Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ أهْلِ البادِيَةِ مِنهُمْ، أيْ: مِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم ﴿مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِما عُطِفَ عَلى خَبَرِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَهُ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، أيْ: تَمَهَّرُوا فِيهِ، مِن (مَرَنَ) فُلانٌ عَلى عَمَلِهِ و(مَرَدَ) عَلَيْهِ إذا (دَرِبَ) بِهِ و(ضَرِيَ) حَتّى لانَ عَلَيْهِ و(مَهَرَ) فِيهِ، غَيْرَ أنَّ (مَرَدَ) لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، فالتَّمَرُّدُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ شُمُولِ النِّفاقِ، وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ خاصٌّ بِمُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ وهو الأظْهَرُ والأنْسَبُ بِذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِ البادِيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي الأعْرابِ المُجاوِرِينَ لِلْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَمَرُّدِهِمْ، أيْ: لا تَعْرِفُهم أنْتَ لَكِنْ لا بِأعْيانِهِمْ وأسْمائِهِمْ وأنْسابِهِمْ، بَلْ بِعُنْوانِ نِفاقِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَهارَةِ في النِّفاقِ والتَّنَوُّقِ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ إلى مَبْلَغٍ يَخْفى عَلَيْكَ حالُهم - مَعَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عُلُوِّ الكَعْبِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في كَمالِ الفِطْنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ، وفي تَعْلِيقِ نَفْيِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحالِهِمْ - مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ، وإيماءٌ إلى أنَّ ما هم فِيهِ مِن صِفَةِ النِّفاقِ لِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيها صارَتْ بِمَنزِلَةِ ذاتِيّاتِهِمْ أوْ مُشَخَّصاتِهِمْ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ مَن لا يَعْرِفُهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ عالِمًا بِهِمْ، وحَمْلُ عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بِأعْيانِهِمْ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بَعْدَ مَجِيءِ هَذا البَيانِ - عَلى أنَّهُ، ﷺ يَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مُنافِقِينَ، لَكِنْ لا يَعْلَمُهم بِأعْيانِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ - عارٍ عَمّا ذُكِرَ مِنَ المُبالَغَةِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في فَنِّ النِّفاقِ، أيْ: لا يَقِفُ عَلى سَرائِرِهِمُ المَرْكُوزَةِ في ضَمائِرِهِمْ إلّا مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطانِ الكُفْرِ وإظْهارِ الإخْلاصِ، وفي تَعْلِيقِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَعَلُّقِهِ بِحالِهِمْ - ما مَرَّ في تَعْلِيقِ نَفْيِهِ بِهِمْ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، وتَحْقِيقٌ لِعَذابِهِمْ حَسْبَما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ مِن مُوجِباتِهِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ خَطِيبًا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وَآخَرُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعِيفَةِ الهِمَمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى مُنافِقُونَ، أيْ: ومِنهم يَعْنِي: ومِمَّنْ حَوْلَكم ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الَّتِي هي تَخَلُّفُهم عَنِ الغَزْوِ وإيثارُ الدَّعَةِ عَلَيْهِ والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ، ونَدِمُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، ولَمْ يُخْفُوا ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، كَما فَعَلَهُ مَنِ اعْتادَ إخْفاءَ ما فِيهِ وإبْرازَ ما يُنافِيهِ مِنَ المُنافِقِينَ، الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ المَعاذِيرِ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ حَسَبَ دَيْدَنِهِمُ المَأْلُوفِ.

وَهم رَهْطٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ أوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ عِنْدَما بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ حَسَبَ عادَتِهِ الكَرِيمَةِ ورَآهم كَذَلِكَ، فَسَألَ عَنْ شَأْنِهِمْ فَقِيلَ: إنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى تَحُلَّهُمْ، فَقالَ ﷺ: ««وَأنا أُقْسِمُ أنْ لا أحُلَّهم حَتّى أُومِرَ فِيهِمْ»» فَنَزَلَتْ.

﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ هو ما سَبَقَ مِنهم مَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والخُرُوجِ إلى المَغازِي السّابِقَةِ وغَيْرِها، وما لَحِقَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِذُنُوبِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنْ هَذِهِ المَرَّةِ، وتَذَمُّمُهم ونَدامَتُهم عَلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُهُ بِالِاعْتِرافِ لا يُناسِبُ الخَلْطَ، لا سِيَّما عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِتَوارُدِ المُخْتَلِطَيْنِ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَخْلُوطًا ومَخْلُوطًا بِهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَبْدِيلُ الواوِ بِالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ فَإنَّ قَوْلَكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ يَقْتَضِي إيرادَ الماءِ عَلى اللَّبَنِ دُونَ العَكْسِ، وقَوْلَكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ مَعْناهُ: إيقاعُ الخَلْطِ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى اخْتِصاصِ أحَدِهِما بِكَوْنِهِ مَخْلُوطًا بِهِ، وتَرْكُ تِلْكَ الدَّلالَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ كُلٍّ مِنهُما مُتَّصِفًا بِالوَصْفَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِوُرُودِ كُلٍّ مِنَ العَمَلَيْنِ عَلى الآخَرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمُرادُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ أوَّلًا وآخِرًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ التَّوْبَةُ والإثْمُ، وقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِمْ بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا، بِمَعْنى: شاةً بِدِرْهَمٍ.

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمُ المَفْهُومَةَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ (عَسى) مِن وُجُوبِ القَبُولِ، فَإنَّها لِلْإطْماعِ الَّذِي هو مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ إيجابٌ وأيُّ إيجابٍ.

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ رُوِيَ «أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ ﷺ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا»» فَنَزَلَتْ.

فَلَيْسَتْ هي الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ لِكَوْنِها مَأْمُورًا بِها، ولِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أخَذَ مِنهُمُ الثُّلُثَ وتَرَكَ لَهُمُ الثُّلْثَيْنِ فَوَقَعَ ذَلِكَ بَيانًا لِما في (صَدَقَةً) مِنَ الإجْمالِ، وإنَّما هي كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا تَلَطَّخُوا بِهِ مِن أوْضارِ التَّخَلُّفِ، والتّاءُ لِلْخِطابِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في (خُذْ) أوْ صِفَةٌ لِـ(صَدَقَةً) والتّاءُ لِلْخِطابِ، أوْ لِلصَّدَقَةِ، والعائِدُ عَلى الأوَّلِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ (تُطْهِرُهُمْ) مِن أطْهَرِهِ بِمَعْنى طَهَّرَهُ.

﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ بِإثْباتِ الياءِ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ، أوْ في جَوابِهِ أيْ: وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها، أيْ: تُنْمِي بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ حَسَناتِهِمْ إلى مَراتِبِ المُخْلِصِينَ، أوْ أمْوالَهُمْ، أوْ تُبالِغُ في تَطْهِيرِهِمْ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ في (تُطَهِّرْهُمْ) وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَسَواءٌ جُعِلَتِ التّاءُ لِلْخِطابِ أوْ لِلصَّدَقَةِ، وكَذا إذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ الأُولى حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أوْ صِفَةً لِلصَّدَقَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، فالثّانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى حالًا وصْفَةً مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لِتَوْجِيهِ دُخُولِ الواوِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ وقُرِئَ (صَلَواتِكَ) مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْها، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِها، ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانُهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ والدُّعاءِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ لِما فَرَطَ مِنهُمْ، ومِنَ الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والدُّعاءِ، أوْ سَمِيعٌ يُجِيبُ دُعاءَكَ لَهُمْ، عَلِيمٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيلِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ، وعَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الآيَتَيْنِ مُحَقِّقٌ لِما فِيهِما.

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ، والضَّمِيرُ إمّا لِلتّائِبِينَ فَهو تَحْقِيقٌ لِما سَبَقَ مِن قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وتَطْهِيرِ الصَّدَقَةِ، وتَزْكِيَتِها لَهُمْ، وتَقْرِيرٌ لِذَلِكَ، وتَوْطِينٌ لِقُلُوبِهِمْ بِبَيانِ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وأخْذِ صَدَقاتِهِمْ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْ أُسْنِدَ الأخْذُ والتَّطْهِيرُ والتَّزْكِيَةُ إلَيْهِ ﷺ أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ أُولَئِكَ التّائِبُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الصَّحِيحَةَ الخالِصَةَ ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ المُخْلِصِينَ فِيها، ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ "عَنْ"، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا أُولَئِكَ التّائِبُونَ، ووَضْعُ المُظْهَرِ في مَوْضِعِ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ العِبادَةِ لِقَبُولِها، وإمّا كافَّةُ العِبادِ، وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًا.

﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: يَقْبَلُ صَدَقاتِهِمْ عَلى أنَّ اللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ جِنْسَ الصَّدَقاتِ المُنْدَرِجَ تَحْتَهُ صَدَقاتُهُمُ انْدِراجًا أوَّلِيًا، أيْ: هو الَّذِي يَتَوَلّى قَبُولَ التَّوْبَةِ وأخْذَ الصَّدَقاتِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ التَّطْهِيرِ والتَّزْكِيَةِ، وإنْ كُنْتَ أنْتَ المُباشِرَ لَها ظاهِرًا، وفِيهِ مِن تَقْرِيرِ ما ذُكِرَ ورَفْعِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ ما لا يَخْفى.

﴿وَأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما يُقَرِّرُهُ مَعَ زِيادَةِ مَعْنى لَيْسَ فِيهِ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ المُخْتَصُّ المُسْتَأْثِرُ بِبُلُوغِ الغايَةِ القُصْوى مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهُ وشَأْنٌ دائِمٌ، والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِـ"يَعْلَمُوا" بِسَدِّ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ، وإمّا لِغَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَمّا تِيبَ عَلى الأوَّلِينَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ فَما لَهُمْ؟! فَنَزَلَتْ.

أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا ما لِلتّائِبِينَ مِنَ الخِصالِ الدّاعِيَةِ إلى التَّكْرِمَةِ، والتَّقْرِيبِ، والِانْتِظامِ في سِلْكِ المُؤْمِنِينَ، والتَّلَقِّي بِحُسْنِ القَبُولِ والمُجالَسَةِ، فَهو تَرْغِيبٌ لَهم في التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ زِيادَةُ تَرْغِيبٍ لَهم في العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ التَّوْبَةُ، ولِلْأوَّلِينَ في الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ لَهم - بَعْدَما بانَ لَهم شَأْنُ التَّوْبَةِ -: اعْمَلُوا ما تَشاءُونَ مِنَ الأعْمالِ، فَظاهِرُهُ تَرْخِيصٌ وتَخْيِيرٌ، وباطِنُهُ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وَرَسُولُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ في الخَبَرِ: ««لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ»» والمَعْنى: أنَّ أعْمالَكم غَيْرُ خافِيَةٍ عَلَيْهِمْ كَما رَأيْتُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالرُّؤْيَةِ مَعْناها الحَقِيقِيَّ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها مَآلُها مِنَ الجَزاءِ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَهو خاصٌّ بِالدُّنْيَوِيِّ مِن إظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ والإعْزازِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأجْزِيَةِ وأضْدادِها.

﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الغَيْبِ في الذِّكْرِ لِسَعَةِ عالَمِهِ وزِيادَةِ خَطَرِهِ عَلى الشَّهادَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ، أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوسَةِ، والعِلْمُ بِالعِلَلِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولاتِ، فَوَجَبَ سَبْقُ العِلْمِ بِالغَيْبِ عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ الأعْمالِ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ فالتَّقْدِيمُ حِينَئِذٍ لِتَحْقِيقِ أنَّ نِسْبَةَ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالسِّرِّ والعَلَنِ واحِدَةٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لا لِإيهامِ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ، كَيْفَ لا وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِمَعْلُوماتِهِ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وتَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأُمُورِ البارِزَةِ والكامِنَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ رُتْبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى رُتْبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو - أوْ مَبادِؤُهُ القَرِيبَةُ أوِ البَعِيدَةُ - مُضْمَرٌ قَبْلَ ذَلِكَ في القَلْبِ، فَتَعَلُّقُ علمه تعالى بِهِ في حالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِ في حالَتِهِ الثّانِيَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ عَقِيبَ الرَّدِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ المُمْتَدِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ بِذَلِكَ الجَزاءُ بِحَسَبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ.

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

﴿وَآخَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى آخَرُونَ قَبْلَهُ، أيْ: ومِنَ المُتَخَلِّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ المَذْكُورِينَ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ وقُرِئَ (مُرْجَئُونَ) مِن أرْجَيْتُهُ وأرْجَأْتُهُ، أيْ: أخَّرْتُهُ ومِنهُ المُرْجِئَةُ الَّذِينَ لا يَقْطَعُونَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿لأمْرِ اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، لَمْ يُسارِعُوا إلى التَّوْبَةِ والِاعْتِذارِ كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ مِن شَدِّ أنْفُسِهِمْ عَلى السَّوارِي، وإظْهارِ الغَمِّ والجَزَعِ والنَّدَمِ عَلى ما فَعَلُوا، فَوَقَفَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَهى أصْحابَهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ويُكَلِّمُوهُمْ، وكانُوا مِن أصْحابِ بَدْرٍ فَهَجَرُوهُمْ، والنّاسُ في شَأْنِهِمْ عَلى اخْتِلافٍ فَمِن قائِلٍ: هَلَكُوا، وقائِلٍ: عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهم فَصارُوا عِنْدَهم مُرْجَئِينَ لِأمْرِهِ تَعالى ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إنْ بَقُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وقِيلَ: إنْ أصَرُّوا عَلى النِّفاقِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَيْسُوا مِنَ المُنافِقِينَ ﴿وَإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهم وصَحَّتْ تَوْبَتُهُمْ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: مِنهم هَؤُلاءِ إمّا مُعَذَّبِينَ وإمّا مَتُوبًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آخَرُونَ مُبْتَدَأٌ ومُرْجَوْنَ صِفَتُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الإرْجاءِ وما بَعْدَهُ، وقُرِئَ (واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ، أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ؛ لِأنَّها قِصَّةٌ عَلى حِيالِها.

﴿ضِرارًا﴾ أيْ: مُضارَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"اتَّخَذُوا"، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: يُضارُّونَ بِذَلِكَ ضِرارًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذُوا"، أيْ: مُضارِّينَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

رُوِيَ أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا بَنَوْا مَسْجِدَ قُباءٍ بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُمْ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ في مَسْجِدِهِمْ فَلَمّا فَعَلَهُ ﷺ حَسَدَتْهم إخْوَتُهم بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ، ويُصَلِّي فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ أيْضًا، إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وهو الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاسِقَ، وقَدْ كانَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ يَوْمَئِذٍ ولّى هارِبًا إلى الشّامِ وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ: أنِ اسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ وآتٍ بِجُنُودٍ، ومُخْرِجٌ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَبَنَوْا مَسْجِدًا إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قُباءٍ، وقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ، فَقالَ ﷺ: ﴿إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغُلٍ، وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى صَلَّيْنا فِيهِ﴾ فَلَمّا قَفَلَ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ، فَدَعا بِمالِكِ بْنِ الدُّخْشَمِ، ومَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ، وعامِرِ بْنِ السَّكَنِ، ووَحْشِيٍّ، فَقالَ لَهُمُ: "انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ"، فَفَعَلُوا، وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانَهُ كُناسَةٌ تُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ، وهَلَكَ أبُو عامِرٍ الفاسِقُ بِالشّامِ بِقِنَّسْرِينَ ﴿وَكُفْرًا﴾ تَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الَّذِينَ كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِ قُباءٍ مُجْتَمِعِينَ فَيَغَصُّ بِهِمْ فَأرادُوا أنْ يَتَفَرَّقُوا وتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ﴿وَإرْصادًا﴾ إعْدادًا وانْتِظارًا وتَرَقُّبًا ﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهو الرّاهِبُ الفاسِقُ، أيْ: لِأجْلِهِ حَتّى يَجِيءَ فَيُصَلِّيَ فِيهِ ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"اتَّخَذُوا"، أيِ: اتَّخَذُوهُ مِن قَبْلُ أنْ يُنافِقُوا بِالتَّخَلُّفِ، حَيْثُ كانُوا بَنَوْهُ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوْ بِـ(حارَبَ) أيْ: حارَبَهُما قَبْلَ اتِّخاذِ هَذا المَسْجِدِ.

﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ ﴿إلا الحُسْنى﴾ إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، وهي الصَّلاةُ وذِكْرُ اللَّهِ والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ، أوْ إلّا الإرادَةَ الحُسْنى ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في حَلِفِهِمْ ذَلِكَ.

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

﴿لا تَقُمْ﴾ لِلصَّلاةِ ﴿فِيهِ﴾ في ذَلِكَ المَسْجِدِ حَسْبَما دَعَوْكَ إلَيْهِ ﴿أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ﴾ أيْ: بُنِيَ أصْلُهُ ﴿عَلى التَّقْوى﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ أسَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى فِيهِ أيّامَ مُقامِهِ بِقُباءٍ وهي يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، والثُّلاثاءِ، والأرْبِعاءِ، والخَمِيسِ، وخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ – بِالمَدِينَةِ.

وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أسَّسَهُ عَلى التَّقْوى فَأخَذَ حَصْباءَ فَضَرَبَ بِها الأرْضَ، وقالَ: "مَسْجِدُكم هَذا مَسْجِدُ المَدِينَةِ " واللّامُ إمّا لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، أيْ: واللَّهِ لَمَسْجِدٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَمَسْجِدٌ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ أيْ: مِن أيّامِ تَأْسِيسِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أُسِّسَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أيْ: لِلصَّلاةِ وذِكْرِ اللَّهِ تَعالى خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأحَقِّيَّتِهِ لِقِيامِهِ ﷺ فِيهِ مِن جِهَةِ الحالِ بَعْدَ بَيانِ أحَقِّيَّتِهِ لَهُ مِن حَيْثُ المَحَلُّ، أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فِيهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفِيهِ تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِاسْتِحْقاقِهِ القِيامَ فِيهِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ أحَقَّ نَفْسٍ كَوْنُهُ حَقِيقًا بِهِ إذْ لا اسْتِحْقاقَ في مَسْجِدِ الضِّرارِ رَأْسًا، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِفَضْلِهِ وكَمالِهِ في نَفْسِهِ، أوِ الأفْضَلِيَّةُ في الِاسْتِحْقاقِ المُتَناوِلِ لِما يَكُونُ بِاعْتِبارِ زَعْمِ البانِي ومَن يُشايِعُهُ في الِاعْتِقادِ، وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي.

﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِنَ المَعاصِي والخِصالِ الذَّمِيمَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِنَ الجَنابَةِ فَلا يَنامُونَ عَلَيْها ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ أيْ: يَرْضى عَنْهم ويُدْنِيهِمْ مِن جَنابِهِ إدْناءَ المُحِبِّ حَبِيبَهُ.

قِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ «مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءٍ فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: "أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ؟" فَسَكَتَ القَوْمُ، ثُمَّ أعادَها فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهُمْ، فَقالَ ﷺ: "أتَرْضَوْنَ بِالقَضاءِ؟" قالُوا: نَعَمْ، قالَ ﷺ: "أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؟" قالُوا: نَعَمْ، قالَ: "أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ؟" قالُوا: نَعَمْ، قالَ ﷺ: "مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ" فَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ:"يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ عِنْدَ الوُضُوءِ وعِنْدَ الغائِطِ؟" فَقالُوا: نُتْبِعُ الغائِطَ الأحْجارَ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ نُتْبِعُ الأحْجارَ الماءَ، فَتَلا النَّبِيُّ ﷺ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾» وقُرِئَ (أنْ يَطَّهَّرُوا) بِالإدْغامِ، وقِيلَ: هو عامٌّ في التَّطَهُّرِ عَنِ النَّجاساتِ كُلِّها، وكانُوا يُتْبِعُونَ الماءَ أثَرَ البَوْلِ.

وَعَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -هُوَ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ، وقِيلَ: يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِالحُمّى المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ فَحُمُّوا عَنْ آخِرِهِمْ.

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ والنَّصْبِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والرَّفْعِ، وقُرِئَ (أُسُسُ بُنْيانِهِ) عَلى الإضافَةِ جَمْعَ أساسٍ، وأساسٌ بِالفَتْحِ والكَسْرِ جَمْعُ أُسٍّ، وقُرِئَ (أساسُ بُنْيانِهِ) جَمْعَ أُسٍّ أيْضًا، و(أُسُّ بُنْيانِهِ) وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِخَيْرِيَّةِ الرِّجالِ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أبَعْدَ ما عَلِمَ حالَهم مَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ﴾ أيْ: عَلى قاعِدَةٍ مُحْكَمَةٍ هي التَّقْوى مِنَ اللَّهِ وابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ بِالطّاعَةِ، والمُرادُ بِالتَّقْوى: دَرَجَتُها الثّانِيَةُ الَّتِي هي التَّوَقِّي عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، وقُرِئَ (تَقْوًى) بِالتَّنْوِينِ عَلى أنَّ الألِفَ لِلْإلْحاقِ دُونَ التَّأْنِيثِ ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ تَرْكُ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ البُنْيانَيْنِ ذاتًا مَعَ اخْتِلافِهِما وصْفًا وإضافَةً ﴿عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ الشَّفا الحَرْفُ والشَّفِيرُ، والجُرُفُ ما جَرَفَهُ السَّيْلُ، أيِ: اسْتَأْصَلَهُ واحْتَفَرَ ما تَحْتَهُ فَبَقِيَ واهِيًا يُرِيدُ الِانْهِدامَ، والهارُ الهائِرُ المُتَصَدِّعُ المُشْرِفُ إلى السُّقُوطِ مِن هارَ يَهُورُ ويَهارُ، أوْ هارَ يَهِيرُ قُدِّمَتْ لامُهُ عَلى عَيْنِهِ فَصارَ كَغازٍ ورامٍ، وقِيلَ: حُذِفَتْ عَيْنُهُ اعْتِباطًا، أيْ: بِغَيْرِ مُوجِبٍ فَجَرى وجُوهُ الإعْرابِ عَلى لامِهِ.

﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ مُثِّلَ ما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِمْ في البُطْلانِ وسُرْعَةِ الِانْطِماسِ بِما ذُكِرَ، ثُمَّ رُشِّحَ بِانْهِيارِهِ في النّارِ ووُضِعَ بِمُقابَلَةِ الرِّضْوانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْسِيسَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَحْفَظُهُ مِنَ النّارِ ويُوصِلُهُ إلى الرِّضْوانِ ومُقْتَضَياتِهِ الَّتِي أدْناها الجَنَّةُ، وتَأْسِيسَ هَذا عَلى ما هو بِصَدَدِ الوُقُوعِ في النّارِ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ مَصِيرُهم إلَيْها لا مَحالَةَ، وقُرِئَ (جُرْفٍ) بِسُكُونِ الرّاءِ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ أوِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، أيْ: لا يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ نَجاتُهم وصَلاحُهم إرْشادًا مُوجِبًا لَهُ لا مَحالَةَ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى ما يُرْشِدُهم إلَيْهِ إنِ اسْتَرْشَدُوا بِهِ فَهو مُتَحَقِّقٌ بِلا اشْتِباهٍ.

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ البُنْيانُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ ووَصْفُهُ بِالمَوْصُولِ "الَّذِي" صِلَتُهُ فِعْلُهُ لِلْإيذانِ بِكَيْفِيَّةِ بِنائِهِمْ لَهُ، وتَأْسِيسِهِ عَلى أوْهَنِ قاعِدَةٍ، وأوْهى أساسٍ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: لا يَزالُ مَسْجِدُهم ذَلِكَ مَبْنِيًّا ومَهْدُومًا.

﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: سَبَبَ رِيبَةٍ وشَكٍّ في الدِّينِ كَأنَّهُ نَفْسُ الرِّيبَةِ، أمّا حالَ بُنْيانِهِ فَظاهِرٌ - لِما أنَّ اعْتِزالَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعَهم في مَجْمَعٍ عَلى حِيالِهِ يُظْهِرُونَ فِيهِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن آثارِ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ويُدَبِّرُونَ فِيهِ أُمُورَهُمْ، ويَتَشاوَرُونَ في ذَلِكَ، ويُلْقِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ ما سَمِعُوا مِن أسْرارِ المُؤْمِنِينَ مِمّا يَزِيدُهم رِيبَةً وشَكًّا في الدِّينِ - وأمّا حالَ هَدْمِهِ فَلِما أنَّهُ رَسَخَ بِهِ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وتَضاعَفَتْ آثارُهُ وأحْكامُهُ، أوْ سَبَّبَ رِيبَةً في أمْرِهِمْ حَيْثُ ضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ، وهي اعْتِقادُهم بِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أظْهَرُوا مِن أمْرِهِمْ بَعْدَ البِناءِ أكْثَرَ مِمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وقْتَ اخْتِلاطِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وساءَتْ ظُنُونُهم بِأنْفُسِهِمْ، فَلَمّا هُدِمَ بُنْيانُهم تَضاعَفَ ذَلِكَ الضَّعْفُ وتَقَوّى، وصارُوا مُرْتابِينَ في أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ يَتْرُكُهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، أوْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِ أمْوالِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَعْنى (رِيبَةً) حَسْرَةً ونَدامَةً، وقالَ السُّدِّيُّ، وحَبِيبٌ، والمُبَرِّدُ: لا يَزالُ هَدْمُ بُنْيانِهِمْ حَزازَةً وغَيْظًا في قُلُوبِهِمْ.

﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ﴾ مِنَ التَّفَعُّلِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، أيْ: إلّا أنْ تَتَقَطَّعَ ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ قِطَعًا وتَتَفَرَّقَ أجْزاءً بِحَيْثُ لا يَبْقى لَها قابِلِيَّةُ إدْراكٍ، وإضْمارُ قِطَعًا - وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ، أوْ أعَمِّ الأحْوالِ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ - أيْ: لا يَزالُ بُنْيانُهم رِيبَةً في كُلِّ الأوْقاتِ، أوْ كُلِّ الأحْوالِ إلّا وقْتَ تَقَطُّعِ قُلُوبِهِمْ، أوْ حالَ تَقَطُّعِ قُلُوبِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَسْلُونَ عَنْها، وأمّا ما دامَتْ سالِمَةً فالرِّيبَةُ باقِيَةٌ فِيها، فَهو تَصْوِيرٌ لِامْتِناعِ زَوالِ الرِّيبَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ تَقَطُّعِها عِنْدَ قَتْلِهِمْ، أوْ في القُبُورِ، أوْ في النّارِ، وقُرِئَ (تُقَطَّعُ) عَلى بِناءِ المَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ، وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنهُ عَلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ أيْ: إلّا أنْ تُقَطِّعَ أنْتَ قُلُوبَهم بِالقَتْلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ مِنَ الثُّلاثِيِّ مُذَكَّرًا ومُؤَنَّثًا، وقُرِئَ (إلى أنْ تُقَطِّعَ قُلُوبَهُمْ) و(إلى أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) عَلى الخِطابِ، وقُرِئَ (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ مَجْهُولًا إلى قُلُوبِهِمْ، (وَلَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهُمْ) عَلى الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وقِيلَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها أمْرُهُ الوارِدُ في حَقِّهِمْ.

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.