Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 129

111

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

صفحة ٣٧

﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْءانِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِأهْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ وهم جَيْشُ العُسْرَةِ، لِيَكُونَ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوَةِ وكانُوا صادِقِينَ في أيْمانِهِمْ، وإنْباءِ الَّذِينَ أضْمَرُوا الكُفْرَ نِفاقًا بِأنَّهم لا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَغْفِرُ لَهم رَسُولُهُ ﷺ . والمُناسَبَةُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَسَلْسَلَ الكَلامُ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآياتِ، وما تَوَلَّدَ عَلى ذَلِكَ مِن ذِكْرِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ المُخَلَّفِينَ عَنِ الجِهادِ واعْتِلالِهِمْ وما عَقَبَ ذَلِكَ مِن بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، المُتَضَمِّنَةُ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ فاتِحَةُ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وتَمْثِيلِهِمْ بِحالِ مَن يُسْتَنْهَضُ لِعَمَلٍ فَيَتَثاقَلُ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ناسَبَ أنْ يُنْزَلَ المُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ في كَوْنِ جَزاءِ الجِهادِ اسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لِإفادَتِها مَعْنى المُضِيِّ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ مِن قَبْلُ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾، وأنَّهم كالَّذِينَ نَسُوهُ أوْ تَناسَوْهُ حِينَ لَمْ يَخِفُّوا إلى النَّفِيرِ الَّذِي اسْتُنْفِرُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الوَعْدَ بِذَلِكَ قَدِيمٌ مُتَكَرِّرٌ مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.

والِاشْتِراءُ: مُسْتَعارٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَنِ الجِهادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بِمُشابَهَةِ الوَعْدِ الِاشْتِراءَ في أنَّهُ إعْطاءُ شَيْءٍ مُقابِلَ بَذْلٍ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ.

صفحة ٣٨

ولَمّا كانَ شَأْنُ الباءِ أنْ تَدْخُلَ عَلى الثَّمَنِ في صِيَغِ الِاشْتِراءِ أُدْخِلَتْ هُنا في ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ لِمُشابَهَةِ هَذا الوَعْدِ الثَّمَنَ. ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ هَيْئَةٌ مُشَبَّهَةٌ وأُخْرى مُشَبَّهٌ بِها.

والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في الأظْهَرِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ. وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾

ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ ما جاءَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن وصْفِ أصْحابِ الرَّسُولِ الَّذِي يَخْتِمُ الرِّسالَةَ. وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو أنْسَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي التَّوْراةِ …

At-Tawba 9:111Listen in Qur'an →
112

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

أسْماءُ الفاعِلِينَ هُنا أوْصافٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] فَكانَ أصْلُها الجَرَّ، ولَكِنَّها قُطِعَتْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ وجُعِلَتْ أخْبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ الجَمْعِ اهْتِمامًا بِهَذِهِ النُّعُوتِ اهْتِمامًا أخْرَجَها عَنِ الوَصْفِيَّةِ إلى الخَبَرِيَّةِ، ويُسَمّى هَذا الِاسْتِعْمالُ نَعْتًا مَقْطُوعًا، وما هو بِنَعْتٍ اصْطِلاحِيٍّ ولَكِنَّهُ نَعْتٌ في المَعْنى.

فَـ التّائِبُونَ مُرادٌ مِنهُ أنَّهم مُفارِقُونَ لِلذُّنُوبِ سَواءً كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اقْتِرافِ ذَنْبٍ يَقْتَضِي التَّوْبَةَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [التوبة: ١١٧] الآيَةَ أمْ كانَ بَعْدَ اقْتِرافِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] بَعْدَ قَوْلِهِ:

صفحة ٤١

﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ آنِفًا. وأوَّلُ التَّوْبَةِ الإيمانُ لِأنَّهُ إقْلاعٌ عَنِ الشِّرْكِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنهم مَن كانَ لَهُ ذَنْبٌ مَعَ الإيمانِ وتابَ مِنهُ. وبِذَلِكَ فارَقَ النَّعْتُ المَنعُوتَ وهو المُؤْمِنِينَ

والعابِدُونَ: المُؤَدُّونَ لِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والحامِدُونَ: المُعْتَرِفُونَ لِلَّهِ - تَعالى - بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمُ الشّاكِرُونَ لَهُ.

