Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ:

صفحة ١٨٤

ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ:

وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

يَعْنِي العَهْدَ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ:

لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ

يَعْنِي القَرابَةَ.

والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ:

لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ

يَعْنِي الحِلْفَ.

والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ …

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن لا يَرْقُبُ في اللَّهِ إلًّا ولا ذِمَّةً، ويَنْقُضُ العَهْدَ ويَنْطَوِي عَلى النِّفاقِ ويَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّهم إنْ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ كَيْفَ حُكْمُهم، فَجَمَعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ وهو يُفِيدُ جُمْلَةَ أحْكامِ الإيمانِ، ولَوْ شُرِحَ لَطالَ.

فَإنْ قِيلَ: المُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى لَمْ تُوجَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ لا يَحْصُلُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ فَقِيرًا، أوْ إنْ كانَ غَنِيًّا، لَكِنْ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ لا تَلْزَمُهُ الزَّكاةُ.

قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءِ: ٣١] أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِهِ عَدَمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُعَلَّقُ عَلى

صفحة ١٨٦

الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَهُنا قالَ: المُؤاخاةُ بِالإسْلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلى فِعْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ جَمِيعًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَها في إثْباتِ المُؤاخاةِ، ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِوُجُوبِ الزَّكاةِ عَلَيْهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُقِرَّ بِحُكْمِها، فَإذا أقَرَّ بِهَذا الحُكْمِ دَخَلَ في الشَّرْطِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الأُخُوَّةُ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما أفْقَهَهُ في الدِّينِ، أرادَ بِهِ ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ في حَقِّ مانِعِي الزَّكاةِ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما، بَقِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ فَهم إخْوانُكم بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٥] أيْ فَهم إخْوانُكم.

الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ أجْمَعُونَ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، وهَذا غَلَطٌ؛ يُقالُ لِلْأصْدِقاءِ وغَيْرِ الأصْدِقاءِ إخْوَةٌ وإخْوانٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ تَعالى: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذا اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصُودُ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ، وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النَّحْلِ: ٩٢] والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنى الحَلِفِ والقَسَمِ، وقِيلَ لِلْحَلِفِ يَمِينٌ، وهو اسْمُ اليَدِ؛ لِأنَّهم …

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُهم عَلى مُقاتَلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أسْبابٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ:

أحَدُها: نَكْثُهُمُ العَهْدَ، وكُلُّ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ النّاكِثِينَ أوْلى مِن قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِغَيْرِهِمْ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ فَإنَّ هَذا مِن أوْكَدِ ما يَجِبُ القِتالُ لِأجْلِهِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إخْراجُهُ مِن مَكَّةَ حِينَ هاجَرَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المَشُورَةِ والِاجْتِماعِ عَلى قَصْدِهِ بِالقَتْلِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَمُّوا بِإخْراجِهِ مِن حَيْثُ أقْدَمُوا عَلى ما يَدْعُوهُ إلى الخُرُوجِ وهو نَقْضُ العَهْدِ، وإعانَةُ أعْدائِهِ، فَأُضِيفَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ تَوَسُّعًا لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ إمّا

صفحة ١٨٨

بِالفِعْلِ وإمّا بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الفِعْلُ بِتَمامِهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهم حِينَ سَلِمَ العِيرُ قالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أرادَ أنَّهم قاتَلُوا حُلَفاءَ خُزاعَةَ فَبَدَءُوا بِنَقْضِ العَهْدِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وإنَّما قالَ: ﴿بَدَءُوكُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ البادِئَ أظْلَمُ، ولَمّا شَرَحَ تَعالى هَذِهِ المُوجِباتِ الثَّلاثَةَ زادَ فِيها، فَقالَ: ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا الكَلامُ يُقَوِّي داعِيَةَ القِتالِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ تَعْدِيدَ المُوجِباتِ القَوِيَّةِ وتَفْصِيلَها مِمّا يُقَوِّي هَذِهِ الدّاعِيَةَ.

والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أتَخْشى خَصْمَكَ ؟ كانَ ذَلِكَ تَحْرِيكًا مِنهُ لِأنْ يَسْتَنْكِفَ أنْ يُنْسَبَ إلى كَوْنِهِ خائِفًا مِن خَصْمِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ تَخْشى أحَدًا فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القُدْرَةِ والكِبْرِياءِ والجَلالَةِ، والضَّرَرُ المُتَوَقَّعُ مِنهم غايَتُهُ القَتْلُ، أمّا المُتَوَقَّعُ مِنَ اللَّهِ فالعِقابُ الشَّدِيدُ في القِيامَةِ، والذَّمُّ اللّازِمُ في الدُّنْيا.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تُقْدِمُوا عَلى هَذِهِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناهُ أنَّكم إنْ لَمْ تُقْدِمُوا عَلَيْها وجَبَ أنْ لا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى سَبْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْمِلُهم عَلى مُقاتَلَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ النّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ.

بَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ …

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ سَبْعَةَ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ إقْدامَهم عَلى القِتالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعادَ الأمْرَ بِالقِتالِ، وذَكَرَ في ذَلِكَ القِتالِ خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ، كُلُّ واحِدٍ مِنها يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ ؟

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ عَذابًا وهو حَقٌّ فَإنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرِينَ فَإنْ شاءَ عَجَّلَهُ في الدُّنْيا، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ تارَةً، والأسْرُ أُخْرى، واغْتِنامُ الأمْوالِ ثالِثًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرْناهُ.

فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ ؟ .

قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ عَذابُ القَتْلِ والحَرْبِ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ قَدْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، وإنْ كانَ في حَقِّهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، أمّا عَذابُ القَتْلِ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَبْقى مَقْصُورًا عَلى المُذْنِبِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ والأسْرُ، وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ والأسْرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ عَلى أيْدِي العِبادِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ فَقالَ: لَوْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكُفّارَ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُعَذِّبُ المُؤْمِنِينَ بِأيْدِي الكافِرِينَ، ولَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُكَذِّبُ أنْبِياءَهُ عَلى ألْسِنَةِ الكُفّارِ، ويَلْعَنُ المُؤْمِنِينَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ

صفحة ٤

ذَلِكَ عِنْدَ المُجْبِرَةِ، عُلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ، وإنَّما نَسَبَ ما ذَكَرْناهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ وألْطافِهِ، كَما يُضِيفُ جَمِيعَ الطّاعاتِ إلَيْهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ فَقالُوا: أمّا الَّذِي ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فالأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا لا نَقُولُهُ بِاللِّسانِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ إنّا لا نَقُولُ: يا خالِقَ الأبْوالِ والعَذِراتِ، ويا مُكَوِّنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ، فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ الزِّنا واللِّواطَ وسائِرَ القَبائِحِ إنَّما حَصَلَتْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا مُسَهِّلَ الزِّنا واللِّواطِ، ويا دافِعَ المَوانِعِ عَنْها، فَكَذا هُنا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ إذَنِ الأقْدارُ …

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ سَبْعَةَ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ إقْدامَهم عَلى القِتالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعادَ الأمْرَ بِالقِتالِ، وذَكَرَ في ذَلِكَ القِتالِ خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ، كُلُّ واحِدٍ مِنها يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ ؟

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ عَذابًا وهو حَقٌّ فَإنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرِينَ فَإنْ شاءَ عَجَّلَهُ في الدُّنْيا، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ تارَةً، والأسْرُ أُخْرى، واغْتِنامُ الأمْوالِ ثالِثًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرْناهُ.

فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ ؟ .

قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ عَذابُ القَتْلِ والحَرْبِ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ قَدْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، وإنْ كانَ في حَقِّهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، أمّا عَذابُ القَتْلِ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَبْقى مَقْصُورًا عَلى المُذْنِبِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ والأسْرُ، وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ والأسْرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ عَلى أيْدِي العِبادِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ فَقالَ: لَوْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكُفّارَ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُعَذِّبُ المُؤْمِنِينَ بِأيْدِي الكافِرِينَ، ولَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُكَذِّبُ أنْبِياءَهُ عَلى ألْسِنَةِ الكُفّارِ، ويَلْعَنُ المُؤْمِنِينَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ

صفحة ٤

ذَلِكَ عِنْدَ المُجْبِرَةِ، عُلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ، وإنَّما نَسَبَ ما ذَكَرْناهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ وألْطافِهِ، كَما يُضِيفُ جَمِيعَ الطّاعاتِ إلَيْهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ فَقالُوا: أمّا الَّذِي ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فالأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا لا نَقُولُهُ بِاللِّسانِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ إنّا لا نَقُولُ: يا خالِقَ الأبْوالِ والعَذِراتِ، ويا مُكَوِّنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ، فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ الزِّنا واللِّواطَ وسائِرَ القَبائِحِ إنَّما حَصَلَتْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا مُسَهِّلَ الزِّنا واللِّواطِ، ويا دافِعَ المَوانِعِ عَنْها، فَكَذا هُنا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ إذَنِ الأقْدارُ …

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

صفحة ٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ كانَتْ مُرَغِّبَةً في الجِهادِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدُ بَيانٍ في التَّرْغِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿أمْ﴾ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ الكَلامَ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِداءُ لَكانَ بِالألِفِ أوْ بِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ الوُلُوجِ، فالدّاخِلُ الَّذِي يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، فالوَلِيجَةُ فَعِيلَةٌ مِن ”ولَجَ“ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: هو ولِيجَتِي وهم ولِيجَتِي لِلْواحِدِ والجَمْعِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ المُكَلَّفَ في هَذِهِ الواقِعَةِ لا يَتَخَلَّصُ عَنِ العِقابِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم، وذُكِرَ العِلْمُ، والمُرادُ مِنهُ المَعْلُومُ، والمُرادُ أنْ يَصْدُرَ الجِهادُ عَنْهم، إلّا أنَّهُ إنَّما كانَ وُجُودُ الشَّيْءِ يَلْزَمُهُ مَعْلُومُ الوُجُودِ عِنْدَ اللَّهِ، لا جَرَمَ جَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ بِوُجُودِهِ كِنايَةً عَنْ وُجُودِهِ، واحْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا حالَ وُجُودِهِ.

واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وإنْ كانَ يُوهِمُ ما ذَكَرَهُ إلّا أنَّ المَقْصُودَ ما بَيَّنّاهُ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ أنَّ المُجاهِدَ قَدْ يُجاهِدُ، ولا يَكُونُ مُخْلِصًا بَلْ يَكُونُ مُنافِقًا، باطِنُهُ خِلافُ ظاهِرِهِ، وهو الَّذِي يَتَّخِذُ الوَلِيجَةَ مِن دُونِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَتْرُكُهم إلّا إذا أتَوْا بِالجِهادِ مَعَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ، والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ، وإبْطالِ ما يُخالِفُ طَرِيقَةَ الدِّينِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِن إيجابِ القِتالِ نَفْسَ القِتالِ فَقَطْ، بَلِ الغَرَضُ أنْ يُؤْتى بِهِ انْقِيادًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِحُكْمِهِ وتَكْلِيفِهِ، لِيَظْهَرَ بِهِ بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفاعُ، وأمّا الإقْدامُ عَلى القِتالِ لِسائِرِ الأغْراضِ فَذاكَ مِمّا لا يُفِيدُ أصْلًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عالِمٌ بِنِيّاتِهِمْ وأغْراضِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، فَيَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يُبالِغَ في أمْرِ النِّيَّةِ ورِعايَةِ القَلْبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ الباطِنُ خِلافَ الظّاهِرِ، وإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ الِاسْتِقامَةَ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] قالَ: ولَمّا فُرِضَ القِتالُ تَبَيَّنَ المُنافِقُ مِن غَيْرِهِ، وتَمَيَّزَ مَن يُوالِي المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ.

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

صفحة ٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ السُّورَةَ بِذِكْرِ البَراءَةِ عَنِ الكُفّارِ، وبالَغَ في إيجابِ ذَلِكَ، وذَكَرَ مِن أنْواعِ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ ما يُوجِبُ تِلْكَ البَراءَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم شُبَهًا احْتَجُّوا بِها في أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ المُخالَطَةُ والمُناصَرَةُ حاصِلَةً، فَأوَّلُها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ وخِصالٍ مَرْضِيَةٍ، وهي تُوجِبُ مُخالَطَتَهم ومُعاوَنَتَهم ومُناصَرَتَهم، ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ كَوْنُهم عامِرِينَ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ، أقْبَلَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَعَيَّرُوهُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ، وقالَ: ألَكم مَحاسِنُ ؟ فَقالَ: نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسَقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلى العَبّاسِ ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عِمارَةُ المَساجِدِ قِسْمانِ: إمّا بِلُزُومِها وكَثْرَةِ إتْيانِها يُقالُ: فُلانٌ يَعْمُرُ مَجْلِسَ فُلانٍ إذا كَثُرَ غِشْيانُهُ إيّاهُ، وإمّا بِالعِمارَةِ المَعْرُوفَةِ في البِناءِ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لِلْكافِرِ أنْ يُقْدِمَ عَلى حُرْمَةِ المَساجِدِ، وإنَّما لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ مَوْضِعُ العِبادَةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَظَّمًا، والكافِرُ يُهِينُهُ ولا يُعَظِّمُهُ، وأيْضًا الكافِرُ نَجِسٌ في الحُكْمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وتَطْهِيرُ المَساجِدِ واجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] وأيْضًا الكافِرُ لا يَحْتَرِزُ مِنَ النَّجاساتِ، فَدُخُولُهُ في المَسْجِدِ تَلْوِيثٌ لِلْمَسْجِدِ، وذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إلى فَسادِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا إقْدامُهُ عَلى مَرَمَّةِ المَسْجِدِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ الكافِرُ صاحِبَ المِنَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ) عَلى الواحِدِ، والباقُونَ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ عَلى الجَمْعِ، حُجَّةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو قَوْلُهُ: عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ، وإنَّما قِيلَ: مَساجِدَ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ.

والثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِن مَساجِدِ اللَّهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَأوْلى أنْ لا يُمَكَّنُوا مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو أشْرَفُ المَساجِدِ وأعْظَمُها.

الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ يَضَعُونَ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ، والجَمْعَ مَكانَ …

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ، بَيَّنَ أنَّ المُشْتَغِلَ بِهَذا العَمَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ عِبارَةٌ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، فَما لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، امْتَنَعَ أنْ يَبْنِيَ مَوْضِعًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما تُفِيدُ في القِيامَةِ، فَمَن أنْكَرَ القِيامَةَ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ، ومَن لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ لَمْ يَبْنِ بِناءً لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِرَسُولِ اللَّهِ ؟

صفحة ٩

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما ادَّعى رِسالَةَ اللَّهِ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ والمُلْكِ، فَهَهُنا ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَرَكَ النُّبُوَّةَ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَطْلُوبِي مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ لَيْسَ إلّا الإيمانَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فَذَكَرَ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ، وحَذَفَ ذِكْرَ النُّبُوَّةِ تَنْبِيهًا لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا مَطْلُوبَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلّا هَذا القَدْرَ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الصَّلاةَ، والصَّلاةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالأذانِ والإقامَةِ والتَّشَهُّدِ، وهَذِهِ الأشْياءُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ النُّبُوَّةِ كانَ ذَلِكَ كافِيًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ، والمُفْرَدُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، ثُمَّ المَعْهُودُ السّابِقُ مِنَ الصَّلاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ إلّا الأعْمالَ الَّتِي كانَ أتى بِها مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكانَ ذِكْرُ الصَّلاةِ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ مِن هَذا الوَجْهِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن بِناءِ المَساجِدِ إقامَةُ الصَّلَواتِ، فالإنْسانُ ما لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الصَّلَواتِ امْتَنَعَ أنْ يُقْدِمَ عَلى بِناءِ المَساجِدِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتى المالَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اعْتِبارَ إقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ في عِمارَةِ المَسْجِدِ كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحُضُورُ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ فَإنَّهُ يَحْضُرُ في المَسْجِدِ، فَتَحْصُلُ عِمارَةُ المَسْجِدِ بِهِ، وإذا كانَ مُؤْتِيًا لِلزَّكاةِ فَإنَّهُ يَحْضُرُ في المَسْجِدِ طَوائِفُ الفُقَراءِ والمَساكِينِ لِطَلَبِ أخْذِ الزَّكاةِ، فَتَحْصُلُ عِمارَةُ المَسْجِدِ بِهِ، وأمّا إذا حَمَلْنا العِمارَةَ عَلى مَصالِحِ البِناءِ فَإيتاءُ الزَّكاةِ مُعْتَبَرٌ في هَذا البابِ أيْضًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الزَّكاةِ واجِبٌ، وبِناءَ المَسْجِدِ نافِلَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَفْرَغْ عَنِ الواجِبِ لا يَشْتَغِلُ بِالنّافِلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِلزَّكاةِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِبِناءِ المَساجِدِ.

والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَنى في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى بابِ دارِهِ مَسْجِدًا، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ، والكَفّارُ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ …

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أقْوالًا في نُزُولِ الآيَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: إنَّ عَلِيًّا لَمّا أغْلَظَ الكَلامَ لِلْعَبّاسِ، قالَ العَبّاسُ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ، والهِجْرَةِ، والجِهادِ، فَلَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْيَهُودِ: نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ وعُمّارُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ ؟ فَقالَتِ اليَهُودُ لَهم: أنْتُمْ أفْضَلُ، وقِيلَ: «إنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ إسْلامِهِ: يا عَمِّي ألا تُهاجِرُونَ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلِ مِنَ الهِجْرَةِ ؟ أسْقِي حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ، وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما أرانِي إلّا تارِكَ سِقايَتِنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أقِيمُوا عَلى سِقَياتِكم، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا“» وقِيلَ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ والعَبّاسُ وعَلِيٌّ، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أرَدْتُ بِتُّ فِيهِ، وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ والقائِمُ عَلَيْها، قالَ عَلِيٌّ: أنا صاحِبُ الجِهادِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُفاضَلَةٌ جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أُولَئِكَ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٠] وهَذا يَقْتَضِي أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْمَرْجُوحِ أيْضًا دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِ وسَنُجِيبُ عَنْ هَذا الكَلامِ إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا:

صفحة ١١

إنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وبَيَّنَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ عِنْدِي.

وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ نَقَلْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أنَّ العَبّاسَ احْتَجَّ عَلى فَضائِلِ نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَمَّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وسَقى الحاجَّ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: ما بُيِّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عِمارَةَ المَسْجِدِ، إنَّما تُوجِبُ الفَضِيلَةَ إذا كانَتْ صادِرَةً عَنِ المُؤْمِنِ، أمّا إذا كانَتْ صادِرَةً عَنِ الكافِرِ فَلا فائِدَةَ فِيها ألْبَتَّةَ.

والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنْ يُقالَ: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وسَقْيَ الحاجِّ يُوجِبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الفَضِيلَةِ، إلّا أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، والجِهادِ قَلِيلٌ جِدًّا، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الأعْمالِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ خَطَأً؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ الشَّرِيفِ الرَّفِيعِ …

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ١٢

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ﴾ ( هُمُ الفائِزُونَ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَرْجِيحَ الإيمانِ والجِهادِ عَلى السِّقايَةِ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذا التَّرْجِيحِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ كانَ أعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ هي هَذِهِ:

فَأوَّلُها: الإيمانُ.

وثانِيها: الهِجْرَةُ.

وثالِثُها: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ.

ورابِعُها: الجِهادُ بِالنَّفْسِ.

وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ لَهُ إلّا مَجْمُوعَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الرُّوحُ، والبَدَنُ، والمالُ، أمّا الرُّوحُ فَلَمّا زالَ عَنْهُ الكُفْرُ وحَصَلَ فِيهِ الإيمانُ، فَقَدْ وصَلَ إلى مَراتِبِ السَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِها.

وأمّا البَدَنُ والمالُ فَبِسَبَبِ الهِجْرَةِ وقَعا في النُّقْصانِ، وبِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالجِهادِ صارا مُعَرَّضَيْنِ لِلْهَلاكِ والبُطْلانِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ والمالَ مَحْبُوبُ الإنْسانِ، والإنْسانُ لا يُعْرِضُ عَنْ مَحْبُوبِهِ إلّا لِلْفَوْزِ بِمَحْبُوبٍ أكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْلا أنَّ طَلَبَ الرِّضْوانِ أتَمُّ عِنْدَهم مِنَ النَّفْسِ والمالِ، وإلّا لَما رَجَّحُوا جانِبَ الآخِرَةِ عَلى جانِبِ النَّفْسِ والمالِ، ولَما رَضُوا بِإهْدارِ النَّفْسِ والمالِ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ صارَ الإنْسانُ واصِلًا إلى آخِرِ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، وأوَّلِ مَراتِبِ دَرَجاتِ المَلائِكَةِ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وبَيْنَ الإقْدامِ عَلى السِّقايَةِ والعِمارَةِ لِمُجَرَّدِ الِاقْتِداءِ بِالآباءِ والأسْلافِ، ولِطَلَبِ الرِّياسَةِ والسُّمْعَةِ ؟ فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ اليَقِينِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ المُشْتَغِلِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَيَّنَ ذِكْرَهم لَأوْهَمَ أنَّ فَضِيلَتَهم إنَّما حَصَلَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، ولَمّا تَرَكَ ذِكْرَ المَرْجُوحِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أفْضَلُ مِن كُلِّ مَن سِواهم عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْقَلُ حُصُولُ سَعادَةٍ وفَضِيلَةٍ لِلْإنْسانِ أعْلى وأكْمَلَ مِن هَذا الصِّفاتِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ الِاسْتِغْراقُ في عُبُودِيَّتِهِ وطاعَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ العِنْدِيَّةَ بِحَسَبِ الجِهَةِ والمَكانِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ أنَّ المَلائِكَةَ كَما حَصَلَتْ لَهم مَنقَبَةُ العِنْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] فَكَذَلِكَ الأرْواحُ القُدُسِيَّةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ، أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالَةِ وتَجَلّى فِيها أضْواءُ عالَمِ الكَمالِ، …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.