Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ أحْوالَ مُنافِقِي المَدِينَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أحْوالَ مُنافِقِي الأعْرابِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ في الأعْرابِ مَن هو مُؤْمِنٌ صالِحٌ مُخْلِصٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ رُؤَساءَ المُؤْمِنِينَ مَن هم ؟ وهُمُ السّابِقُونَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَماعَةً مِن حَوْلِ المَدِينَةِ مَوْصُوفُونَ بِالنِّفاقِ، وإنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كَوْنَهم كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارٌ، وكانُوا نازِلِينَ حَوْلَها.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ فَأضْمَرَ (مَن) لِدَلالَةِ (مِن) عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (الصّافّاتِ: ١٦٤) يُرِيدُ إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.

البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ: مَرُدَ يَمْرَدُ مَرَدًا فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ إذا عَتا، والمَرِيدُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وقَدْ تَمَرَّدَ عَلَيْنا أيْ عَتا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المُرادُ التَّطاوُلُ بِالكِبَرِ والمَعاصِي، ومِنهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ وأصْلُ المَرُودِ المَلاسَةُ، ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ، وغُلامٌ أمْرَدُ، والمَرْداءُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، كَأنَّ مَن لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ غَيْرِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، بَقِيَ كَما كانَ عَلى صِفَتِهِ الأصْلِيَّةِ مِن غَيْرِ حُدُوثِ تَغَيُّرٍ فِيهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ هو المَلاسَةُ.

صفحة ١٣٨

إذا عَرَفْتَ أصْلَ اللَّفْظِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ أيْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا فِيهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والمَعْنى أنَّهم تَمَرَّدُوا في حِرْفَةِ النِّفاقِ فَصارُوا فِيها أُسْتاذِينِ، وبَلَغُوا إلى حَيْثُ لا تَعْلَمُ أنْتَ نِفاقَهم مَعَ قُوَّةِ خاطِرِكَ وصَفاءِ حَدْسِكَ ونَفْسِكَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المَرَّتَيْنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ الأمْراضَ في الدُّنْيا، وعَذابَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يُفِيدُهُ تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ، ومَرَضُ الكافِرِ يُفِيدُهُ زِيادَةُ الكُفْرِ وكُفْرانُ النِّعَمِ.

الوَجْهُ الثّانِي: رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ خَطِيبًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ: ”اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ» “ فَأخْرَجَ مِنَ المَسْجِدِ ناسًا وفَضَحَهم فَهَذا هو العَذابُ الأوَّلُ، والثّانِي عَذابُ القَبْرِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ وبَعْدَ ذَلِكَ بِعَذابِ القَبْرِ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ بِالدُّبَيْلَةِ وعَذابِ القَبْرِ، وذَلِكَ أنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ»، وقالَ: سِتَّةٌ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ بِالدُّبَيْلَةِ …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٣٩

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ تابُوا عَنِ النِّفاقِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا لِلْكُفْرِ والنِّفاقِ، لَكِنْ لِلْكَسَلِ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا ثُمَّ تابُوا، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآخَرُونَ﴾ عِطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ والعَطْفُ يُوهِمُ التَّشْرِيكَ إلّا أنَّهُ تَعالى وفَّقَهم حَتّى تابُوا، فَلَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَ الأوَّلَ بِالمُرُودِ عَلى النِّفاقِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. وصَفَ هَذِهِ الفِرْقَةَ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ مَرْوانُ بْنُ عَبَدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً. فَسَبْعَةٌ مِنهم أوْثَقُوا أنْفُسَهم لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ فَأيْقَنُوا بِالهَلاكِ، وأوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وكانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، فَلَمّا قَدِمَ مِن سَفَرِهِ ورَآهم مُوثَقِينَ، سَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنِّي لا أحُلُّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا وإنَّما تَخَلَّفْنا عَنْكَ بِسَبَبِها، فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً»﴾ ) الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِرافُ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ أنَّهم أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالأعْذارِ الباطِلَةِ كَغَيْرِهِمْ، ولَكِنِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم بِئْسَما فَعَلُوا وأظْهَرُوا النَّدامَةَ وذَمُّوا أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ التَّخَلُّفِ.

فَإنْ قِيلَ: الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ هَلْ يَكُونُ تَوْبَةً أمْ لا ؟

قُلْنا: مُجَرَّدُ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ تَوْبَةً، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ هَذا النَّدَمُ والتَّوْبَةُ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، كانَ هَذا المَجْمُوعُ تَوْبَةً، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تابُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمُفَسِّرُونَ قالُوا: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذا العَمَلِ الصّالِحِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ هو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدامَةُ عَلَيْهِ والتَّوْبَةُ مِنهُ، والسَّيِّءُ هو التَّخَلُّفُ عَنِ …

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٣٩

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ تابُوا عَنِ النِّفاقِ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا لِلْكُفْرِ والنِّفاقِ، لَكِنْ لِلْكَسَلِ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا ثُمَّ تابُوا، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآخَرُونَ﴾ عِطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ والعَطْفُ يُوهِمُ التَّشْرِيكَ إلّا أنَّهُ تَعالى وفَّقَهم حَتّى تابُوا، فَلَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَ الأوَّلَ بِالمُرُودِ عَلى النِّفاقِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. وصَفَ هَذِهِ الفِرْقَةَ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ مَرْوانُ بْنُ عَبَدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً. فَسَبْعَةٌ مِنهم أوْثَقُوا أنْفُسَهم لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ فَأيْقَنُوا بِالهَلاكِ، وأوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وكانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، فَلَمّا قَدِمَ مِن سَفَرِهِ ورَآهم مُوثَقِينَ، سَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنِّي لا أحُلُّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا وإنَّما تَخَلَّفْنا عَنْكَ بِسَبَبِها، فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً»﴾ ) الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِرافُ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ أنَّهم أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالأعْذارِ الباطِلَةِ كَغَيْرِهِمْ، ولَكِنِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم بِئْسَما فَعَلُوا وأظْهَرُوا النَّدامَةَ وذَمُّوا أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ التَّخَلُّفِ.

فَإنْ قِيلَ: الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ هَلْ يَكُونُ تَوْبَةً أمْ لا ؟

قُلْنا: مُجَرَّدُ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ تَوْبَةً، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ هَذا النَّدَمُ والتَّوْبَةُ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، كانَ هَذا المَجْمُوعُ تَوْبَةً، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تابُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمُفَسِّرُونَ قالُوا: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذا العَمَلِ الصّالِحِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ هو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدامَةُ عَلَيْهِ والتَّوْبَةُ مِنهُ، والسَّيِّءُ هو التَّخَلُّفُ عَنِ …

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهم تابُوا عَنْ ذُنُوبِهِمْ وأنَّهم تَصَدَّقُوا وهُناكَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وما كانَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وأنَّهُ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ، والمَقْصُودُ تَرْغِيبُ مَن لَمْ يَتُبْ في التَّوْبَةِ، وتَرْغِيبُ كُلِّ العُصاةِ في الطّاعَةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ وإنْ كانَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّقْرِيرُ في النَّفْسِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ في إيهامِ المُخاطَبِ وإزالَةِ الشَّكِّ عَنْهُ أنْ يَقُولُوا: أما عَلِمْتَ أنَّ مَن عَلَّمَكَ يَجِبُ عَلَيْكَ خِدْمَتُهُ. أما عَلِمْتَ أنَّ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ يَجِبُ عَلَيْكَ شُكْرُهُ ؟ فَبَشَّرَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وصَدَقاتِهِمْ.

ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (ألَمْ يَعْلَمُوا) بِالياءِ والتّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، يَعْنِي (ألَمْ يَعْلَمُوا) قَبْلَ أنْ يُتابَ عَلَيْهِمْ وتُقْبَلَ صَدَقاتُهم أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ، ويَقْبَلُ الصَّدَقاتِ الصّادِرَةَ عَنْ خُلُوصِ النِّيَّةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ التّائِبِينَ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْبَةِ. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا حَكَمَ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِمْ قالَ: ”«الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ فَما لَهم» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ فِيهِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا يُوجِبُ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلَيْهِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَزْدادَ حالُهُ بِطاعَةِ المُطِيعِينَ وأنْ يَنْتَقِصَ حالُهُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ، ويَمْتَنِعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لَهُ شَهْوَةٌ إلى الطّاعَةِ، ونَفْرَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ حَتّى يُقالَ: إنَّ نَفْرَتَهُ وغَضَبَهُ يَحْمِلُهُ عَلى الِانْتِقامِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المَعْصِيَةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، هو أنَّ كُلَّ ما دَعا القَلْبُ إلى عالَمِ الآخِرَةِ ومَنازِلِ السُّعَداءِ، ونَهاهُ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالجُسْمانِيّاتِ الباطِلَةِ، فَهو العِبادَةُ والعَمَلُ الحَقُّ والطَّرِيقُ الصّالِحُ، وكُلُّ ما كانَ بِالضِّدِّ مِنهُ فَهو المَعْصِيَةُ والعَمَلُ الباطِلُ، فالمُذْنِبُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، والمُطِيعُ لا يَنْفَعُ إلّا نَفْسَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) فَإنْ كانَ الإلَهُ رَحِيمًا حَكِيمًا كَرِيمًا ولَمْ يَكُنْ غَضَبُهُ عَلى المُذْنِبِ لِأجْلِ أنَّهُ تَضَرَّرَ بِمَعْصِيَتِهِ، فَإذا انْتَقَلَ العَبْدُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ كانَ كَرَمُهُ كالمُوجِبِ عَلَيْهِ قَبُولَ …

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

صفحة ١٤٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جامِعٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إذا كانَ لا يَعْلَمُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِفِعْلِهِ، ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) وقُلْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَدْحَ في إلَهِيَّةِ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ حَجَرٌ وخَشَبٌ وأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِتَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، فَمَن شاءَ أحْرَقَهُ، ومَن شاءَ كَسَرَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ العاقِلُ كَوْنَهُ إلَهًا ؟ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ أكْثَرَ عَبْدَةِ الأصْنامِ كانُوا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، ولَيْسَ بِمُوجَدٍ بِالمَشِيئَةِ والِاخْتِيارِ، فَقالَ: المُوجَبُ بِالذّاتِ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالخَيْراتِ ولَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، ولا يَسْمَعُ دُعاءَ المُحْتاجِينَ ولا يَرى تَضَرُّعَ المَساكِينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ فَكانَ المَقْصُودُ مِن دَلِيلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطَّعْنَ في قَوْلِ مَن يَقُولُ: إلَهُ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ. أمّا إذا كانَ فاعِلًا مُخْتارًا وكانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْعِبادِ الفَوائِدُ العَظِيمَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أطاعَ عَلِمَ المَعْبُودُ طاعَتَهُ وقَدَرَ عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ عَصاهُ عَلِمَ المَعْبُودُ ذَلِكَ، وقَدَرَ عَلى إيصالِ العِقابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ، وتَرْهِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اجْتَهَدُوا في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ لِعَمَلِكم في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ حُكْمًا. أمّا حُكْمُهُ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ يَراهُ اللَّهُ ويَراهُ الرَّسُولُ ويَراهُ المُسْلِمُونَ، فَإنْ كانَ طاعَةً حَصَلَ مِنهُ الثَّناءُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ مَعْصِيَةً حَصَلَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ في الدُّنْيا والعِقابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعاشِهِ ومَعادِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَسائِلَ أُصُولِيَّةٍ.

الحُكْمُ الأوَّلُ

أنَّها تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْمَرْئِيّاتِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هي الإبْصارُ، والمُعَدّاةَ إلى مَفْعُولَيْنِ هي العِلْمُ، كَما تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، وهَهُنا الرُّؤْيَةُ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبْصِرًا لِلْأشْياءِ كَما أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبْصِرًا ورائِيًا لِلْأشْياءِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ الرُّؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حَمْلُها هَهُنا عَلى العِلْمِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ …

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

صفحة ١٤٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جامِعٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إذا كانَ لا يَعْلَمُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِفِعْلِهِ، ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) وقُلْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَدْحَ في إلَهِيَّةِ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ حَجَرٌ وخَشَبٌ وأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِتَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، فَمَن شاءَ أحْرَقَهُ، ومَن شاءَ كَسَرَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ العاقِلُ كَوْنَهُ إلَهًا ؟ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ أكْثَرَ عَبْدَةِ الأصْنامِ كانُوا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، ولَيْسَ بِمُوجَدٍ بِالمَشِيئَةِ والِاخْتِيارِ، فَقالَ: المُوجَبُ بِالذّاتِ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالخَيْراتِ ولَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، ولا يَسْمَعُ دُعاءَ المُحْتاجِينَ ولا يَرى تَضَرُّعَ المَساكِينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ فَكانَ المَقْصُودُ مِن دَلِيلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطَّعْنَ في قَوْلِ مَن يَقُولُ: إلَهُ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ. أمّا إذا كانَ فاعِلًا مُخْتارًا وكانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْعِبادِ الفَوائِدُ العَظِيمَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أطاعَ عَلِمَ المَعْبُودُ طاعَتَهُ وقَدَرَ عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ عَصاهُ عَلِمَ المَعْبُودُ ذَلِكَ، وقَدَرَ عَلى إيصالِ العِقابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ، وتَرْهِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اجْتَهَدُوا في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ لِعَمَلِكم في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ حُكْمًا. أمّا حُكْمُهُ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ يَراهُ اللَّهُ ويَراهُ الرَّسُولُ ويَراهُ المُسْلِمُونَ، فَإنْ كانَ طاعَةً حَصَلَ مِنهُ الثَّناءُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ مَعْصِيَةً حَصَلَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ في الدُّنْيا والعِقابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعاشِهِ ومَعادِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَسائِلَ أُصُولِيَّةٍ.

الحُكْمُ الأوَّلُ

أنَّها تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْمَرْئِيّاتِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هي الإبْصارُ، والمُعَدّاةَ إلى مَفْعُولَيْنِ هي العِلْمُ، كَما تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، وهَهُنا الرُّؤْيَةُ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبْصِرًا لِلْأشْياءِ كَما أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبْصِرًا ورائِيًا لِلْأشْياءِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ الرُّؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حَمْلُها هَهُنا عَلى العِلْمِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ …

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أصْنافَ المُنافِقِينَ وطَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ. فالأوَّلُ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ والثّانِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا يُضارُّونَ بِهِ مَسْجِدَ قُباءَ، وأقُولُ إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: ضِرارًا، والضِّرارُ مُحاوَلَةُ الضُّرِّ، كَما أنَّ الشِّقاقَ مُحاوَلَةُ ما يَشُقُّ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿ضِرارًا﴾ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ ولِسائِرِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ اقْتَضاهُ الفِعْلُ فَنُصِبَ. قالَ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضَرُّوا بِهِ ضِرارًا.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُفْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ بِهِ ضِرارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وكُفْرًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِما جاءَ بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ اتَّخَذُوهُ لِيَكْفُرُوا فِيهِ بِالطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والإسْلامِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُفَرِّقُونَ بِواسِطَتِهِ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ

صفحة ١٥٤

المُنافِقِينَ قالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا فَنُصَلِّي فِيهِ، ولا نُصَلِّي خَلْفَ مُحَمَّدٍ، فَإنْ أتانا فِيهِ صَلَّيْنا مَعَهُ. وفَرَّقَنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، وبُطْلانِ الأُلْفَةِ.

والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالُوا: المُرادُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والِدُ حَنْظَلَةَ الَّذِي غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ، وسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاسِقَ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وتَرَهَّبَ وطَلَبَ العِلْمَ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاداهُ؛ لِأنَّهُ زالَتْ رِياسَتُهُ وقالَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، ولَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ، وآتٍ مِن عِنْدِهِ بِجُنْدٍ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ، وانْتَظَرُوا مَجِيءَ أبِي عامِرٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ.وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الإرْصادُ، الإعْدادُ. قالَ تَعالى: …

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ المَسْجِدَ لِتِلْكَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ عِنْدَ ذِهابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

صفحة ١٥٥

إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ واللَّيْلَةِ المُمْطِرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ، فَلَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَعا بَعْضَ القَوْمِ وقالَ: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وخَرِّبُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانُهُ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ» . وقالَ الحَسَنُ: هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَذْهَبَ إلى ذَلِكَ المَسْجِدِ فَنادى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أنْ يَقُومَ فِيهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَرَغُوا مِن إتْمامِ ذَلِكَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّوْا فِيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَوْمَ السَّبْتِ والأحَدِ، وانْهارَ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذا النَّهْيِ، وهي أنَّ أحَدَ المَسْجِدَيْنِ لَمّا كانَ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ في مَسْجِدٍ آخَرَ تَمْنَعُ مِنَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ التَّقْوى، كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنْ يَمْنَعَ مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي.

فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ أحَدِ المَسْجِدَيْنِ أفْضَلُ لا يُوجِبُ المَنعَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي.

قُلْنا: التَّعْلِيلُ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أعْنِي كَوْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ سَبَبًا لِلْمَفاسِدِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، ومَسْجِدِ التَّقْوى مُشْتَمِلًا عَلى الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ. ومِنَ الرَّوافِضِ مَن يَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى التَّقْوى أحَقُّ بِالقِيامِ فِيهِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وثَبَتَ أنَّ عَلِّيًا ما كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى بِالقِيامِ بِالإمامَةِ مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ في أوَّلِ أمْرِهِ. وجَوابُنا أنَّ التَّعْلِيلَ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. واخْتَلَفُوا في أنَّ مَسْجِدَ التَّقْوى ما هو ؟ قِيلَ: إنَّهُ مَسْجِدُ قُباءَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِيهِ في كُلِّ سَنَةٍ فَيُصَلِّي فِيهِ، والأكْثَرُونَ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، «وذَكَرَ أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا فِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما: مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ آخَرٌ: قُباءُ. فَسَألاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ هو مَسْجِدِي هَذا» . وقالَ …

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ مَسْجِدَ التَّقْوى بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُنِيَ عَلى التَّقْوى، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والثّانِي: أنَّ فِيهِ رِجالًا يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الطَّهارَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وهَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِوُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّ التَّطَهُّرَ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي هو المُؤَثِّرُ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ ومَدْحِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ بِالضِّدِّ مِن صِفاتِهِمْ. وما ذاكَ إلّا كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

والثّالِثُ: أنَّ طَهارَةَ الظّاهِرِ إنَّما يَحْصُلُ لَها أثَرٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أمّا لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمْ تَحْصُلْ نَظافَةُ الظّاهِرِ،

صفحة ١٥٦

كَأنَّ طَهارَةَ الباطِنِ لَها أثَرٌ، فَكانَ طَهارَةُ الباطِنِ أوْلى.

الرّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: ”أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ“ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ ثُمَّ أعادَها. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَرْضُونَ بِالقَضاءِ“ ؟ قالُوا نَعَمْ. قالَ: ”أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ“ ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ في الوُضُوءِ“ قالُوا: نُتْبِعُ الماءَ الحَجَرَ. فَقَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا»﴾ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الطَّهارَةُ بِالماءِ بَعْدَ الحَجَرِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الأخْبارِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ لَفْظَ الطَّهارَةِ حَقِيقَةٌ في الطَّهارَةِ عَنِ النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ، ومَجازٌ في البَراءَةِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا لا يَجُوزُ.

والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ النَّجَسِ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ، وهو القَدْرُ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ يَزُولُ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ السَّبَبَ الأوَّلَ، وهو كَوْنُ المَسْجِدِ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ.

البَحْثُ الأوَّلُ: البُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، والمُرادُ هَهُنا المَبْنِيُّ، وإطْلاقُ لِفَظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ زَيْدٍ، والمُرادُ مَضْرُوبُهُ ومَنسُوجُهُ، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنْيانٌ جَمْعَ بُنْيانَةٍ إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا، لِأنَّهم قالُوا: بُنْيانَةٌ في الواحِدِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ …

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ مَسْجِدَ التَّقْوى بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُنِيَ عَلى التَّقْوى، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والثّانِي: أنَّ فِيهِ رِجالًا يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الطَّهارَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وهَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِوُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّ التَّطَهُّرَ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي هو المُؤَثِّرُ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ ومَدْحِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ بِالضِّدِّ مِن صِفاتِهِمْ. وما ذاكَ إلّا كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

والثّالِثُ: أنَّ طَهارَةَ الظّاهِرِ إنَّما يَحْصُلُ لَها أثَرٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أمّا لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمْ تَحْصُلْ نَظافَةُ الظّاهِرِ،

صفحة ١٥٦

كَأنَّ طَهارَةَ الباطِنِ لَها أثَرٌ، فَكانَ طَهارَةُ الباطِنِ أوْلى.

الرّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: ”أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ“ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ ثُمَّ أعادَها. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَرْضُونَ بِالقَضاءِ“ ؟ قالُوا نَعَمْ. قالَ: ”أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ“ ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ في الوُضُوءِ“ قالُوا: نُتْبِعُ الماءَ الحَجَرَ. فَقَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا»﴾ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الطَّهارَةُ بِالماءِ بَعْدَ الحَجَرِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الأخْبارِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ لَفْظَ الطَّهارَةِ حَقِيقَةٌ في الطَّهارَةِ عَنِ النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ، ومَجازٌ في البَراءَةِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا لا يَجُوزُ.

والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ النَّجَسِ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ، وهو القَدْرُ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ يَزُولُ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ السَّبَبَ الأوَّلَ، وهو كَوْنُ المَسْجِدِ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ.

البَحْثُ الأوَّلُ: البُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، والمُرادُ هَهُنا المَبْنِيُّ، وإطْلاقُ لِفَظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ زَيْدٍ، والمُرادُ مَضْرُوبُهُ ومَنسُوجُهُ، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنْيانٌ جَمْعَ بُنْيانَةٍ إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا، لِأنَّهم قالُوا: بُنْيانَةٌ في الواحِدِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ …

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.