والسّائِحُونَ: مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ. وهي السَّيْرُ في الأرْضِ. والمُرادُ بِهِ سَيْرٌ خاصٌّ مَحْمُودٌ شَرْعًا. وهو السَّفَرُ الَّذِي فِيهِ قُرْبَةٌ لِلَّهِ وامْتِثالٌ لِأمْرِهِ، مِثْلُ سَفَرِ الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ أوِ السَّفَرِ لِلْحَجِّ أوِ السَّفَرِ لِلْجِهادِ. وحَمْلُهُ هُنا عَلى السَّفَرِ لِلْجِهادِ أنْسَبُ بِالمَقامِ وأشْمَلُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالجِهادِ بِخِلافِ الهِجْرَةِ والحَجِّ.

و﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾: هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَهُما، أيِ المُصَلُّونَ، إذِ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ لا تَخْلُو مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

و﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾: الَّذِينَ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهُدى والرَّشادِ ويَنْهَوْنَهم عَمّا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ويَأْباهُ. وإنَّما ذُكِرَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ بِحَرْفِ العَطْفِ دُونَ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ، وإنْ كانَ العَطْفُ وتَرْكُهُ في الأخْبارِ ونَحْوِها جائِزَيْنِ، إلّا أنَّ المُناسَبَةَ في عَطْفِ هَذَيْنِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ ظاهِرَةٌ في اسْتِقْلالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. ثُمَّ لَمّا ذُكِرَ ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ الجامِعُونَ بَيْنَهُما، أيِ المُصَلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْلِمِينَ. ولِأنَّ المَوْصُوفِينَ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ مِمَّنْ وعَدَهُمُ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كانَتْ صَلاةُ بَعْضِهِمْ رُكُوعًا فَقَطْ، قالَ - تَعالى - في شَأْنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]، وبَعْضُ الصَّلَواتِ سُجُودًا فَقَطْ كَبَعْضِ صَلاةِ النَّصارى، قالَ - تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] . ولَمّا جاءَ بَعْدَهُ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ وكانا صِفَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ عُطِفَتا …

At-Tawba 9:112Listen in Qur'an →
113

مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾

اسْتِئْنافٌ نُسِخَ بِهِ التَّخْيِيرُ الواقِعُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَإنَّ في ذَلِكَ تَسْوِيَةً بَيْنَ أنْ يَسْتَغْفِرَ النَّبِيءُ ﷺ لَهم وبَيْنَ أنْ لا يَسْتَغْفِرَ في

صفحة ٤٤

انْتِفاءِ أهَمِّ الغَرَضَيْنِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وهو حُصُولُ الغُفْرانِ، فَبَقِيَ لِلتَّخْيِيرِ غَرَضٌ آخَرُ وهو حُسْنُ القَوْلِ لِمَن يَرى النَّبِيءَ ﷺ أنَّهُ أهْلٌ لِلْمُلاطَفَةِ لِذاتِهِ أوْ لِبَعْضِ أهْلِهِ، مِثْلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأرادَ اللَّهُ نَسْخَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَرَجَ في تَلَقِّيهِ عَلى عادَةِ التَّشْرِيعِ في غالِبِ الأحْوالِ. ولَعَلَّ الغَرَضَ الَّذِي لِأجْلِهِ أُبْقِيَ التَّخْيِيرُ في الِاسْتِغْفارِ لَهم قَدْ ضَعُفَ ما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ ورُجِّحَ ما فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ بِانْقِراضِ مَن هم أهْلٌ لِحُسْنِ القَوْلِ وغَلَبَةِ الدَّهْماءِ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ ﷺ لَهم يَغْفِرُ لَهم ذُنُوبَهم فَيُصْبِحُوا فَرِحِينَ بِأنَّهم رَبِحُوا الصَّفْقَتَيْنِ وأرْضَوُا الفَرِيقَيْنِ، فَنَهى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ . ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا تَخْيِيرَ النَّبِيءِ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ ذَهَبُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِأهْلِيهِمْ وأصْحابِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ طَمَعًا في إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ فَأصْبَحَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى اعْتِقادِ مُساواةِ المُشْرِكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ في المَغْفِرَةِ فَيَنْتَفِي التَّفاضُلُ الباعِثُ عَلى الرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَنَهى اللَّهُ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعًا عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ رَخَّصَهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ خاصَّةً في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]

ورَوى التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ المُشْرِكَيْنِ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أتَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: ألَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة»: ١١٤] . قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: هو أضْعَفُ ما رُوِيَ في هَذا البابِ. وأمّا ما رُوِيَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اسْتِغْفارِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي طالِبٍ، أوْ أنَّها نَزَلَتْ في سُؤالِهِ رَبَّهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ آمِنَةَ حِينَ زارَ قَبْرَها بِالأبْواءِ. فَهُما خَبَرانِ واهِيانِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.

وجاءَتْ صِيغَةُ النَّهْيِ بِطَرِيقِ نَفْيِ الكَوْنِ مَعَ لامِ الجُحُودِ مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ عَنْ هَذا الِاسْتِغْفارِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ.

صفحة ٤٥

ويَدْخُلُ في المُشْرِكِينَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ عَلِمَ النَّبِيءُ ﷺ نِفاقَهم والَّذِينَ عَلِمَ المُسْلِمُونَ نِفاقَهم بِتَحَقُّقِ الصِّفاتِ الَّتِي أُعْلِنَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها.

وزِيادَةُ ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِقْصاءِ أقْرَبِ الأحْوالِ إلى المَعْذِرَةِ، …

At-Tawba 9:113Listen in Qur'an →
114

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to Abraham that his father was an enemy to Allah, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ﴾ [التوبة: ١١٣] إلَخْ. وهي مِن تَمامِ الآيَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] إذْ كانَ شَأْنُ ما لا يَنْبَغِي لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ لا يَنْبَغِيَ لِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أحْكامِهِمْ مُتَّحِدَةٌ إلّا ما خُصَّ بِهِ نَبِيُّنا مِن زِيادَةِ الفَضْلِ. وهَذِهِ مِن مَسْألَةِ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) فَلا جَرَمَ كانَ ما ورَدَ مِنِ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ قَدْ يُثِيرُ تَعارُضًا بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ تَصَدّى القُرْآنُ لِلْجَوابِ عَنْهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما رُوِيَ أنَّ هَذِهِ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ.

والمَوْعِدَةُ: اسْمٌ لِلْوَعْدِ. والوَعْدُ صَدَرَ مِن أبِي إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ لِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إبْراهِيمُ هو الَّذِي وعَدَ أباهُ بِالِاسْتِغْفارِ وكانَ اسْتِغْفارُهُ لَهُ لِلْوَفاءِ بِوَعْدِهِ لَكانَ يَتَّجِهُ مِنَ السُّؤالِ عَلى الوَعْدِ بِذَلِكَ وعَلى الوَفاءِ بِهِ ما اتَّجَهَ عَلى وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ. فالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنَّ أبا إبْراهِيمَ وعَدَ إبْراهِيمَ بِالإيمانِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ لِأنَّهُ ظَنَّهُ مُتَرَدِّدًا في عِبادَةِ الأصْنامِ لَمّا قالَ لَهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] فَسَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ لَعَلَّهُ يَرْفُضُ عِبادَةَ الأصْنامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾

صفحة ٤٦

وطَرِيقُ تَبَيُّنِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ إمّا الوَحْيُ بِأنْ نَهاهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، وإمّا بَعْدَ أنْ ماتَ عَلى الشِّرْكِ.

والتَّبَرُّؤُ: تَفَعُّلٌ مِن بَرِئَ مِن كَذا إذا تَنَزَّهَ عَنْهُ، فالتَّبَرُّؤُ مُبالَغَةٌ في البَراءَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى إبْراهِيمَ. و(أوّاهٌ) فُسِّرَ بِمُعانٍ تَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ إمّا عَلى النَّفْسِ فَتُفِيدُ الضَّراعَةَ إلى اللَّهِ والِاسْتِغْفارَ، وإمّا عَلى النّاسِ فَتُفِيدُ الرَّحْمَةَ بِهِمْ والدُّعاءَ لَهم.

ولَفْظُ (أوّاهٌ) مِثالُ مُبالَغَةٍ: الَّذِي يُكْثِرُ قَوْلَ (أوَّهْ) بِلُغاتِهِ الثَلاثَ عَشْرَةَ الَّتِي عَدَّها في القامُوسِ، وأشْهَرُها (أوَّهْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وواوٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وهاءٍ ساكِنَةٍ. قالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: وهَذِهِ أشْهَرُ لُغاتِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ مُضارِعٍ بِمَعْنى أتَوَجَّعُ لِإنْشاءِ التَّوَجُّعِ، لَكِنَّ الوَصْفَ بِـ (أوّاهٌ) كِنايَةٌ عَنِ الرَّأْفَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ والتَّضَرُّعِ حِينَ يُوصَفُ بِهِ مَن لَيْسَ بِهِ وجَعٌ. والفِعْلُ المُشْتَقُّ مِنهُ (أوّاهٌ) حَقُّهُ أنْ يَكُونَ ثُلاثِيًّا لِأنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ تُصاغُ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْتِعْمالِ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ لَهُ، فَأثْبَتَهُ قُطْرُبٌ وأنْكَرَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ.

وإتْباعُ (لَأوّاهٌ) بِوَصْفِ (حَلِيمٌ) هُنا وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ قَرِينَةٌ عَلى الكِنايَةِ وإيذانٌ بِمُثارِ التَّأوُّهِ عِنْدَهُ.

والحَلِيمُ: صاحِبُ الحِلْمِ. والحِلْمُ بِكَسْرِ الحاءِ: صِفَةٌ في النَّفْسِ وهي رَجاحَةُ العَقْلِ وثَباتَةٌ ورَصانَةٌ وتَباعُدٌ عَنِ العُدْوانِ. فَهو صِفَةٌ …

At-Tawba 9:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

And Allah would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allah is Knowing of all things.

صفحة ٤٧

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ﴾ [التوبة: ١١٤] لِاعْتِذارٍ عَنِ النَّبِيءِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في اسْتِغْفارِهِما لِمَنِ اسْتَغْفَرا لَهُما مِن أُولِي القُرْبى كَأبِي طالِبٍ وآزَرَ ومِنَ الأُمَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِأنَّ فِعْلَهُما ذَلِكَ ما كانَ إلّا رَجاءً مِنهُما هُدًى مِنِ اسْتِغْفارِهِما لَهُ، وإعانَةً لَهُ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُما الثّابِتُ عَلى كُفْرِهِ إمّا بِمَوْتِهِ عَلَيْهِ أوْ بِاليَأْسِ مِن إيمانِهِ تَرْكا الِاسْتِغْفارَ لَهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ أنْ أبْلَغا الرِّسالَةَ ونَصَحا لِمَنِ اسْتَغْفَرا لَهُ. ولِأجْلِ هَذا المَعْنى مَهَّدَ اللَّهُ لَهُما الِاعْتِذارَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وفي ذَلِكَ مَعْذِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أُولِي قَرابَتِهِمْ قَبْلَ هَذا النَّهْيِ. فَهَذا مِن بابِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] .

وفِيهِ تَسْجِيلٌ أيْضًا لِكَوْنِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ أحْرِياءَ بِقَطْعِ الِاسْتِغْفارِ لَهم لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ ما قَطَعُوهُ عَنْهم إلّا بَعْدَ أنْ أمْهَلُوهم ووَعَدُوهم وبَيَّنُوا لَهم وأعانُوهم بِالدُّعاءِ لَهم فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا طُغْيانًا.

