Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 111–120 of 129

111

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجِهادِ بِبَيانِ فَضِيلَتِهِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ، ولَقَدْ بُولِغَ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، حَيْثُ عُبِّرَ عَنْ قَبُولِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمُ الَّتِي بَذَلُوها في سَبِيلِهِ تَعالى وإثابَتِهِ إيّاهم بِمُقابَلَتِها الجَنَّةَ بِالشِّراءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ جُعِلَ المَبِيعُ الَّذِي هو العُمْدَةُ والمَقْصِدُ في العَقْدِ أنْفُسَ المُؤْمِنِينَ وأمْوالَهُمْ، والثَّمَنُ الَّذِي هو الوَسِيلَةُ في الصَّفْقَةِ الجَنَّةُ، ولَمْ يُجْعَلِ الأمْرُ عَلى العَكْسِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ باعَ الجَنَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَقْصِدَ في العَقْدِ هو الجَنَّةُ، وما بَذَلَهُ المُؤْمِنُونَ في مُقابَلَتِها مِنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ وسِيلَةٌ إلَيْها إيذانًا بِتَعَلُّقِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ وبِأمْوالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ: بِالجَنَّةِ، بَلْ قِيلَ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ مُبالَغَةً في تَقْرِيرِ وصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ واخْتِصاصِهِ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِالجَنَّةِ الثّابِتَةِ لَهُمُ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ.

وَأمّا ما يُقالُ مِن أنَّ ذَلِكَ لِمَدْحِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم بَذَلُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ لِكَمالِ ثِقَتِهِمْ بِوَعْدِهِ تَعالى، وأنَّ تَمامَ الِاسْتِعارَةِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَوْ قِيلَ: بِالجَنَّةِ لاحْتُمِلَ كَوْنُ الشِّراءِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّها صالِحَةٌ لِلْعِوَضِيَّةِ بِخِلافِ الوَعْدِ بِها - فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ مَناطَ دِلالَةِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى الوَعْدِ لَيْسَ كَوْنُهُ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً مُصَدَّرَةً بِأنَّ - فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ - بَلْ هو الجَنَّةُ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها في الدُّنْيا، ولَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ يَكُونُ العِوَضُ الجَنَّةَ المَوْعُودَ بِها لا الوَعْدُ بِها.

﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ، لَكِنْ لا لِبَيانٍ ما لِأجْلِهِ الشِّراءُ، ولا لِبَيانِ نَفْسِ الِاشْتِراءِ - لِأنَّ قِتالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِاشْتِراءِ اللَّهِ تَعالى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، بَلْ هو بَذْلٌ لَهُما في ذَلِكَ - بَلْ لِبَيانِ البَيْعِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو بَذْلٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ إلى جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَعْرِيضٌ لَهُما لِلْهَلاكِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلًا لِلنَّفْسِ، وأنَّ المُقاتِلَ في سَبِيلِهِ باذِلٌ لَها، وإنْ كانَتْ سالِمَةً غانِمَةً، فَإنَّ الإسْنادَ في الفِعْلَيْنِ لَيْسَ بِطَرِيقِ اشْتِراطِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، ولا اشْتِراطِ الِاتِّصافِ بِأحَدِهِما البَتَّةَ، بَلْ بِطَرِيقِ وصْفِ الكُلِّ بِحالِ البَعْضِ، فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ القِتالُ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ وُجِدَ الفِعْلانِ أوْ أحَدَهُما مِنهم أوْ مِن بَعْضِهِمْ، بَلْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم أحَدُهُما أيْضًا، كَما إذا وُجِدَتِ المُضارَبَةُ، ولَمْ يُوجَدِ القَتْلُ مِن أحَدِ الجانِيَيْنِ، أوْ لَمْ تُوجَدِ المُضارَبَةُ أيْضًا، فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ الجِهادُ بِمُجَرَّدِ العَزِيمَةِ والنَّفِيرِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ.

وَتَقْدِيمُ حالَةِ القاتِلِيَّةِ عَلى حالَةِ …

At-Tawba 9:111Listen in Qur'an →
112

ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلْعَٰبِدُونَ ٱلْحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

﴿التّائِبُونَ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، أيْ: هُمُ التّائِبُونَ، يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالياءِ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ جُوِّزَ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ: التّائِبُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا، وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العابِدُونَ﴾ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيِ: التّائِبُونَ مِنَ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ الجامِعُونَ لِهَذِهِ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، أيِ: المُخْلِصُونَ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿الحامِدُونَ﴾ لِنَعْمائِهِ، أوْ لِما نابَهم مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴿السّائِحُونَ﴾ الصّائِمُونَ لِقَوْلِهِ ﷺ « "سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ»» شُبِّهَ بِها؛ لِأنَّهُ عائِقٌ عَنِ الشَّهَواتِ، أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يُتَوَسَّلُ بِها إلى العُثُورِ عَلى خَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وقِيلَ: هُمُ السّائِحُونَ في الجِهادِ وطَلَبِ العِلْمِ.

﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاةِ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالطّاعَةِ والإيمانِ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والعَطْفُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَعاطِفَيْنِ بِمَنزِلَةِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما بَيَّنَهُ وعَيَّنَهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ عَمَلًا وحَمْلًا لِلنّاسِ عَلَيْهِ فَلِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُهُ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ.

﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المَوْصُوفِينَ بِالنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ، ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو الإيمانُ، وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ، وحُذِفَ المُبَشَّرُ بِهِ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ البَيانِ، وفي تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالأوَّلِينَ إظْهارُ زِيادَةِ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّسْلِيَةِ.

At-Tawba 9:112Listen in Qur'an →
113

مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ وحْدَهُ، أيْ: ما صَحَّ لَهم في حُكْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وحِكْمَتِهِ وما اسْتَقامَ ﴿أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿وَلَوْ كانُوا﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ﴿أُولِي قُربي﴾ أيْ: ذَوِي قَرابَةٍ لَهُمْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى قَبْلَها مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا، كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ" ونَظائِرِهِ.

رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ: "يا عَمِّ، قُلْ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ" فَأبى، فَقالَ ﷺ: "لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْهُ"» فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ: لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ خَرَجَ إلى الأبْواءِ فَزارَ قَبْرَ أُمِّهِ، ثُمَّ قامَ مُسْتَعْبِرًا، فَقالَ: « "إنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأذِنَ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي،» وأنْزَلَ عَلَيَّ الآيَتَيْنِ" .

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلنَّبِيِّ - ﷺ – والمُؤْمِنِينَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ﴿أصْحابُ الجحيم﴾ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، أوْ نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى ذَلِكَ.

At-Tawba 9:113Listen in Qur'an →
114

وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍۢ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّۭ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌۭ

And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to Abraham that his father was an enemy to Allah, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.

﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ﴾ بِقَوْلِهِ: ( ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ ) أيْ: بِأنْ تُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ وتَهْدِيَهُ إلَيْهِ كَما يَلُوحُ بِهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ ودَفْعِ ما يَتَراءى بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِنَ المُخالَفَةِ، وقُرِئَ (وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ)، وقُرِئَ (وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ) عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: لَمْ يَكُنِ اسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ آزَرَ ناشِئًا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ ﴿وَعَدَها﴾ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿إيّاهُ﴾ أيْ: أباهُ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ بِناءً عَلى رَجاءِ إيمانِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإلّا لَمّا وعَدَها إيّاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى عَدَمِ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ بِأنْ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّهُ مُصِرٌّ عَلى الكُفْرِ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أبَدًا، وقِيلَ: بِأنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ فَإنَّ وصْفَهُ بِالعَداوَةِ مِمّا يَأْباهُ حالَةُ المَوْتِ ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، وتَجانَبَ كُلَّ التَّجانُبِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في (تَرَكَهُ) ونَظائِرِهِ.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ﴾ لَكَثِيرُ التَّأوُّهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الرَّأْفَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ ﴿حَلِيمٌ﴾ صَبُورٌ عَلى الأذِيَّةِ والمِحْنَةِ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما كانَ يَدْعُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ أوّاهًا حَلِيمًا، فَلِذَلِكَ صَدَرَ عَنْهُ ما صَدَرَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَّبَيُّنِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَأْتَسِيَ بِهِ في ذَلِكَ، وتَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ بَعْدَ التَّبَيُّنِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَبَرَّأ مِنهُ بَعْدَ التَّبَيُّنِ، وهو في كَمالِ رِقَّةِ القَلْبِ والحِلْمِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أكْثَرَ مِنهُ اجْتِنابًا وتَبَرُّؤًا، وأمّا أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ لَوْ كانَ غَيْرَ مَحْظُورٍ لَما اسْتُثْنِيَ مِنَ الِائْتِساءِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فَقَدْ حُقِّقَ في سُورَةِ مَرْيَمَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

At-Tawba 9:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

And Allah would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allah is Knowing of all things.

