Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾

كانَتِ الأعْرابُ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ قَدْ خَلَصُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ وأطاعُوهُ وهم جُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، ولِحْيانُ، وعُصَيَّةُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ في هَؤُلاءِ مُنافِقِينَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكُلِّ مَن يُظْهِرُ لَهُ المَوَدَّةَ.

وكانَتِ المَدِينَةُ قَدْ خَلَصَ أهْلُها لِلنَّبِيءِ ﷺ وأطاعُوهُ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ فِيهِمْ بَقِيَّةً مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لِأنَّهُ تَأصَّلَ فِيهِمْ مِن وقْتِ دُخُولِ الإسْلامِ بَيْنَهم.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، لا نَعْتٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ومِمَّنْ حَوْلَكم لِلتَّبْعِيضِ و(مِن) في قَوْلِهِ: (مِنَ الأعْرابِ) لِبَيانِ (مَن) المَوْصُولَةِ.

صفحة ٢٠

و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ. و(مَرَدُوا) خَبَرٌ عَنْهُ، أوْ تُجْعَلُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً مُؤْذِنَةً بِمُبَعَّضٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ جَماعَةٌ مَرَدُوا، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

ومَعْنى مَرَدَ عَلى الأمْرِ مَرِنَ عَلَيْهِ ودَرِبَ بِهِ، ومِنهُ الشَّيْطانُ المارِدُ، أيْ في الشَّيْطَنَةِ.

وأُشِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ إلى أنَّ هَذا الفَلَّ الباقِي مِنَ المُنافِقِينَ قَدْ أرادَ اللَّهُ الِاسْتِيثارَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ كَما أطْلَعَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِن قَبْلُ. وإنَّما أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِمْ عَلى الإجْمالِ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِمُ المُسْلِمُونَ، فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ: لا تَعْلَمُهُمْ

وجُمْلَةُ (نَحْنُ نَعْلَمُهم) مُسْتَأْنَفَةٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]، وإلّا فَإنَّ الحُكْمَ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِ فَلا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ في عِلْمِهِ بِهِمْ، فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِهِمْ كافٍ. وفِيهِ أيْضًا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ

وجُمْلَةُ (سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ) اسْتِينافٌ بَيانِيٌّ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: (نَحْنُ نَعْلَمُهم)، وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ أثَرِ كَوْنِ اللَّهِ - تَعالى - يُعَلِّمُهم، فَأُعْلِمَ أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم عَلى نِفاقِهِمْ ولا يُفْلِتُهم مِنهُ عَدَمُ عِلْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِمْ.

والعَذابُ المَوْصُوفُ بِمَرَّتَيْنِ عَذابٌ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾

وقَدْ تَحَيَّرَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُرادِ مِنَ المَرَّتَيْنِ، وحَمَلُوهُ كُلُّهم عَلى حَقِيقَةِ العَدَدِ، وذَكَرُوا وُجُوهًا لا يَنْشَرِحُ لَها الصَّدْرُ. والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ العَدَدَ مُسْتَعْمَلٌ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أيْ تَأمَّلْ تَأمُّلًا مُتَكَرِّرًا. ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، فاسْمُ التَّثْنِيَةِ نائِبٌ مَنابَ إعادَةِ اللَّفْظِ. والمَعْنى: سَنُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا مُتَكَرِّرًا مُضاعَفًا، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وهَذا التَّكَرُّرُ تَخْتَلِفُ أعَدادُهُ بِاخْتِلافِ …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ٢١

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ومِمَّنْ حَوْلَكم)، أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ، ومِن أهْلِ المَدِينَةِ آخَرُونَ أذْنَبُوا بِالتَّخَلُّفِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ بِالتَّقْصِيرِ. فَقَوْلُهُ: (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) إيجازٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أذْنَبُوا واعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالذُّنُوبِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ يَقْتَضِي أنَّها أعْمالٌ سَيِّئَةٌ في حالَةِ الإيمانِ، وكَذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنِ ارْتِكابِ الذُّنُوبِ بِخَلْطِ العَمَلِ الصّالِحِ بِالسَّيِّئِ.

وكانَ مِن هَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكَرْدَمٌ، وأرْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ في عَشَرَةِ نَفَرٍ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وتابُوا إلى اللَّهِ ورَبَطُوا أنْفُسَهم في سَوارِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أيّامًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

والِاعْتِرافُ: افْتِعالٌ مِن (عَرَفَ) . وهو لِلْمُبالَغَةِ في المَعْرِفَةِ، ولِذَلِكَ صارَ بِمَعْنى الإقْرارِ بِالشَّيْءِ وتَرْكِ إنْكارِهِ، فالِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبَةِ مِنهُ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِالذَّنْبِ الفائِتِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، ولا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الإقْلاعُ الَّذِي هو مِن أرْكانِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ ذَنْبٌ مَضى، ولَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ العَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ.

وخَلْطُهُمُ العَمَلَ الصّالِحَ والسَّيِّئَ هو خَلْطُهم حَسَناتِ أعْمالِهِمْ بِسَيِّئاتِ التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ وعَدَمِ الإنْفاقِ عَلى الجَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ جاءَ ذِكْرُ الشَّيْئَيْنِ المُخْتَلِطَيْنِ بِالعَطْفِ بِالواوِ عَلى اعْتِبارِ اسْتِوائِهِما في وُقُوعِ فِعْلِ الخَلْطِ عَلَيْهِما. ويُقالُ: خَلَطَ كَذا بِكَذا عَلى اعْتِبارِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ المُخْتَلِطَيْنِ مُتَلابِسَيْنِ بِالخَلْطِ، والتَّرْكِيبانِ مُتَساوِيانِ في المَعْنى، ولَكِنَّ العَطْفَ بِالواوِ أوْضَحُ وأحْسَنُ فَهو أفْصَحُ.

صفحة ٢٢

و(عَسى): فِعْلُ رَجاءٍ. وهي مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ فَهي كِنايَةٌ عَنْ وُقُوعِ المَرْجُوِّ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّ ذِكْرَ فِعْلِ الرَّجاءِ يَسْتَتْبِعُ مَعْنى اخْتِيارِ المُتَكَلِّمِ في وُقُوعِ الشَّيْءِ وعَدَمِ وُقُوعِهِ.

ومَعْنى ﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ.

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا كانَ مِن شَرْطِ التَّوْبَةِ تَدارُكَ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا فاتَ وكانَ التَّخَلُّفُ عَنِ الغَزْوِ مُشْتَمِلًا عَلى أمْرَيْنِ هُما عَدَمُ المُشارَكَةِ في الجِهادِ، وعَدَمُ إنْفاقِ المالِ في الجِهادِ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ إرْشادٌ لِطَرِيقِ تَدارُكِهِمْ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا فاتَ وهو نَفْعُ المُسْلِمِينَ بِالمالِ، فالإنْفاقُ العَظِيمُ عَلى غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَنْفَدَ المالَ المُعَدَّ لِنَوائِبِ المُسْلِمِينَ، فَإذا أُخِذَ مِنَ المُخَلَّفِينَ شَيْءٌ مِنَ المالِ انْجَبَرَ بِهِ بَعْضُ الثَّلْمِ الَّذِي حَلَّ بِمالِ المُسْلِمِينَ.

فَهَذا وجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي بِسَبَبِها تَخَلَّفْنا عَنْكَ خُذْها فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ لَهم: «لَمْ أُؤْمَرْ بِأنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم» . حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأخَذَ مِنهُمُ النَّبِيءُ ﷺ صَدَقاتِهِمْ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (آخَرِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) .

والتّاءُ في (تُطَهِّرُهم) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تاءَ الخِطابِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ: (خُذْ)، وأنْ تَكُونَ تاءُ الغائِبَةِ عائِدَةً إلى الصَّدَقَةِ.

وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُطَهِّرُ وتُزَكِّي.

صفحة ٢٣

والتَّزْكِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَكِيًا، أيْ كَثِيرَ الخَيْراتِ. فَقَوْلُهُ: (تُطَهِّرُهم) إشارَةٌ إلى مَقامِ التَّخْلِيَةِ عَنِ السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ: (تُزَكِّيهِمْ) إشارَةٌ إلى مَقامِ التَّحْلِيَةِ بِالفَضائِلِ والحَسَناتِ. ولا جَرَمَ أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ومُجْلِبَةٌ لِلثَّوابِ العَظِيمِ.

والصَّلاةُ عَلَيْهِمُ: الدُّعاءُ لَهم. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إذا جاءَهُ أحَدٌ بِصَدَقَتِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ» . كَما ورَدَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى. يَجْمَعُ النَّبِيءُ ﷺ في دُعائِهِ في هَذا الشَّأْنِ بَيْنَ مَعْنى الصَّلاةِ وبَيْنَ لَفْظِها فَكانَ يَسْألُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - أنْ يُصَلِّيَ عَلى المُتَصَدِّقِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ النَّبِيءِ الدُّعاءُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ دُعاءَهُ سَكَنٌ لَهم، أيْ سَبَبُ سَكَنٍ لَهم، أيْ خَيْرٌ. فَإطْلاقُ السَّكَنِ عَلى هَذا الدُّعاءِ مَجازٌ مُرْسَلٌ.

والسَّكَنُ: بِفَتْحَتَيْنِ ما يُسْكَنُ إلَيْهِ، أيْ يُطْمَأنُّ إلَيْهِ ويُرْتاحُ بِهِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ، أيْ سَلامَتُها مِنَ الخَوْفِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ يُوجِبُ كَثْرَةَ الحَذَرِ واضْطِرابَ الرَّأْيِ فَتَكُونُ النَّفْسُ كَأنَّها غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ قَلَقًا لِأنَّ القَلَقَ كَثْرَةُ التَّحَرُّكِ. وقالَ - تَعالى: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وقالَ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، ومِن أسْماءِ الزَّوْجَةِ السَّكَنُ، أوْ لِأنَّ دُعاءَهُ لَهم يَزِيدُ نُفُوسَهم صَلاحًا وسُكُونًا إلى الصّالِحاتِ لِأنَّ المَعْصِيَةَ تَرَدُّدٌ واضْطِرابٌ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَهم في …

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

إنْ كانَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وعَرَّضُوا أمْوالَهم لِلصَّدَقَةِ قَدْ بَقِيَ في نُفُوسِهِمُ اضْطِرابٌ مِن خَوْفٍ أنْ لا تَكُونَ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً وأنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ رَضِيَ عَنْهم وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] مُشِيرًا إلى ذَلِكَ، وذَلِكَ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ اقْتِرانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وقَبُولِ الصَّدَقاتِ هُنا لِيُناظِرَ قَوْلَهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] كانَتْ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ لِأنَّهُ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ مُوجِبِ اضْطِرابِ نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أنْ تابُوا، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرًا مَشُوبًا بِتَعْجِيبٍ مِن تَرَدُّدِهِمْ في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

والمَقْصُودُ مِنهُ التَّذْكِيرُ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ لِأنَّهم جَرَوْا عَلى حالِ نِسْيانِهِ، ويَكُونُ ضَمِيرُ (يَعْلَمُوا) عائِدًا إلى الَّذِينَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]

وإنْ كانَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَكٌّ في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] مُجَرَّدَ إرْشادٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ إلى حِكْمَةِ دُعائِهِ لَهم بِأنَّ دُعاءَهُ يُصْلِحُ نُفُوسَهم ويُقَوِّي إيمانَهم كانَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وكانَتْ جُمْلَةُ (ألَمْ يَعْلَمُوا) مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِطْرادِ لِتَرْغِيبِ أمْثالِ أُولَئِكَ في التَّوْبَةِ مِمَّنْ تَأخَّرُوا عَنْها، وكانَ ضَمِيرُ (ألَمْ يَعْلَمُوا) عائِدًا إلى ما هو مَعْلُومٌ مِن مَقامِ التَّنْزِيلِ وهو الكَلامُ عَلى أحْوالِ الأُمَّةِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا.

ونُزِّلَ جَمِيعُهم مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ قَبُولَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ سَواءٌ في ذَلِكَ مَن يَعْلَمُ قَبُولَها ومَن لا يَعْلَمُ حَقِيقَةً، وكانَ الكَلامُ أيْضًا مَسُوقًا لِلتَّحْضِيضِ

صفحة ٢٥

وقَوْلُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما يَجِبُ العِلْمُ بِأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَجِبُ العِلْمُ بِأنَّ مِن صِفاتِهِ العُلى أنَّهُ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، أيِ المَوْصُوفُ بِالإكْثارِ مِن قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ. ولا شَكَّ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ فَتَعْقِيبُ (التَّوّابِ) بِـ (الرَّحِيمِ) في غايَةِ المُناسَبَةِ.

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] الَّذِي هو في قُوَّةِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وقُلْ لَهُمُ اعْمَلُوا، أيْ بَعْدَ قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَرْفَعُ المُؤاخَذَةَ بِما مَضى فَوَجَبَ عَلى المُؤْمِنِ الرّاغِبِ في الكَمالِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أنْ يَزِيدَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَجْبُرَ ما فاتَهُ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي كانَتْ حَقِيقَةً بِأنْ يُعَمِّرَها بِالحَسَناتِ فَعَمَّرَها بِالسَّيِّئاتِ، فَإذا ورَدَتْ عَلَيْها التَّوْبَةُ زالَتِ السَّيِّئاتُ وأصْبَحَتْ تِلْكَ المُدَّةُ فارِغَةً مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالعَمَلِ عَقِبَ الإعْلامِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ لِأنَّهم لَمّا قُبِلَتْ تَوْبَتُهم كانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَدُلُّوا عَلى صِدْقِ تَوْبَتِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في الِارْتِقاءِ إلى مَراتِبِ الكَمالِ حَتّى يَلْحَقُوا بِالَّذِينَ سَبَقُوهم، فَهَذا هو المَقْصُودُ، ولِذَلِكَ كانَ حَذْفُ مَفْعُولِ (اعْمَلُوا) لِأجْلِ التَّعْوِيلِ عَلى القَرِينَةِ، ولِأنَّ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ بِعَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ. والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ النَّفْسانِيَّ مِنَ الِاعْتِقادِ والنِّيَّةِ. وإطْلاقُ العَمَلِ عَلى ما يَشْمَلُ ذَلِكَ تَغْلِيبٌ.

وتَفْرِيعُ ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ زِيادَةٌ في التَّحْضِيضِ. وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّقْصِيرِ أوْ مِنَ ارْتِكابِ المَعاصِي لِأنَّ كَوْنَ عَمَلِهِمْ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ مِمّا يَبْعَثُ عَلى جَعْلِهِ يُرْضِي اللَّهَ تَعالى.

وذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِاطِّلاعِ اللَّهِ - تَعالى - بِعِلْمِهِ عَلى جَمِيعِ الكائِناتِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في بَيانِ الإحْسانِ هو «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

وعَطْفُ (ورَسُولُهُ) عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ وهو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ.

صفحة ٢٦

وعَطْفُ (المُؤْمِنُونَ) أيْضًا لِأنَّهم شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ ولِأنَّ هَؤُلاءِ لَمّا تابُوا قَدْ رَجَعُوا إلى حَضِيرَةِ جَماعَةِ الصَّحابَةِ فَإنْ عَمِلُوا مِثْلَهم كانُوا بِمَحَلِّ الكَرامَةِ مِنهم وإلّا كانُوا مَلْحُوظِينَ مِنهم بِعَيْنِ الغَضَبِ والإنْكارِ. وذَلِكَ مِمّا يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ هو مِن قَوْمٍ يَرْمُقُونَهُ شَزْرًا ويَرَوْنَهُ قَدْ جاءَ نُكْرًا.

والرُّؤْيَةُ المُسْنَدَةُ إلى اللَّهِ - تَعالى - رُؤْيَةٌ مَجازِيَّةٌ. وهي تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالواقِعاتِ سَواءً كانَتْ ذَواتِ مُبْصِراتٍ أمْ كانَتْ أحْداثًا مَسْمُوعاتٍ ومَعانِيَ مُدْرَكاتٍ، وكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ المُسْنَدَةُ إلى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ المَعْنى المُجْزى لِقَوْلِهِ (عَمَلَكم)

وجُمْلَةُ ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ مَعًا عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ جاءَ فِيهِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

