Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 129

91

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۢ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort when they are sincere to Allah and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ٢٩٤

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ يَنْشَأُ عَنْ تَهْوِيلِ القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ وما تَوَجَّهَ إلى المُخَلَّفِينَ مِنَ الوَعِيدِ. اسْتِيفاءً لِأقْسامِ المُخَلَّفِينَ مِن مَلُومٍ ومَعْذُورٍ مِنَ الأعْرابِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ.

وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ في عَطْفِ الضُّعَفاءِ والمَرْضى لِتَوْكِيدِ نَفْيِ المُؤاخَذَةِ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِخُصُوصِهِ.

والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ وهو الَّذِي بِهِ الضَّعْفُ وهو وهْنُ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ مِن غَيْرِ مَرَضٍ.

والمَرْضى جَمْعُ مَرِيضٍ وهو الَّذِي بِهِ مَرَضٌ. والمَرَضُ تَغَيُّرُ النِّظامِ المُعْتادِ بِالبَدَنِ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ يَطْرَأُ في بَعْضِ أجْزاءِ المِزاجِ، ومِنَ المَرَضِ المُزْمِنِ كالعَمى والزَّمانَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

والحَرَجُ الضِّيقُ ويُرادُ بِهِ ضِيقُ التَّكْلِيفِ، أيِ النَّهْيِ.

والنُّصْحُ العَمَلُ النّافِعُ لِلْمَنصُوحِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى الإيمانِ والسَّعْيِ في مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والِامْتِثالِ والسَّعْيِ لِما يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ المُوالِي النّاصِحِ لِمَنصُوحِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم وهَذِهِ الجُمْلَةُ نُظِمَتْ نَظْمَ الأمْثالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ. والمَعْنى لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ لِأنَّهم مُحْسِنُونَ غَيْرُ مُسِيئِينَ و”ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ“ أيْ مُؤاخَذَةٍ أوْ مُعاقَبَةٍ. والمُحْسِنُونَ الَّذِينَ فَعَلُوا الإحْسانَ، وهو ما فِيهِ النَّفْعُ التّامُّ.

صفحة ٢٩٥

والسَّبِيلُ أصْلُهُ الطَّرِيقُ ويُطْلَقُ عَلى وسائِلِ وأسْبابِ المُؤاخَذَةِ بِاللَّوْمِ والعِقابِ لِأنَّ تِلْكَ الوَسائِلَ تُشْبِهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يَصِلُ مِنهُ طالِبُ الحَقِّ إلى مَكانِ المَحْقُوقِ ولِمُراعاةِ هَذا الإطْلاقِ جُعِلَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في الخَبَرِ عَنِ السَّبِيلِ دُونَ حَرْفِ الغايَةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] كِلاهُما في سُورَةِ النِّساءِ. فَدَخَلَ في المُحْسِنِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِأنَّ هَذا مَرْمًى آخَرُ هو أسْمى وأبْعَدُ غايَةً.

و(مِن) مُؤَكِّدَةٌ لِشُمُولِ النَّفْيِ لِكُلِّ سَبِيلٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ شَدِيدُ المَغْفِرَةِ ومِن مَغْفِرَتِهِ أنْ لَمْ يُؤْاخَذْ أهْلُ الأعْذارِ بِالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ. شَدِيدُ الرَّحْمَةِ بِالنّاسِ ومِن رَحْمَتِهِ أنْ لَمْ يُكَلِّفْ أهْلَ الإعْذارِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.

92

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you that you might give them mounts, you said, "I can find nothing for you to ride upon." They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allah].

﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الضُّعَفاءِ والمَرْضى. وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ لِلنُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ هُنالِكَ.

والحَمْلُ يُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ، أيْ إذا أتَوْكَ لِتُعْطِيَهُمُ الحَمُولَةَ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ ويَحْمِلُونَ عَلَيْهِ سِلاحَهم ومُؤَنَهم مِنَ الإبِلِ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْتَ لا أجِدُ﴾ إلَخْ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في أتَوْكَ وإمّا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن فِعْلِ أتَوْكَ لِأنَّ إتْيانَهم لِأجْلِ الحَمْلِ يَشْتَمِلُ عَلى إجابَةٍ، وعَلى مَنعٍ.

وجُمْلَةُ ”تَوَلَّوْا“ جَوابُ إذا، والمَجْمُوعُ صِلَةُ الَّذِينَ.

والتَّوَلِّي الرُّجُوعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٩٦

والفَيْضُ والفَيَضانُ خُرُوجُ الماءِ ونَحْوِهِ مِن قَرارِهِ ووِعائِهِ، ويُسْنَدُ إلى المائِعِ حَقِيقَةً. وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ إلى وِعاءِ المائِعِ، فَيُقالُ: فاضَ الوادِي، وفاضَ الإناءُ. ومِنهُ فاضَتِ العَيْنُ دَمْعًا وهو أبْلَغُ مِن فاضَ دَمْعُها؛ لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّها كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ جَرى عَلى هَذا الأُسْلُوبِ.

و(مِنَ) لِبَيانِ ما مِنهُ الفَيْضُ. والمَجْرُورُ بِها في مَعْنى التَّمْيِيزِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] في سُورَةِ المائِدَةِ.

و(حَزَنًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، و﴿أنْ لا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ مَجْرُورