فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ
But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ:
صفحة ١٨٤
ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ:
وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ
يَعْنِي العَهْدَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ:
لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ
يَعْنِي القَرابَةَ.
والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ:
لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ
يَعْنِي الحِلْفَ.
والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ …