسم رجل أو يصل فَلَا يَقُولُونَ غَيْرَهُ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ فِي جَمْعِ واد أو داء. قُلْتُ: وَقَدْ جُمِعَ أَوْدَاهُ قَالَ جَرِيرٌ:
عَرَفْتُ بِبُرْقَةَ الْأَوْدَاهِ رَسْمًا ... مُحِيلًا طَالَ عَهْدُكِ مِنْ رُسُومِ في ديوانه ومعجم البلدان لياقوت: (ببرقة الوداء) والوداء: واد أعلاه لبني العدوية والتيم وأسفله لبني كليب وضبة.
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِكُلِّ رَوْعَةٍ تَنَالُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعُونَ أَلْفَ حَسَنَةٍ. وَفِي الصَّحِيحِ: (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ ... - وَفِيهِ- وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ المرج: مرعى الدواب. أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ …