Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، وأشْجَعُ، كانَ فِيهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ مُنافِقُونَ. قالَ مُقاتِلٌ: وكانَتْ مَنازِلُهم حَوْلَ المَدِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَنُوا عَلَيْهِ وثَبَتُوا، مِنهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، والجُلّاسُ، ومُعَتِّبٌ، وَوَحْوَحٌ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَتَوْا ومَرَنُوا عَلَيْهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: تَمَرَّدَ فَلانٌ، ومِنهُ: شَيْطانٌ مَرِيدٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: (وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا)، ولَيْسَ يَجُوزُ في الكَلامِ: مَنَ القَوْمِ قَعَدُوا؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُهُنَّ: أنْ تَكُونَ "مِن" الثّانِيَةِ مَرْدُودَةٌ عَلى الأُولى؛ والتَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ "مَرَدُوا" .

والثّانِي أنْ يَكُونَ في الكَلامِ "مِن" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهَلِ المَدِينَةِ مَن مَرَدُوا؛ فَأُضْمِرَتْ "مِن"، لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتُ:١٦٤] يُرِيدُ: إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ؛ وعَلى هَذا يَنْقَطِعُ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ "مُنافِقُونَ"

والثّالِثُ: أنَّ "مَرَدُوا" مُتَعَلِّقٌ بِمُنافِقِينَ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لا تَعْلَمُهم أنْتَ حَتّى نُعْلِمَكَ بِهِمْ. والثّانِي: لا تَعْلَمُ عَواقِبَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ في الدُّنْيا، وهو فَضِيحَتُهم بِالنِّفاقِ، والعَذابِ الثّانِي: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ: «وَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمْعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ "يا فُلانُ" اخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، ويا فُلانٌ اخْرُجْ"» فَفَضَحَهم.

والثّانِي: أنَّ العَذابَ الأوَّلَ: إقامَةُ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ: الزَّكاةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنهم، والآَخَرُ: الجِهادُ الَّذِي يُؤْمَرُونَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: الجُوعُ، وعَذابُ القَبْرِ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ أبُو مالِكٍ.

والخامِسُ: الجُوعُ والقَتْلُ، رَواهُ سُفْيانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القَتْلُ والسَّبْيُ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القَتْلُ والأسْرُ.

والسّابِعُ: أنَّهم عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّامِنُ: أنَّ عَذابَهم في الدُّنْيا بِالمَصائِبِ في الأمْوالِ والأوْلادِ، وفي الآَخِرَةِ بِالنّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والتّاسِعُ: أنَ الأوَّلَ: عِنْدَ المَوْتِ، تَضْرِبُ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، والثّانِي: في القَبْرِ بِمُنْكَرٍ ونَكِيرٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والعاشِرُ: أنَ الأوَّلَ بِالسَّيْفِ، والثّانِي: عِنْدَ المَوْتِ؛ قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: «أنَّهم عَشْرَةُ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا دَنا رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسِوارَيِ المَسْجِدِ.

فَلَمّا رَآَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ "مِن هَؤُلاءِ"؟ قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، فَأقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يُطْلِقُونَ أنْفُسَهم حَتّى تُطْلِقَهم أنْتَ وتُعَذِّرَهم، فَقالَ "وَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أُعَذِّرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهم، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَأطْلَقَهم وعَذَّرَهم،» رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى العَوْفِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا كانُوا سِتَّةً، فَأوْثَقَ أبُو لُبابَةَ نَفْسُهُ ورَجُلانِ مَعَهُ، وبَقِيَ ثَلاثَةٌ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أطْلَقَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَذَّرَهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ الأنْصارِيُّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانُوا ثَمانِيَةً. وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم كانُوا سَبْعَةً.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبانَةَ وحْدَهُ. واخْتَلَفُوا في ذَنْبِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِإشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ شاوَرُوهُ في النُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ أنَّهُ الذَّبْحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْفالِ:٢٧) .

والثّانِي: أنَّهُ تَخَلُّفُهُ عَنْ تَبُوكَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ. فَأمّا الِاعْتِرافُ، فَهو الإقْرارُ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ. والِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ أدْعى إلى صِدْقِ التَّوْبَةِ والقَبُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ الواوَ مَكانَ الباءِ، والمَعْنى: بِآَخَرَ سَيِّئٍ، كَما تَقُولُ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ.

وَفِي ذَلِكَ العَمَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: ما سَبَقَ مِن جِهادِهِمْ، والسَّيِّئُ: التَّأخُّرُ عَنِ الجِهادِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ: تَوْبَتُهم والسَّيِّئُ: تُخَلُّفُهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ. وفي قَوْلِهِ "عَسى" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْدِيدٌ لَهم بَيْنَ الطَّمَعِ والإشْفاقِ، وذَلِكَ يَصُدُّ عَنِ اللَّهْوِ والإهْمالِ.

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا تابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، فَقالَ:

"ما أُمِرْتُ أنَّ آَخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»

"وَفِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ الَّتِي بَذَلُوها تَطَوُّعًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الزَّكاةُ،، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ "تُطَهِّرُهم بِها" بِجَزْمِ الرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "تُطَهِّرُهُمْ" نَعْتًا لَلصَّدَقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهَّرَةً. والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ لَلنَّبِيِّ ﷺ، المَعْنى: فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم بِها فِـ تُطَهِّرْهم. بِالجَزْمِ، عَلى جَوابِ الأمْرِ، المَعْنى: إنْ تَأْخُذْ مِن أمْوالِهِمْ، تُطَهِّرْهم. ولا يَجُوزُ في "تُزَكِّيهِمْ" إلّا إثْباتُ الياءِ، اتِّباعًا لَلْمُصْحَفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تُطَهِّرُهُمْ" مِنَ الذُّنُوبِ، "وَتُزَكِّيهِمْ": تُصْلِحُهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْتَغْفِرْ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ادْعُ لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: " إنَّ صَلَواتِك " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلَواتِكَ" عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "إنَّ صَلاتَكَ" عَلى التَّوْحِيدِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: طُمَأْنِينَةٌ لَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ مِنهم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَثْبِيتٌ وسُكُونٌ. والثّانِي: رَحْمَةٌ لَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: قُرْبَةٌ لَهم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: وقارٌ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: تَزْكِيَةٌ لَهم، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: وهَؤُلاءِ سِوى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها. ومِثْلُهُ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعْرافِ:١٩٩] أيِ: اقْبَلْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَعْلَمُوا" بِالياءِ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ "تَعْلَمُوا" بِالتّاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ مِن عَبِيدِهِ، تَقُولُ: أخَذْتُهُ مِنكَ، وأخَذْتُهُ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَقْبَلُها. ومِثْلُهُ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعْرافِ:١٩٩] أيِ: اقْبَلْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا خِطابٌ لَلَّذِينِ تابُوا.

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "مَرْجُونَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ. والآَيَةُ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمِّيَّةَ، وكانُوا فِيمَن تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُبالِغُوا في الِاعْتِذارِ كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ، ولَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؛ فَوَقَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَهم، ونَهى النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التَّوْبَةِ:١١٨] . قالَ الزَّجّاجُ: "وَآَخَرُونَ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ"، فالمَعْنى: مِنهم مُنافِقُونَ، ومِنهم (آَخَرُونَ مُرْجَوْنَ) أيْ: مُؤَخَّرُونَ؛ "وَإمّا" لِوُقُوعِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُهم، لَكِنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْلَمُونَ، فالمَعْنى: لِيَكُنْ أمْرُهم عِنْدَكم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهم، حَكِيمٌ بِما يَفْعَلُهُ بِهِمْ.

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والَّذِينَ" بِواوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "الَّذِينَ" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالواوِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التَّوْبَةِ:٧٥]، ﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥٨]، ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التَّوْبَةِ:٦١]، والمَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا. ومَن حَذَفَ الواوَ، فَعَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يُضْمِرَ - ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا كَقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، المَعْنى: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ.

والثّانِي: أنْ يُضْمِرَ الخَبَرَ بَعْدُ، كَما أُضْمِرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحَجِّ:٢٥]، المَعْنى يَنْتَقِمُ مِنهم ويُعَذَّبُونَ. قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمّا اتَّخَذَ بَنُو عَمْرٍو بْنُ عَوْفٍ مَسْجِدَ قِباءٍ، وبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتاهم، فَصَلّى فِيهِ؛ حَسَدَهم إخْوَتُهم بَنُو غُنْمِ بْنُ عَوْفٍ، وكانُوا مِن مُنافِقِي الأنْصارِ فَقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا، ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَيُصَلِّي فِيهِ ويُصَلِّي فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ؛ وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تُرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ وتَنْصَّرَ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، عاداهُ، فَخَرَجَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنْ أعِدُّوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا، فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآَتِي بِجُنْدِ الرُّومِ فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قَباءٍ؛ وكانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ ومِن دارِهِ أُخِرَجَ المَسْجِدُ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ يَزِيدُ ومُجَمِّعٌ؛ وكانَ مُجَمِّعٌ إمامَهم فِيهِ، ثُمَّ صَلَحَتْ حالُهُ، وبَحْزَجُ جَدُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْفٍ، وهو الَّذِي قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما أرَدْتَ بِما أرى"؟ فَقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى، وهو كاذِبٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: الَّذِي حَلَفَ مُجَمِّعٌ. وقِيلَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ؛ فَلَمّا فَرَغُوا مِنهُ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا قَدِ ابْتَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ فِيهِ؛ فَدَعى بِقَمِيصِهِ لِيَلْبِسَهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ وأخْبَرَهُ اللَّهُ خَبَرَهُمْ، فَدَعا مَعْنُ بْنُ عُدَيٍّ، ومالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ في آَخَرِينَ، وقالَ: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ، فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ"، وأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ كُناسَةً تُلْقى فِيها الجِيَفُ. وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ وحِيدًا غَرِيبًا.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا. و"ضِرارًا" انْتَصَبَ مَفْعُولًا لَهُ المَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ والكُفْرِ والتَّفْرِيقِ والإرْصادِ. فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ، أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ قالَ المُفَسِّرُونَ:

والضِّرارُ بِمَعْنى …

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ أيْ: لا تُصَلِّ فِيهِ أبَدًا. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ أيْ: بُنِيَ عَلى الطّاعَةِ، وبَناهُ المُتَّقُونَ (مِن أوَّلِ يَوْمٍ) أيْ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ. قالَ الزَّجّاجُ: "مِن" في الزَّمانِ، والأصْلُ: مُنْذُ ومُذْ، وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ. وجائِزٌ دُخُولُ "مِن" لِأنَّها الأصْلُ في ابْتِداءِ الغايَةِ والتَّبْعِيضِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٌ:

؎ لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحَجَرِ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن شَهْرِ

وَقِيلَ مَعْناهُ: مَن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ شَهْرٍ. وفي هَذا المَسْجِدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ الَّذِي فِيهِ مِنبَرُهُ وقَبْرُهُ. رَوى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ الآَخَرُ: هو مَسْجِدُ قِباءٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ "هُوَ مَسْجِدِي هَذا"» وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَسْجِدُ قَباءٍ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعُرْوَةُ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ في المَدِينَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رِجُالًا مِن أهْلِ قَباءٍ كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، أتاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ "ما الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ" فَقالُوا: إنّا نَسْتَنْجِي بِالماءِ.» فَعَلى هَذا، المُرادُ بِهِ الطَّهارَةُ بِالماءِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: أنْ يَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ.

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "أسَّسَ" بِفَتْحِ الألِفِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا وفَتْحِ النُّونِ فِيهِما. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ "أُسِّسَ: بِضَمِّ الألِفِ "بُنْيانُهُ" بِرَفْعِ النُّونِ. والبُنْيانُ مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ المَبْنِيُّ. والتَّأْسِيسُ: إحْكامُ أُسِّ البِناءِ، وهو أصْلُهُ، والمَعْنى: المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ مُتَّقِيًا يَخافُ اللَّهَ ويَرْجُو رِضْوانَهُ خَيْرٌ، أمِ المُؤَسِّسُ بُنْيانَهُ غَيْرَ مُتَّقٍ؟ قالالزَّجّاجُ: وشَفا الشَّيْءَ: حَرَّفَهُ وحْدَّهُ. والشَّفا، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالألْفِ، ويُثَنّى شَفَوانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُرُفٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ "جُرُفٍ" مُثَقَّلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "جُرْفٍ" ساكِنَةَ الرّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالضَّمُّ الأصْلُ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ، ومِثْلُهُ: الشَّغْلُ والشُّغْلُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: عَلى حَرْفِ جُرْفٍ هائِرٍ. والجَرْفُ: ما يَتَجَرَّفُ بِالسُّيُولِ مِنَ الأوْدِيَةِ. والهائِرُ: السّاقِطُ. ومِنهُ: تَهَوَّرَ البَنّاءُ وانْهارَ: إذا سَقَطَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ "هارٍ" بِفَتْحِ الهاءِ. وأمالَ الهاءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو. وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْهارَ بِهِ﴾ أيْ: بِالبانِي في ﴿نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أنَّ بِناءَ هَذا المَسْجِدِ كَبِناءٍ عَلى جُرْفِ جَهَنَّمَ يَتَهَوَّرُ بِأهْلِهِ فِيها. وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّهم حَفَرُوا فِيهِ حُفْرَةً، فَرُؤُيَ فِيها الدُّخانُ. قالَ جابِرٌ: رَأيْتُ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ضِرارًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُّخانُ.

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ الضِّرارِ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: شَكًّا ونِفاقًا، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَسْرَةٌ ونَدامَةٌ، لِأنَّهم نَدِمُوا عَلى بِنائِهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: لا يَزالُ هَدْمُ بُنْيانِهِمْ حَزازَةً وغَيْظًا في قُلُوبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والمُبَرِّدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: "إلّا" وهو حَرْفُ اسْتِثْناءٍ. وقَرَأ يَعْقُوبُ "إلى أنْ" فَجَعَلَهُ حَرْفَ جَرٍّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تُقَطَّعَ" بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَقْطَّعَ" بِفَتْحِ التّاءِ ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلّا أنْ يَمُوتُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.