۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.
صفحة ٣٧
﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْءانِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِأهْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ وهم جَيْشُ العُسْرَةِ، لِيَكُونَ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوَةِ وكانُوا صادِقِينَ في أيْمانِهِمْ، وإنْباءِ الَّذِينَ أضْمَرُوا الكُفْرَ نِفاقًا بِأنَّهم لا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَغْفِرُ لَهم رَسُولُهُ ﷺ . والمُناسَبَةُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَسَلْسَلَ الكَلامُ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآياتِ، وما تَوَلَّدَ عَلى ذَلِكَ مِن ذِكْرِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ المُخَلَّفِينَ عَنِ الجِهادِ واعْتِلالِهِمْ وما عَقَبَ ذَلِكَ مِن بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، المُتَضَمِّنَةُ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ فاتِحَةُ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وتَمْثِيلِهِمْ بِحالِ مَن يُسْتَنْهَضُ لِعَمَلٍ فَيَتَثاقَلُ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ناسَبَ أنْ يُنْزَلَ المُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ في كَوْنِ جَزاءِ الجِهادِ اسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لِإفادَتِها مَعْنى المُضِيِّ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ مِن قَبْلُ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾، وأنَّهم كالَّذِينَ نَسُوهُ أوْ تَناسَوْهُ حِينَ لَمْ يَخِفُّوا إلى النَّفِيرِ الَّذِي اسْتُنْفِرُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الوَعْدَ بِذَلِكَ قَدِيمٌ مُتَكَرِّرٌ مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
والِاشْتِراءُ: مُسْتَعارٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَنِ الجِهادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بِمُشابَهَةِ الوَعْدِ الِاشْتِراءَ في أنَّهُ إعْطاءُ شَيْءٍ مُقابِلَ بَذْلٍ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ.
صفحة ٣٨
ولَمّا كانَ شَأْنُ الباءِ أنْ تَدْخُلَ عَلى الثَّمَنِ في صِيَغِ الِاشْتِراءِ أُدْخِلَتْ هُنا في ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ لِمُشابَهَةِ هَذا الوَعْدِ الثَّمَنَ. ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ هَيْئَةٌ مُشَبَّهَةٌ وأُخْرى مُشَبَّهٌ بِها.
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في الأظْهَرِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ. وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾
ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ ما جاءَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن وصْفِ أصْحابِ الرَّسُولِ الَّذِي يَخْتِمُ الرِّسالَةَ. وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو أنْسَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي التَّوْراةِ …