Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

(فائدة بديعة)

قولهم: "عرفت كذا" أصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفردا عن غيره وهذه المادة تقتضي العلو والظهور كعرف الشيء لأعلاه ومنه الأعراف ومنه عرف الديك.

وأما (علمت) فموضوعة للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة ومعنى التركيب فيها إضافة الصفة إلى المحل وذلك أنك تعرف زيدا على حدته وتعرف معنى القيام على حدته ثم تضيف القيام إلى زيد فإضافة القيام إلى زيد هو التركيب وهو متعلق العلم.

فإن قلت: علمت فمطلوبها ثلاثة معان محل وصفة وإضافة الصفة إلى المحل وهن ثلاث معلومات إضافة العلم لله لا المعرفة إذا عرفت هذا فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله سبحانه إلا العلم لا المعرفة لأن علمه متعلق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلقا واحدا بخلاف علم المحدثين فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم لشيء آخر وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلم واحد وأن علمه بصدق رسول الله ﷺ هو عين علمه بكذب مسيلمة الكذاب والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول وأن العلوم متكثرة متغايرة بتكثر المعلومات وتغايرها فلكل معلوم علم يخصه ولإبطال قول أولئك وذكر الأدلة الراجحة على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه تعالى وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلى الإفراد والتركيب في متعلق العلم وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها فإنها في مجاري استعمالها إنما تستعمل فيما سبق تصوره من نسيان أو ذهول أو عزوف عن القلب فإذا تصور وحصل في الذهن قيل عرفه أو وصف له صفته ولم يره فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل عرفه ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينت أنه هو قلت عرفته وكذلك عرفت اللفظة وعرفت الديار وعرفت المنزل وعرفت الطريق " وسر المسألة" أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره فاشتبه فالمعرفة تمييز له وتعيين ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾

فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله.

وقد بسطنا هذا في كتاب (التحفة المكية) وذكرنا فيها من الأسرار والفوائد ما لا يكاد يشتمل عليه مصنف.

وأما ما زعموا من قولهم إن (علمت) قد يكون بمعنى (عرفت) واستشهادهم بنحو قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فالذي دعاهم إلى ذلك أنهم رأوا

(علمت) قد تعدت إلى مفعول واحد وهذا هو حقيقة العرفان فاستشهاد ظاهر على أنه قد قال بعض الناس أن تعدي فعل العلم في هذه الآيات وأمثالها إلي مفعول واحد لا يخرجها عن كونها علما على الحقيقة فإنها لا تتعدى إلى مفعول واحد على نحو تعدى (عرفت) ولكن على جهة الحذف والاختصار فقوله: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا تنفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم وإنما تنفي عنه العلم بعدوانهم ونفاقهم وما تقدم من الكلام يدلك على ذلك وكذلك قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾

فربما كانوا يعرفونهم ولا يعلمونهم أعداء لهم فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف لا بعينه وذاته قال هذا وإنما مثل من يقول إن علمت بمعنى عرفت من أجل أنها متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ كمثل من يقول إن سألت يتعدى إلى غير العقلاء بقولهم: "سألت الحائط وسألت الدار"

ويحتج بقوله: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قال: وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف وكذلك ما تقدم وليس ما قاله هؤلاء بقوى فإن الله سبحانه نفى عن رسوله معرفة أعيان أولئك المنافقين هذا صريح اللفظ وإنما جاء نفي معرفة نفاقهم من جهة اللزوم فهو ﷺ كان يعلم وجود النفاق في أشخاص معينين وهو موجود في غيرهم ولا يعرف أعيانهم وليس المراد أن أشخاصهم كانت معلومة له …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

(فائدة)

إذا أرادَ الله بِعَبْد خيرا جعله معترفا بِذَنبِهِ ممسكا عَن ذَنْب غَيره جوادا بِما عِنْده زاهدا فِيما عِنْده مُحْتملا لأذى غَيره.

وَإن أرادَ بِهِ شرا عكس ذَلِك عَلَيْهِ.

الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثَلاثَة أشْياء:

تعرف لصفة من الصِّفات العليا تزداد بمعرفتها محبَّة، وإرادَة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكرًا وطاعة، وتذكر لذنب تزداد بتذكره تَوْبَة وخشية، فَإذا تعلّقت الهمّة بسوى هَذِه الثَّلاثَة جالت في أوديَة الوساوس والخطرات.

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

(فائدة)

وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل.

ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا، فنقول:

الزكاة في اللغة: هي النماء والزيادة في الصلاح، وكمال الشيء، يقال: زكا الشيء إذا نما، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣].

فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة، لتلازمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، وبمنزلة الدغل في الزرع، وبمنزلة الخبث في الذهب والفضة والنحاس والحديد، فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت، فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة: زكا ونما، وقوى واشتد، وجلس على سرير ملكه، ونفذ حكمه في رعيته، فسمعت له وأطاعت. فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِن أبْصارِهْمِ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذلِكَ أزْكى لَهم إنّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠].

فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج.

(فصل: المراد بالصلاة)

أصل هذه اللفظة في اللغة يرجع إلى معنيين. أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني العبادة.

فمن القول الأول: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا، ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾

وقول النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب، فإن كان صائما فليصل» فسر بهما «١».

قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يصلي عندهم بدل أكله.

وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء. والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والعابد داع، كما أن السائل داع. وبهما فسر قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قيل: أطيعوني أثبكم.

وقيل: سلوني أعطكم.

وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾.

والصواب أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه.

فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾

والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه وتعبدونه، أيّ شيء يعبؤه بكم لولا عبادتكم إياه. فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها، وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾.

وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول من موضعه في اللغة. فيكون حقيقة شرعية، أو مجازا شرعيا؟ فعلى هذا تكون …

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

Explained together with ayah 103

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

Explained together with ayah 103

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

Explained together with ayah 103

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

Explained together with ayah 103

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

Explained together with ayah 103

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

(فصل)

من أرادَ علو بُنْيانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وشدَّة الاعتناء بِهِ، فَإن علو البُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الإيمان ومَتى كانَ الأساس وثيقا حمل البُنيان واعتلى عَلَيْهِ وإذا تهدم شَيْء من

البُنيان سهل تَدارُكه وإذا كانَ الأساس غير وثيق لم يرْتَفع البُنيان ولم يثبت وإذا تهدم شَيْء من الأساس سقط البُنيان أو كاد فالعارف همّته تَصْحِيح الأساس وإحكامه والجاهِل يرفع في البناء عَن غير أساس فَلا يلبث بُنْيانه أن يسْقط قالَ تَعالى ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾

فالأساس لبِناء الأعْمال كالقوة لبدن الإنْسان فَإذا كانَت القُوَّة قَوِيَّة حملت البدن ودفعت عَنهُ كثيرا من الآفات وإذا كانَت القُوَّة ضَعِيفَة ضعف حملها للبدن وكانَت الآفات إلَيْهِ أسْرع شَيْء.

فاحمل بنيانك على قُوَّة أساس الإيمان فَإذا تشعث شَيْء من أعالي البناء وسطحه كانَ تَدارُكه أسهل عَلَيْك من خراب الأساس وهَذا الأساس أمْرانِ صِحَة المعرفَة بِالله وأمره وأسمائه وصِفاته والثّانِي تَجْرِيد الانقياد لَهُ ولِرَسُولِهِ دون ما سواهُ فَهَذا أوثق أساس أسس العَبْد عَلَيْهِ بُنْيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاءَ فاحكم الأساس واحفظ القُوَّة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخَلْط والقَصْد القَصْد وقد بلغت المُراد وإلّا فَما دامَت القُوَّة ضَعِيفَة والمادة الفاسِدَة مَوْجُودَة والاستفراغ مَعْدُوما

؎فاقر السَّلام على الحَياة فَإنَّها ∗∗∗ قد آذنتك بِسُرْعَة التوديع

فَإذا كمل البناء فبيضه بِحسن الخلق والإحْسان إلى النّاس ثمَّ حطه بسور من الحذر لا يقتحمه عَدو ولا تبدو مِنهُ العَوْرَة ثمَّ ارخ الستور على أبوابه ثمَّ أقفل الباب الأعْظَم بِالسُّكُوتِ عَمّا تخشى عاقبته ثمَّ ركب لَهُ مفتاحا من ذكر الله بِهِ تفتحه وتغلقه فَإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته بِهِ فَتكون حِينَئِذٍ قد بنيت حصنا تحصنت فِيهِ من أعدائك إذا طاف بِهِ العَدو لم يجد مِنهُ مدخلًا فييأس مِنك ثمَّ تعاهد بِناء الحصن كل وقت فَإن العَدو إذا لم يطْمع في الدُّخُول من الباب نقّب عَلَيْك النقوب من بعيد بمعاول الذُّنُوب فَإن أهملت أمره وصل إلَيْك النقب فَإذا العَدو مَعَك في داخل الحصن فيصعب عَلَيْك إخْراجه وتَكون مَعَه على

ثَلاث خلال إمّا أن يَغْلِبك على الحصن ويستولي عَلَيْهِ وإمّا أن يساكنك فِيهِ وإمّا أن يشغلك بمقابلته عَن تَمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث الحصن وإذا دخل نقبه إلَيْك نالك مِنهُ ثَلاث آفات إفْساد الحصن والإغارة على حواصله وذخائره ودلالَة السراق من بني جنسه على عَوْرَته فَلا يزال يبْلى مِنهُ بغارة حَتّى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عَن الحصن ويخلي بَينهم وبَينه.

وَهَذِه حال أكثر النُّفُوس مَعَ هَذا العَدو ولِهَذا تراهم يسخطون رَبهم بِرِضا أنفسهم بل بِرِضا مَخْلُوق مثلهم لا يملك لَهُم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدّين بكسب الأمْوال ويهْلِكُونَ أنفسهم بِما لا يبْقى لَهُم ويحرصون على الدُّنْيا وقد أدْبَرت عَنْهُم ويزهدون في الآخِرَة وقد هجمت عَلَيْهِم ويخالفون رَبهم باتّباع أهوائهم ويتكلون على الحَياة ولا يذكرُونَ المَوْت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إلَيْهِم ويهتمون بِما ضمنه الله ولا يهتمون بِما أمرهم بِهِ ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فَوات حظهم مِنها ولا يَحْزَنُونَ على فَوات الجنَّة وما فِيها ولا يفرحون بِالإيمان فَرَحهمْ بالدرهم والدِّينار ويفسدون حَقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الَّذِي أهداه إلَيْهِم ومن العجب أن هَذا …

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

(فصل)

التَّوْبَةُ المَقْبُولَةُ الصَّحِيحَةُ لَها عَلاماتٌ.

مِنها: أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمّا كانَ قَبْلَها.

وَمِنها: أنَّهُ لا يَزالُ الخَوْفُ مُصاحِبًا لَهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَخَوْفُهُ مُسْتَمِرٌّ إلى أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ الرُّسُلِ لِقَبْضِ رُوحِهِ ﴿أنْ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] فَهُناكَ يَزُولُ الخَوْفُ.

وَمِنها: انْخِلاعُ قَلْبِهِ، وتَقَطُّعُهُ نَدَمًا وخَوْفًا، وهَذا عَلى قَدْرِ عِظَمِ الجِنايَةِ وصِغَرِها، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠]

قالَ: تَقَطُّعُها بِالتَّوْبَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِنَ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ يُوجِبُ انْصِداعَ القَلْبِ وانْخِلاعَهُ، وهَذا هو تَقَطُّعُهُ، وهَذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ يَتَقَطَّعُ قَلْبُهُ حَسْرَةً عَلى ما فَرَطَ مِنهُ، وخَوْفًا مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ، فَمَن لَمْ يَتَقَطَّعْ قَلْبُهُ في الدُّنْيا عَلى ما فَرَّطَ حَسْرَةً وخَوْفًا، تَقَطَّعَ في الآخِرَةِ إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ، وعايَنَ ثَوابَ المُطِيعِينَ، وعِقابَ العاصِينَ، فَلا بُدَّ مِن تَقَطُّعِ القَلْبِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ.

وَمِن مُوجِباتِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ أيْضًا: كَسْرَةٌ خاصَّةٌ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لا يُشْبِهُها شَيْءٌ، ولا تَكُونُ لِغَيْرِ المُذْنِبِ، لا تَحْصُلُ بِجُوعٍ، ولا رِياضَةٍ، ولا حُبٍّ مُجَرَّدٍ، وإنَّما هي أمَرٌّ وراءَ هَذا كُلِّهِ، تَكْسِرُ القَلْبَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ كَسْرَةً تامَّةً، قَدْ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وألْقَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا خاشِعًا، كَحالِ عَبْدٍ جانٍ آبِقٍ مِن سَيِّدِهِ، فَأُخِذَ فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَجِدْ مَن يُنْجِيهِ مِن سَطْوَتِهِ، ولَمْ يَجِدْ مِنهُ بُدًّا ولا عَنْهُ غَناءً، ولا مِنهُ مَهْرَبًا، وعَلِمَ أنَّ حَياتَهُ وسَعادَتَهُ وفَلاحَهُ ونَجاحَهُ في رِضاهُ عَنْهُ، وقَدْ عَلِمَ إحاطَةَ سَيِّدِهِ بِتَفاصِيلِ جِناياتِهِ، هَذا مَعَ حُبِّهِ لِسَيِّدِهِ، وشِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ وقُوَّةِ سَيِّدِهِ، وذُلِّهِ وعِزِّ سَيِّدِهِ.

فَيَجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْوالِ كَسْرَةٌ وذِلَّةٌ وخُضُوعٌ، ما أنْفَعَها لِلْعَبْدِ وما أجْدى عائِدَتَها عَلَيْهِ! وما أعْظَمَ جَبْرَهُ بِها، وما أقْرَبَهُ بِها مِن سَيِّدِهِ! فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى سَيِّدِهِ مِن هَذِهِ الكَسْرَةِ، والخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، والإخْباتِ، والِانْطِراحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والِاسْتِسْلامِ لَهُ، فَلَلَّهِ ما أحْلى قَوْلَهُ في هَذِهِ الحالِ: أسْألُكَ بِعِزِّكَ وذُلِّي إلّا رَحِمْتَنِي، أسْألُكَ بِقُوَّتِكَ وضَعْفِي، وبِغِناكَ عَنِّي وفَقْرِي إلَيْكَ، هَذِهِ ناصِيَتِي الكاذِبَةُ الخاطِئَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوايَ كَثِيرٌ، ولَيْسَ لِي سَيِّدٌ سِواكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ، أسْألُكَ مَسْألَةَ المِسْكِينِ، وأبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهالَ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، وأدْعُوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَّرِيرِ، سُؤالَ مَن خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، ورَغِمَ لَكَ أنْفُهُ، وفاضَتْ لَكَ عَيْناهُ، وذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ.

؎يا مَن ألُوذُ بِهِ فِيما أُؤَمِّلُهُ ∗∗∗ ومَن أعُوذُ بِهِ مِمّا أُحاذِرُهُ

؎لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْمًا أنْتَ كاسِرُهُ ∗∗∗ ولا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنْتَ جابِرُهُ

فَهَذا وأمْثالُهُ مِن آثارِ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَلْيَتَّهِمْ …

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.