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أيْ: لَيْسَ مِن عادَتِهِ أنْ يَصِفَهم بِالضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ويُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أحْكامَهُ.

﴿بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ لِلْإسْلامِ ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بِالوَحْيِ صَرِيحًا أوْ دِلالَةً ﴿ما يَتَّقُونَ﴾ أيْ: ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِن مَحْظُوراتِ الدِّينِ فَلا يَنْزَجِرُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُسَمّى ما صَدَرَ عَنْهم ضَلالًا ولا يُؤاخَذُونَ بِهِ، فَكَأنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلَّذِينَ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِما لا يَسْتَبِدُّ بِمَعْرِفَتِهِ العَقْلُ.

﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ، أيْ: إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حاجَتُهم إلى بَيانِ قُبْحِ ما لا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ في مَعْرِفَتِهِ فَيُبَيِّنُ لَهم ذَلِكَ كَما فَعَلَ ها هُنا.

At-Tawba 9:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

Indeed, to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allah any protector or any helper.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ لَهُ فِيهِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لَمّا مَنَعَهم مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ وإنْ كانُوا أُولِي قُربى - وضَمَّنَ ذَلِكَ التَّبَرُّؤَ مِنهم رَأْسًا - بَيَّنَ لَهم أنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ كُلِّ مَوْجُودٍ ومُتَوَلِّي أُمُورِهِ والغالِبُ عَلَيْهِ، ولا يَتَأتّى لَهم نَصْرٌ ولا وِلايَةٌ إلّا مِنهُ تَعالى لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِشَراشِرِهِمْ مُتَبَرِّئِينَ عَمّا سِواهُ غَيْرَ قاصِدِينَ إلّا إيّاهُ.

At-Tawba 9:116Listen in Qur'an →
117

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِنۢ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍۢ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُۥ بِهِمْ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

Allah has already forgiven the Prophet and the Muhajireen and the Ansar who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هو العَفْوُ عَنْ إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ قِيلَ: هو في حَقِّ زَلّاتٍ سَبَقَتْ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، وقِيلَ: المُرادُ بَيانُ فَضْلِ التَّوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلَيْها حَتّى النَّبِيِّ ﷺ لِما صَدَرَ عَنْهُ في بَعْضِ الأحْوالِ مِن تَرْكِ الأوْلى ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ ولَمْ يُخِلُّوا بِأمْرٍ مِن أوامِرِهِ ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ أيْ: في وقْتَها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسّاعَةِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ، وهي حالُهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ يَعْتَقِبُ عَشَرَةٌ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ، ومِنَ الزّادِ تَزَوَّدُوا التَّمْرَ المُدَوِّدَ والشَّعِيرَ المُسَوِّسَ والإهالَةَ الزَّنِخَةَ، وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ إلى أنِ اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ المُتَغَيِّرَ، وفي عُسْرَةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها، وفي شِدَّةِ زَمانٍ مِن حِمارَةِ القَيْظِ، ومِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ والضَّيِّقَةِ الشَّدِيدَةِ، ووَصْفُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِما ذُكِرَ مِنِ اتِّباعِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مِثْلِ هاتِيكَ المَراتِبِ مِنَ الشِّدَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ الحاجَةِ إلى التَّوْبَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُغْنِهِمْ عَنْها فَلَأنْ لا يَسْتَغْنِيَ عَنْها غَيْرُهم أوْلى وأحْرى.

﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي الشِّدَّةِ وبُلُوغِها إلى ما لا غايَةَ وراءَها، وهو إشْرافُ بَعْضِهِمْ عَلى أنْ يَمِيلُوا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي "كادَ" ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أوْ ضَمِيرُ القَوْمِ الرّاجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في مِنهُمْ، وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ، وقُرِئَ مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، يَعْنِي: المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَأبِي لُبابَةَ وأضْرابِهِ.

﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يُتابُ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ ما كابَدُوا مِنَ العُسْرَةِ، والمُرادُ: أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ، فَإنَّ صِفَةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ مِن دَواعِي التَّوْبَةِ والعَفْوِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الأوَّلِ عِبارَةً عَنْ إزالَةِ الضَّرَرِ والثّانِي عَنْ إيصالِ المَنفَعَةِ، وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما لِلسَّوابِقِ والآخَرُ لِلَّواحِقِ.

At-Tawba 9:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [He also forgave] the three who were left behind [and regretted their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness and their souls confined them and they were certain that there is no refuge from Allah except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allah is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ: وتابَ اللَّهُ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ أُخِّرَ أمْرُهم عَنْ أمْرِ أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مَعْذِرَتَهم مِثْلَ أُولَئِكَ ولا رُدَّتْ، ولَمْ يُقْطَعْ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ إلى أنْ نَزَلَ فِيهِمُ الوَحْيُ، وهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وقُرِئَ (خَلَّفُوا) أيْ: خَلَّفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ، أوْ فَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ، وقُرِئَ (عَلى المُخَلَّفِينَ) والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ غايَةٌ لِلتَّخْلِيفِ، ولا يُناسِبُهُ إلّا المَعْنى الأوَّلُ، أيْ: خُلِّفُوا وأُخِّرَ أمْرُهم إلى أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرُحْبِها وسَعَتِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وانْقِطاعِهِمْ عَنْ مُفاوَضَتِهِمْ، وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ، كَأنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ بِهِ قَرارٌ ولا تَطْمَئِنُّ لَهُ دارٌ ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: إذا رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ لا يَطْمَئِنُّونَ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ الأُنْسِ والسُّرُورِ واسْتِيلاءِ الوَحْشَةِ والحَيْرَةِ ﴿وَظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّهُ لا مَلْجَأ مِن سَخَطِهِ تَعالى إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيَصِيرُوا مِن جُمْلَةِ التَّوّابِينَ، ورَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ كَمًّا وكَيْفًا وإنْ كَثُرَتِ الجِناياتُ وعَظُمَتْ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ الآلاءِ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِأفانِينَ العِقابِ.

رُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهم مَن بَدا لَهُ وكَرِهَ مَكانَهُ فَلَحِقَ بِهِ ﷺ.

عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ لِأحَدِهِمْ حائِطٌ كانَ خَيْرًا مِن مِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: يا حائِطاهُ، ما خالَفَنِي إلّا ظِلُّكَ وانْتِظارُ ثِمارِكَ اذْهَبْ فَأنْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لِآخَرَ إلّا أهْلُهُ، فَقالَ: يا أهْلاهُ، ما بَطَّأنِي ولا خَلَّفَنِي إلّا الفَتْنُ بِكَ فَلا جَرَمَ - واللَّهِ - لَأُكابِدَنَّ الشَّدائِدَ حَتّى ألْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَأبَّطَ زادَهُ ولَحِقَ بِهِ ﷺ قالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَلِكَ - واللَّهِ - المُؤْمِنُ يَتُوبُ مِن ذُنُوبِهِ ولا يُصِرُّ عَلَيْها.

وَعَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ أنَّ بَعِيرَهُ أبْطَأ بِهِ فَحَمَلَ مَتاعَهُ عَلى ظَهْرِهِ واتَّبَعَ أثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ماشِيًا، فَقالَ ﷺ لَمّا رَأى سَوادَهُ: "كُنْ أبا ذَرٍّ" فَقالَ النّاسُ: هو ذاكَ، فَقالَ ﷺ: ﴿رَحِمَ اللَّهُ أبا ذَرٍّ يَمْشِي وحْدَهُ، ويَمُوتُ وحْدَهُ، ويُبْعَثُ وحْدَهُ﴾ .