ومَعْنى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أنْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ وعادَةِ جَلالِهِ أنْ يَكْتُبَ الضَّلالَ لِقَوْمٍ بَعْدَ إذْ هَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمُ الأشْياءَ الَّتِي يُرِيدُ مِنهم أنْ يَتَّقُوها، أيْ يَتَجَنَّبُوها. فَهُنالِكَ يُبَلِّغُ رُسُلَهُ أنَّ أُولَئِكَ مِن أهْلِ الضَّلالِ حَتّى يَتْرُكُوا طَلَبَ المَغْفِرَةِ لَهم كَما قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] ولا كانَ مِن شَأْنِهِ - تَعالى - أنْ يَكْتُبَ الضَّلالَ لِقَوْمٍ بَعْدَ إذْ هَداهم لِلْإيمانِ واهْتَدَوْا إلَيْهِ لِعَمَلٍ عَمِلُوهُ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ لا يَرْضى بِذَلِكَ العَمَلِ.

ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الآيَةِ صالِحٌ لِإفادَةِ مَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ النَّبِيءَ ﷺ ولا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا المُسْلِمِينَ بِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَنِ اسْتَغْفَرُوا لَهُ مِن قَبْلِ وُرُودِ النَّهْيِ وظُهُورِ

صفحة ٤٨

دَلِيلِ اليَأْسِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ قَوْمًا هَداهم إلى الحَقِّ فَيَكْتَبَهم ضُلّالًا بِالمَعاصِي حَتّى يُبَيِّنَ لَهم أنَّ ما عَمِلُوهُ مَعْصِيَةٌ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ جَمِيعِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ صَيَّرَها كَلامًا جامِعًا تَذْيِيلًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ووُقُوعُ إنَّ في أوَّلِها يُفِيدُ مَعْنى التَّفْرِيعِ. والتَّعْلِيلُ مَضْمُونٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ أنْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ.

At-Tawba 9:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

تَذْيِيلٌ ثانٍ في قُوَّةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]، ولِذَلِكَ فُصِلَ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّ ثُبُوتَ مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ - تَعالى - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ لِأنَّ تَخَلُّفَ العِلْمِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِبَعْضِ المُتَمَلَّكاتِ يُفْضِي إلى إضاعَةِ شُؤُونِها.

فافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) مَعَ عَدَمِ الشَّكِّ في مَضْمُونِ الخَبَرِ يُعَيِّنُ أنَّ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَتَكُونُ مُفِيدَةً مَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ والتَّعْلِيلِ.

ومَعْنى المُلْكِ: التَّصَرُّفُ والتَّدْبِيرُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]

وزِيادَةُ جُمْلَتَيْ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِتَصْوِيرِ مَعْنى المُلْكِ في أتَمِّ مَظاهِرِهِ المَحْسُوسَةِ لِلنّاسِ المُسَلَّمِ بَيْنَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ - تَعالى - لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفْعَ ذَلِكَ ولا تَأْخِيرَهُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لِتَأْيِيدِ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مَنصُورُونَ في سائِرِ الأحْوالِ لِأنَّ اللَّهَ ولِيُّهم فَهو نَصِيرٌ لَهم، ولِإعْلامِهِمْ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ الكُفّارَ لِأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم لِأنَّ اللَّهَ غاضِبٌ عَلَيْهِمْ فَهو لا يَنْصُرُهم. وذَلِكَ مُناسِبٌ لِغَرَضِ الكَلامِ المُتَعَلِّقِ بِاسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهُ لا يُفِيدُهم.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَلِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٤٩

والنَّصِيرُ: النّاصِرُ. وتَقَدَّمَ مَعْنى النَّصْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

At-Tawba 9:116Listen in Qur'an →
117

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Allah has already forgiven the Prophet and the Muhajireen and the Ansar who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

انْتِقالٌ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ والتَّحْذِيرِ مِنَ التَّقاعُسِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّخَلُّفِ، وما طَرَأ عَلى ذَلِكَ التَّحْرِيضِ مِن بَيانِ أحْوالِ النّاسِ تِجاهَ ذَلِكَ التَّحْرِيضِ وما عَقَبَهُ مِن أعْمالِ المُنافِقِينَ والضُّعَفاءِ والجُبَناءِ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ الَّذِينَ انْتُدِبُوا لِلْغَزْوِ واقْتَحَمُوا شَدائِدَهُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها المُتَقَرِّرِ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِالمُسْنِداتِ كُلِّها أفْعالًا ماضِيَةً.

