Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ …

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

Explained together with ayah 12

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.

فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر.

وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبرئه، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتِي بفتواهم

"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"

فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.

وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهديَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنماَ يَصَّعَّدُ فِى السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.

(فائدة)

وَأمّا تَأْثِيرُ الجِهادِ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ بِالوِجْدانِ، فَإنَّ النَّفْسَ مَتى تَرَكَتْ صائِلَ الباطِلِ وصَوْلَتَهُ واسْتِيلاءَهُ اشْتَدَّ هَمُّها، وغَمُّها، وكَرْبُها، وخَوْفُها، فَإذا جاهَدَتْهُ لِلَّهِ أبْدَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الهَمَّ والحُزْنَ فَرَحًا ونَشاطًا وقُوَّةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

فَلا شَيْءَ أذْهَبُ لِجَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ مِنَ الجِهادِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.

فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر.

وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبرئه، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتِي بفتواهم

"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"

فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.

وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهديَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنماَ يَصَّعَّدُ فِى السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.

(فائدة)

وَأمّا تَأْثِيرُ الجِهادِ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ بِالوِجْدانِ، فَإنَّ النَّفْسَ مَتى تَرَكَتْ صائِلَ الباطِلِ وصَوْلَتَهُ واسْتِيلاءَهُ اشْتَدَّ هَمُّها، وغَمُّها، وكَرْبُها، وخَوْفُها، فَإذا جاهَدَتْهُ لِلَّهِ أبْدَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الهَمَّ والحُزْنَ فَرَحًا ونَشاطًا وقُوَّةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

فَلا شَيْءَ أذْهَبُ لِجَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ مِنَ الجِهادِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

Explained together with ayah 15

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

Explained together with ayah 15

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

Explained together with ayah 15

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشى إلا اللهَ، فَعَسى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشى إلا اللهَ، فَعَسى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.