«وَعَنْ أبِي خَيْثَمَةَ أنَّهُ بَلَغَ بُسْتانُهُ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ، وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ، فَنَظَرَ فَقالَ: ظِلٌّ ظَلِيلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ، وماءٌ بارِدٌ، وامْرَأةٌ حَسْناءُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرٍ، فَقامَ ورَحَلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ، فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ، فَقالَ: "كُنْ أبا خَيْثَمَةَ"» فَكانَهُ، فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَغْفَرَ لَهُ. …

At-Tawba 9:118Listen in Qur'an →
119

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ

O you who have believed, fear Allah and be with those who are true.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ التّائِبُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: لِمَن تَخَلَّفَ عَلَيْهِ مِنَ الطُّلَقاءِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ خاصَّةً ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ فَيَدْخُلُ فِيهِ المُعامَلَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أمْرِ المَغازِي دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ في أيْمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا، أوْ في كُلِّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ فَيَدْخُلُ ما ذُكِرَ، أوْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِمْ حِينَئِذٍ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ وأضْرابَهم.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ خِطابٌ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: كُونُوا مَعَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وانْتَظِمُوا في سِلْكِهِمْ في الصِّدْقِ وسائِرِ المَحاسِنِ، وقُرِئَ (مِنَ الصّادِقِينَ).

At-Tawba 9:119Listen in Qur'an →
120

مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

It was not [proper] for the people of Madinah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allah or that they prefer themselves over his self. That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allah, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allah does not allow to be lost the reward of the doers of good.

﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَة﴾0 ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم ﴿وَمَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وغِفارٍ وأضْرابِهِمْ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ ﷺ إلى الغَزْوِ ﴿وَلا يَرْغَبُوا﴾ نُصِبَ وقَدْ جُوِّزَ الجَزْمُ ﴿بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُوها عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، ولا يَصُونُوها عَمّا لَمْ يَصُنْ عَنْهُ نَفْسَهُ، بَلْ يُكابِدُوا مَعَهُ ما يُكابِدُهُ مِنَ الأهْوالِ والخُطُوبِ، والكَلامُ في مَعْنى النَّهْيِ، وإنْ كانَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن وُجُوبِ المُشايَعَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ: عَطَشٌ يَسِيرٌ ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ ولا تَعَبٌ ما ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ أيْ: مَجاعَةٌ ما لا يُسْتَباحُ عِنْدَهُ المُحَرَّماتُ مِن مَراتِبِها، فَإنَّ الظَّمَأ والنَّصْبَ اليَسِيرَيْنِ حِينَ لَمْ يَخْلُوا مِنَ الثَّوابِ فَلِأنْ لا يَخْلُوَ ذَلِكَ مِنهُ أوْلى، فَلا حاجَةَ إلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِتَكْرِيرِ كَلِمَةِ لا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها تِلْكَ المَرْتَبَةُ، ويَكُونُ التَّرْتِيبُ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ، فَإنَّ الظَّمَأ أكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ النَّصْبِ الَّذِي هو أكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ المَخْمَصَةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، فَتَوْسِيطُ كَلِمَةِ لا حِينَئِذٍ لَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالفَضِيلَةِ والِاعْتِدادِ بِهِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ: لا يَدُوسُونَ بِأرْجُلِهِمْ وحَوافِرِ خُيُولِهِمْ وأخْفافِ رَواحِلِهِمْ دَوْسًا أوْ مَكانًا يُداسُ ﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ مَصْدَرٌ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، أوْ مَفْعُولٌ، أيْ: شَيْئًا يُنالُ مِن قِبَلِهِمْ ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ وحَسَنَةٌ مَقْبُولَةٌ مُسْتَوْجَبَةٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ لِلثَّوابِ الجَمِيلِ ونَيْلِ الزُّلْفى، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وكَوْنُ المَكْتُوبِ عَيْنَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الأُمُورِ لا يَمْنَعُ دُخُولَ الباءِ، فَإنَّ اخْتِلافَ العُنْوانِ كافٍ في ذَلِكَ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ، تَعْلِيلٌ لِما سَلَفَ مِنَ الكَتْبِ، والمُرادُ بِـ"المُحْسِنِينَ" إمّا المَبْحُوثُ عَنْهم - ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِمَدْحِهِمْ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ وأنَّ أعْمالَهم مِن قَبِيلِ الإحْسانِ ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ المَأْخَذِ لِلْحُكْمِ - وإمّا جِنْسُ المُحْسِنِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

At-Tawba 9:120Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.