ومِنَ المُحَسِّناتِ افْتِتاحُ هَذا الكَلامِ بِما يُؤْذِنُ بِالبِشارَةِ لِرِضى اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ غَزَوْا تَبُوكَ.

وتَقْدِيمُ النَّبِيءِ ﷺ في تَعَلُّقِ فِعْلِ التَّوْبَةِ بِالغُزاةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ التَّوْبَةِ وإتْيانِها عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ إذْ قَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.

ومَعْنى تابَ عَلَيْهِ: غَفَرَ لَهُ، أيْ لَمْ يُؤاخِذْهُ بِالذُّنُوبِ سَواءً كانَ مُذْنِبًا أوْ لَمْ يَكُنْهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أيْ فَغَفَرَ لَكم وتَجاوَزَ عَنْ تَقْصِيرِكم ولَيْسَ هُنالِكَ ذَنْبٌ ولا تَوْبَةٌ. فَمَعْنى التَّوْبَةِ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُهم بِما قَدْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ يُسَبِّبُ مُؤاخَذَةً كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» .

صفحة ٥٠

وأمّا تَوْبَةُ اللَّهِ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَهي اسْتِجابَتُهُ لِتَوْبَتِهِمْ مِن ذَنْبِهِمْ.

والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ: هم مَجْمُوعُ أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ جَيْشُ العُسْرَةِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ ومَكَّةَ، ولَكِنَّهم خُصُّوا بِالثَّناءِ لِأنَّهم لَمْ يَتَرَدَّدُوا ولَمْ يَتَثاقَلُوا ولا شَحُّوا بِأمْوالِهِمْ، فَكانُوا أُسْوَةً لِمَنِ اتَّسى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ.

ووَصْفُ (المُهاجِرُونَ) و(الأنْصارُ) بِـ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ لِلْإيماءِ إلى أنَّ لِصِلَةِ المَوْصُولِ تَسَبُّبًا في هَذِهِ المَغْفِرَةِ.

ومَعْنى اتَّبَعُوهُ أطاعُوهُ ولَمْ يُخالِفُوا عَلَيْهِ، فالِاتِّباعُ مَجازِيٌّ.

والسّاعَةُ: الحِصَّةُ مِنَ الزَّمَنِ.

والعُسْرَةُ: اسْمُ العُسْرِ، زِيدَتْ فِيهِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ وهي الشِّدَّةُ. وساعَةُ العُسْرَةِ هي زَمَنُ اسْتِنْفارِ النَّبِيءِ ﷺ النّاسَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَهو الَّذِي تَقَدَّمْتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] فالَّذِينَ انْتُدِبُوا وتَأهَّبُوا وخَرَجُوا هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، فَأمّا ما بَعْدَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ فَذَلِكَ لَيْسَ هو الِاتِّباعُ ولَكِنَّهُ الجِهادُ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اتَّبَعُوهُ) أيِ اتَّبَعُوا أمْرَهُ بَعْدَ أنْ خامَرَ فَرِيقًا مِنهم خاطِرُ التَّثاقُلِ والقُعُودِ والمَعْصِيَةِ بِحَيْثُ …

At-Tawba 9:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [He also forgave] the three who were left behind [and regretted their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness and their souls confined them and they were certain that there is no refuge from Allah except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allah is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى النَّبِيءِ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ لَهُ حالَةٌ خاصَّةٌ مِن بَيْنِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ [التوبة: ٨١] الآيَةَ، والَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] الآيَةَ.

والتَّعْرِيفُ في الثَّلاثَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ فَإنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النّاسِ، وهم: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ مِن بَنِي واقِفٍ، كُلُّهم مِنَ الأنْصارِ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِدُونِ عُذْرٍ. ولَمّا رَجَعَ النَّبِيءُ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألَهم عَنْ تَخَلُّفِهِمْ فَلَمْ يَكْذِبُوهُ بِالعُذْرِ ولَكِنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِذَنْبِهِمْ وحَزِنُوا. «ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأمَرَهم بِأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم. ثُمَّ عَفا اللَّهُ عَنْهم بَعْدَ خَمْسِينَ

صفحة ٥٢

لَيْلَةً» . وحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّتِهِ هَذِهِ مَعَ الآخَرِينَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ طَوِيلٌ أغَرُّ، وقَدْ ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ.

و”خُلِّفُوا“ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ خَلَفَ المُخَفَّفِ الَّذِي هو فِعْلٌ قاصِرٌ، مَعْناهُ أنَّهُ وراءَ غَيْرِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْفِ بِسُكُونِ اللّامِ وهو الوَراءُ. والمَقْصُودُ بَقِيَ وراءَ غَيْرِهِ. يُقالُ: خَلَفَ عَنْ أصْحابِهِ إذا تَخَلَّفَ عَنْهم في المَشْيِ يَخْلُفُ بِضَمِّ اللّامِ في المُضارِعِ، فَمَعْنى (خُلِّفُوا) خَلَفَهم مُخَلِّفٌ، أيْ تَرَكَهَمْ وراءَهُ وهم لَمْ يُخَلِّفُهم أحَدٌ وإنَّما تَخَلَّفُوا بِفِعْلِ أنْفُسِهِمْ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خُلِّفُوا بِمَعْنى خَلَّفُوا أنْفُسَهم عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْلِيفُهم تَخْلِيفًا مَجازِيًّا اسْتُعِيرَ لِتَأْخِيرِ البَتِّ في شَأْنِهِمْ، أيِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ القَضاءِ في شَأْنِهِمْ فَلَمْ يَعْذُرْهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا آيَسَهم مِنَ التَّوْبَةِ كَما آيَسَ المُنافِقِينَ. فالتَّخْلِيفُ هُنا بِمَعْنى الإرْجاءِ. وبِهَذا التَّفْسِيرِ فَسَّرَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ في حَدِيثِهِ المَرْوِيِّ في الصَّحِيحِ فَقالَ: ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمّا خُلِّفْنا عَنِ الغَزْوِ وإنَّما تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقُبِلَ مِنهُ. اهـ.

يَعْنِي لَيْسَ المَعْنى أنَّهم خَلَّفُوا أنْفُسَهم عَنِ الغَزْوِ وإنَّما المَعْنى خَلَّفَهم أحَدٌ، أيْ جَعَلَهم خَلَفًا وهو تَخْلِيفٌ مَجازِيٌّ، أيْ لَمْ يُقْضَ فِيهِمْ. وفاعِلُ التَّخْلِيفِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أوِ اللَّهُ تَعالى.

وبِناءُ فِعْلِ (خُلِّفُوا) لِلنّائِبِ عَلى ظاهِرِهِ، فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم خَلَّفُوا أنْفُسَهم.

وتَعْلِيقُ التَّخْلِيفِ بِضَمِيرِ الثَّلاثَةِ مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ. والمُرادُ: تَعْلِيقُهُ بِحالٍ مِن أحْوالِها يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]

وهَذا الَّذِي فَسَّرَ كَعْبٌ بِهِ هو المُناسِبُ لِلْغايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا …

At-Tawba 9:118Listen in Qur'an →
119

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ

O you who have believed, fear Allah and be with those who are true.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾

الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاتِمَةٌ لِلْآيِ السّابِقَةِ ولَيْسَتْ فاتِحَةَ غَرَضٍ جَدِيدٍ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن «حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أنَّهُ قالَ " فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا. . أبْلاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمّا أبْلانِي ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا كَذِبًا وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ»﴾ اهـ. فَهَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْقِصَّةِ فَإنَّ القِصَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ قَوْمٍ اتَّقَوُا اللَّهَ فَصَدَقُوا في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وذِكْرِ قَوْمٍ كَذَبُوا في ذَلِكَ واخْتَلَقُوا المَعاذِيرَ وحَلَفُوا كَذِبًا فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ وصَدَقُوا في الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ العُذْرِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ سَبَبُ فَوْزِ الفائِزِينَ في هَذِهِ الأحْوالِ كُلِّها هو الصِّدْقُ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْواهُ وبِأنْ يَكُونُوا في زُمْرَةِ الصّادِقِينَ، مِثْلَ أُولَئِكَ الصّادِقِينَ الَّذِينَ تَضَمَّنَتْهُمُ القِصَّةُ.

والأمْرُ بِـ ﴿كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أبْلَغُ في التَّخَلُّقِ بِالصِّدْقِ مِن نَحْوِ: اصْدُقُوا. ونَظِيرُهُ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وكَذَلِكَ جَعَلَهُ بَعْدَ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]

At-Tawba 9:119Listen in Qur'an →
120

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

It was not [proper] for the people of Madinah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allah or that they prefer themselves over his self. That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allah, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allah does not allow to be lost the reward of the doers of good.

صفحة ٥٥

﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإيجابِ الغَزْوِ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِن أهْلِ بادِيَتِها الحافِّينَ بِالمَدِينَةِ إذا خَرَجَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْغَزْوِ. فَهَذا وُجُوبٌ عَيْنِيٌّ عَلى هَؤُلاءِ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهم جُنْدَ النَّبِيءِ ﷺ وحَرَسَ ذاتِهِ.

والَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ هم: مُزَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، وجُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ.

وصِيغَةُ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الأمْرِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، إذْ جُعِلَ التَّخَلُّفُ لَيْسَ مِمّا ثَبَتَ لَهم، فَهم بُرَآءُ مِنهُ فَيَثْبُتُ لَهم ضِدُّهُ وهو الخُرُوجُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إذا غَزا.

فِيهِ ثَناءٌ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ لِما قامُوا بِهِ مِن غَزْوِ تَبُوكَ، فَهو يَقْتَضِي تَحْرِيضَهم عَلى ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ إلَخْ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ تَخَلَّفُوا مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِنَ الأعْرابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إيجابِ النَّفِيرِ عَلَيْهِمْ إذا خَرَجَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْغَزْوِ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: هَذا الحُكْمُ خاصٌّ بِخُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ فَهو مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ. وبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ بَطّالٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ هَذا حُكْمًا عامًّا في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجِهِ إلى كَثْرَةِ الغُزاةِ ثُمَّ نُسِخَ لَمّا قَوِيَ الإسْلامُ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فَصارَ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا حُكْمُ مَنِ اسْتَنْفَرَهُمُ الإمامُ بِالتَّعْيِينِ لِأنَّهُ لَوْ جازَ لِهَؤُلاءِ التَّخَلُّفُ لَتَعَطَّلَ الخُرُوجُ. واخْتارَهُ فَخْرُ الدِّينِ.

والتَّخَلُّفُ: البَقاءُ في المَكانِ بَعْدَ الغَيْرِ مِمَّنْ كانَ مَعَهُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]

صفحة ٥٦

والرَّغْبَةُ تُعَدّى بِحَرْفِ (في) فَتُفِيدُ مَعْنى مَوَدَّةِ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ والحِرْصِ فِيهِ، وتُعِدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) فَتُفِيدُ مَعْنى المُجافاةِ لِلشَّيْءِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهي هُنا مُعَدّاةٌ بِـ (عَنْ) . أُرِيدَ بِرَغْبَتِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ مَحَبَّتُهم أنْفُسَهم وحِرْصُهم عَلى سَلامَتِها دُونَ الحِرْصِ عَلى سَلامَةِ نَفْسِ الرَّسُولِ، فَكَأنَّهم رَغِبُوا عَنْ نَفْسِهِ إذْ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ مُلابِسِينَ لِأنْفُسِهِمْ، أيْ مُحْتَفِظِينَ بِها لِأنَّهم بِمِقْدارِ مَن يَتَخَلَّفُ مِنهم يَزْدادُ تَعَرُّضُ نَفْسِ الرَّسُولِ مِنَ التَّلَفِ قُرْبًا، فَتَخَلُّفُ واحِدٍ مِنهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ عَوْنٌ عَلى تَقْرِيبِ نَفْسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّلَفِ فَلِذَلِكَ اسْتُعِيرَ لِهَذا التَّخَلُّفِ لَفْظُ الرَّغْبَةِ عَنْهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ: (بِأنْفُسِهِمْ) لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ. نَزَلَ الضَّنُّ بِالأنْفُسِ والحَذَرُ مِن …

At-Tawba 9:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.