هَذا فَرِيقٌ آخَرُ عُطِفَ خَبَرُهُ عَلى خَبَرِ الفِرَقِ الآخَرِينَ. والمُرادُ بِهَؤُلاءِ مَن بَقِيَ مِنَ المُخَلَّفِينَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ أمْرُهم مَوْقُوفًا إلى أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وهَؤُلاءِ نَفَرٌ ثَلاثَةٌ، هم: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وثَلاثَتُهم قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. ولَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُهم نِفاقًا ولا كَراهِيَةً لِلْجِهادِ ولَكِنَّهم شُغِلُوا عِنْدَ خُرُوجِ الجَيْشِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَلْحَقُونَهُ وانْقَضَتِ الأيّامُ وأيِسُوا مِنَ اللِّحاقِ. وسَألَ عَنْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وهو في تَبُوكَ. فَلَمّا رَجَعَ النَّبِيءُ ﷺ أتَوْهُ وصَدَقُوهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهم، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ، وأمَرَهم بِاعْتِزالِ نِسائِهِمْ، فامْتَثَلُوا وبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَهم في تِلْكَ المُدَّةِ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ. وفي تِلْكَ المُدَّةِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] . وأُنْزِلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]

وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّتِهِ هَذِهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ أغَرُّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.

صفحة ٢٧

عَلى التَّوْبَةِ والتَّنْبِيهِ إلى فَتْحِ بابِها. وقَدْ جَوَّزَ المُفَسِّرُونَ عَوْدَ ضَمِيرِ (ألَمْ يَعْلَمُوا) إلى الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أشَرْنا إلَيْهِما.

وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] (هو) ضَمِيرُ فَصْلٍ مُفِيدٌ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ. و(عَنْ عِبادِهِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَقْبَلُ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يَتَجاوَزُ، إشارَةً إلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَعاصِي المَتُوبِ مِنها.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ويَتَجاوَزُ عَنْ عِبادِهِ. وكانَ حَقُّ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَقْبَلُ) أنْ يَكُونَ بِحَرْفِ (مِن) . ونَقَلَ الفَخْرُ عَنِ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ: لَعَلَّ (عَنْ) أبْلَغُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ القَبُولِ مَعَ تَسْهِيلِ سَبِيلِهِ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي قُبِلَتْ. ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ذَلِكَ، وأحْسَبُ أنَّهُ يُرِيدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَضْمِينِ مَعْنى التَّجاوُزِ.

وجِيءَ بِالخَبَرِ في صُورَةٍ كُلِّيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْمِيمُ الخِطابِ، فالمُرادُ بِعِبادِهِ جَمِيعُ النّاسِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم، لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ هي الإيمانُ.

والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ قَطْعًا إذا كانَتْ تَوْبَةً صَحِيحَةً لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِذَلِكَ في غَيْرِ ما آيَةٍ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْبَةِ الكافِرِ عَنْ كُفْرِهِ لِأنَّ الأدِلَّةَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ بِالقَوْلِ والعَمَلِ، ومُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْبَةِ المُؤْمِنِ مِنَ المَعاصِي لِأنَّ أدِلَّتَهُ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ دَلالَةَ ظَواهِرَ؛ فَقالَ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ والمُتَكَلِّمِينَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا. ونُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُوهُ وهو الحَقُّ. وادَّعى الإمامُ في ”المَعالِمِ“ الإجْماعَ عَلَيْهِ وهِوَ أوْلى بِالقَبُولِ. وقالَ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ والمازِرِيُّ: إنَّما يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ طائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، يَعْنُونَ لِأنَّ أدِلَّةَ قَبُولِ جِنْسِ التَّوْبَةِ …

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

صفحة ٢٩

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنَّ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾

هَذا كَلامٌ عَلى فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ المُؤاخَذِينَ بِأعْمالٍ عَمِلُوها غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِها، وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا حَوْلَ قُباءَ لِغَرَضٍ سَيِّءٍ لِيَنْصَرِفَ إخْوانُهم عَنْ مَسْجِدِ المُؤْمِنِينَ ويَنْفَرِدُوا مَعَهم بِمَسْجِدٍ يَخُصُّهم. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها غَيْرَ مُفْتَتَحَةٍ بِواوِ العَطْفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ. ونُكْتَةُ الِاسْتِئْنافِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُرادِ بِها وبَيْنَ حالِ المُرادِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ. وقَرَأها البَقِيَّةُ بِواوِ العَطْفِ في أوَّلِها، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في ذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِثْلِ مَن ذُكِرَ فِيما قَبْلَها.

وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ إثْرَ جُمْلَةٍ ولَيْسَ ما بَعْدَ الواوِ عَطْفَ مُفْرَدٍ.

وقَوْلُهُ: (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ. والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المَسْجِدِ وهو مَفْعُولُ صِلَةِ المَوْصُولِ فَهو سَبَبِيٌّ لِلْمُبْتَدَأِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا تَقُمْ في مَسْجِدٍ اتَّخَذُوهُ ضِرارًا، أوْ في مَسْجِدِهِمْ، كَما قَدَّرَهُ الكِسائِيُّ. ومَن أعْرَبُوا ﴿أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] خَبَرًا فَقَدْ بَعُدُوا عَنِ المَعْنى.

والآيَةُ أشارَتْ إلى قِصَّةِ اتِّخاذِ المُنافِقِينَ مَسْجِدًا قُرْبَ مَسْجِدِ قُباءَ لِقَصْدِ الضِّرارِ، وهم طائِفَةٌ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ مِن أهْلِ العَوالِي. كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَمّاهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وكانَ سَبَبُ بِنائِهِمْ إيّاهُ أنَّ أبا عامِرٍ

صفحة ٣٠

واسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو، ويُلَقَّبُ بِالرّاهِبِ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ. ثُمَّ جاهَرَ بِالعَداوَةِ وخَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحَزَّبَ الأحْزابَ الَّتِي حاصَرَتِ المَدِينَةَ في وقْعَةِ الخَنْدَقِ فَلَمّا هَزَمَهُمُ اللَّهُ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ هَرَبَ إلى الطّائِفِ، فَلَمّا فُتِحَتِ الطّائِفُ وأسْلَمَتْ ثَقِيفٌ خَرَجَ أبُو عامِرٍ إلى الشّامِ يَسْتَنْصِرُ بِقَيْصَرَ، وكَتَبَ إلى المُنافِقِينَ مِن قَوْمِهِ يَأْمُرُهم بِأنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا لِيَخْلُصُوا فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، ويَعِدُهم أنَّهُ سَيَأْتِي في جَيْشٍ مِنَ الرُّومِ ويُخْرِجُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ. فانْتُدِبَ لِذَلِكَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وبَعْضُهم مِن أحْلافِهِمْ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِمْ، فَبَنَوْهُ بِجانِبِ مَسْجِدِ قُباءَ، وذَلِكَ قُبَيْلَ مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ. وأتَوُا النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، …

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

صفحة ٢٩

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنَّ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾

هَذا كَلامٌ عَلى فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ المُؤاخَذِينَ بِأعْمالٍ عَمِلُوها غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِها، وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا حَوْلَ قُباءَ لِغَرَضٍ سَيِّءٍ لِيَنْصَرِفَ إخْوانُهم عَنْ مَسْجِدِ المُؤْمِنِينَ ويَنْفَرِدُوا مَعَهم بِمَسْجِدٍ يَخُصُّهم. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها غَيْرَ مُفْتَتَحَةٍ بِواوِ العَطْفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ. ونُكْتَةُ الِاسْتِئْنافِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُرادِ بِها وبَيْنَ حالِ المُرادِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ. وقَرَأها البَقِيَّةُ بِواوِ العَطْفِ في أوَّلِها، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في ذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِثْلِ مَن ذُكِرَ فِيما قَبْلَها.

وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ إثْرَ جُمْلَةٍ ولَيْسَ ما بَعْدَ الواوِ عَطْفَ مُفْرَدٍ.

وقَوْلُهُ: (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ. والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المَسْجِدِ وهو مَفْعُولُ صِلَةِ المَوْصُولِ فَهو سَبَبِيٌّ لِلْمُبْتَدَأِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا تَقُمْ في مَسْجِدٍ اتَّخَذُوهُ ضِرارًا، أوْ في مَسْجِدِهِمْ، كَما قَدَّرَهُ الكِسائِيُّ. ومَن أعْرَبُوا ﴿أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] خَبَرًا فَقَدْ بَعُدُوا عَنِ المَعْنى.

والآيَةُ أشارَتْ إلى قِصَّةِ اتِّخاذِ المُنافِقِينَ مَسْجِدًا قُرْبَ مَسْجِدِ قُباءَ لِقَصْدِ الضِّرارِ، وهم طائِفَةٌ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ مِن أهْلِ العَوالِي. كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَمّاهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وكانَ سَبَبُ بِنائِهِمْ إيّاهُ أنَّ أبا عامِرٍ

صفحة ٣٠

واسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو، ويُلَقَّبُ بِالرّاهِبِ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ. ثُمَّ جاهَرَ بِالعَداوَةِ وخَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحَزَّبَ الأحْزابَ الَّتِي حاصَرَتِ المَدِينَةَ في وقْعَةِ الخَنْدَقِ فَلَمّا هَزَمَهُمُ اللَّهُ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ هَرَبَ إلى الطّائِفِ، فَلَمّا فُتِحَتِ الطّائِفُ وأسْلَمَتْ ثَقِيفٌ خَرَجَ أبُو عامِرٍ إلى الشّامِ يَسْتَنْصِرُ بِقَيْصَرَ، وكَتَبَ إلى المُنافِقِينَ مِن قَوْمِهِ يَأْمُرُهم بِأنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا لِيَخْلُصُوا فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، ويَعِدُهم أنَّهُ سَيَأْتِي في جَيْشٍ مِنَ الرُّومِ ويُخْرِجُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ. فانْتُدِبَ لِذَلِكَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وبَعْضُهم مِن أحْلافِهِمْ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِمْ، فَبَنَوْهُ بِجانِبِ مَسْجِدِ قُباءَ، وذَلِكَ قُبَيْلَ مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ. وأتَوُا النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، …

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] لِزِيادَةِ بَيانِ أحَقِّيَّةِ المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَّقْوى بِالصَّلاةِ فِيهِ.

وبَيانُ أنَّ تَفْضِيلَ ذَلِكَ المَسْجِدِ في أنَّهُ حَقِيقٌ بِالصَّلاةِ فِيهِ تَفْضِيلٌ مَسْلُوبُ المُشارَكَةِ لِأنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ لَيْسَ حَقِيقًا بِالصَّلاةِ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ؛ لِأنَّ صَلاةَ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ

صفحة ٣٤

وسَلَّمَ - لَوْ وقَعَتْ لَأكْسَبَتْ مَقْصِدَ واضِعِيهِ رَواجًا بَيْنَ الأُمَّةِ وهو غَرَضُهُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.

والفاءُ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأحَقِّيَّةِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ بِالتَّصْدِيرِ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.

والتَّأْسِيسُ: بِناءُ الأساسِ، وهو قاعِدَةُ الجِدارِ المَبْنِيِّ مِن حَجَرٍ وطِينٍ أوْ جَصٍّ.

والبُنْيانُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ والكُفْرانِ، اسْمٌ لِإقامَةِ البَيْتِ ووَضْعِهِ سَواءً كانَ البَيْتُ مِن أثْوابٍ أمْ مِن أدَمٍ أمْ كانَ مِن حَجَرٍ وطِينٍ فَكُلُّ ذَلِكَ بِناءٌ. ويُطْلَقُ البُنْيانُ عَلى المَبْنِيِّ مِنَ الحَجَرِ والطِّينِ خاصَّةً. وهو هَنا مُطْلَقٌ عَلى المَفْعُولِ، أيِ المَبْنِيِّ.

وماصَدَقُ (مَن) صاحِبُ البِناءِ ومُسْتَحِقُّهُ، فَإضافَةُ البُنْيانِ إلى ضَمِيرِ (مَن) إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ.

وشُبِّهَ القَصْدُ الَّذِي جُعِلَ البِناءُ لِأجْلِهِ بِأساسِ البِناءِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ فِعْلُ (أُسِّسَ) في المَوْضِعَيْنِ.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأساسِ أنْ تُطْلَبَ لَهُ صَلابَةُ الأرْضِ لِدَوامِهِ جُعِلَتِ التَّقْوى في القَصْدِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ أحَدُ المَسْجِدَيْنِ، فَشُبِّهَتِ التَّقْوى بِما يَرْتَكِزُ عَلَيْهِ الأساسُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ بِشَيْءٍ مِن مُلائِماتِهِ وهو حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ. وفُهِمَ أنَّ هَذا المُشَبَّهَ بِهِ شَيْءٌ راسِخٌ ثابِتٌ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ في تَشْبِيهِ الضِّدِّ بِما أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، وذَلِكَ بِأنْ شُبِّهَ المَقْصِدُ الفاسِدُ بِالبِناءِ بِجَرْفِ جُرُفٍ مُنْهارٍ في عَدَمِ ثَباتِ ما يُقامُ عَلَيْهِ مِنَ الأساسِ بَلْهَ البِناءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ. وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ تَرْشِيحٌ.

وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الأخِيرَةِ تَمْثِيلُ حالَةِ هَدْمِهِ في الدُّنْيا وإفْضائِهِ بِبانِيهِ إلى جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ بِانْهِيارِ البِناءِ المُؤَسَّسِ عَلى شَفا جُرُفٍ هارَ بِساكِنِهِ في هُوَّةٍ. وجَعَلَ الِانْهِيارَ بِهِ إلى نارِ جَهَنَّمَ إفْضاءً إلى الغايَةِ مِنَ التَّشْبِيهِ. فالهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مَحْسُوسٍ ومَعْقُولٍ وكَذَلِكَ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها. ومَقْصُودٌ أنَّ البُنْيانَ الأوَّلَ حَصَلَ مِنهُ غَرَضُ بانِيهِ

صفحة ٣٥

لِأنَّ غَرَضَ البانِي دَوامُ ما بَناهُ. فَهم لَمّا بَنَوْهُ لِقَصْدِ التَّقْوى ورِضى اللَّهِ - تَعالى - ولَمْ يَذْكُرْ ما يَقْتَضِي خَيْبَتَهم فِيهِ كَما ذُكِرَ في مُقابِلِهِ عُلِمَ أنَّهم قَدِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِذَلِكَ وأرْضَوْهُ فَفازُوا بِالجَنَّةِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ، وأنَّ البُنْيانَ الثّانِيَ لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ بانِيهِ وهو الضِّرارُ والتَّفْرِيقُ فَخابُوا فِيما قَصَدُوهُ فَلَمْ يَثْبُتِ المَقْصِدُ، وكانَ عَدَمُ …

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

جُمْلَةُ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَعْدادِ مَساوِي مَسْجِدِ الضِّرارِ بِذِكْرِ سُوءِ عَواقِبِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُوءَ الباعِثِ عَلَيْهِ وبَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُوءَ وقْعِهِ في الإسْلامِ

صفحة ٣٦

بِأنْ نَهى اللَّهُ رَسُولَهُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ وأمَرَهُ بِهَدْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهاهُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ فَقَدْ صارَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم مَنهِيِّينَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ، فَسُلِبَ عَنْهُ حُكْمُ المَساجِدِ، ولِذَلِكَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَدْمِهِ. ويُرَجَّحُ هَذا الوَجْهُ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِ المَسْجِدِ أوِ البُنْيانِ بَلْ جِيءَ بِاسْمِهِ الظّاهِرِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُمْ فِيهِ ولا يَزالُ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ ”بُنْيانُهم“ لِزِيادَةِ إيضاحِهِ. والرّابِطُ هو ضَمِيرُ (قُلُوبُهم)

والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ لَمّا بَنَوْهُ لِغَرَضٍ فاسِدٍ فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِبَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ ما دامَتْ قُلُوبُهم في أجْسادِهِمْ.

وجَعْلُ البُنْيانِ رِيبَةً مُبالَغَةٌ كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمْ. والرِّيبَةُ: الشَّكُّ، فَإنَّ النِّفاقَ شَكٌّ في الدِّينِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ والإخْلاصِ لِلْكافِرِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ تَهَكُّمِيٌّ. وهو مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، أيْ يَبْقى رِيبَةً أبَدًا إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهم مِنهم وما هي بِمُقَطَّعَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِهَذا الجَعْلِ العَجِيبِ والإحْكامِ الرَّشِيقِ. وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ البِناءُ سَبَبَ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تُقَطَّعَ بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”تَقَطَّعَ“ بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَقَطَّعَ) . وقَرَأ يَعْقُوبُ ”إلى أنْ تَقَطَّعَ“ بِحَرْفِ ”إلى“ الَّتِي لِلِانْتِهاءِ.

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.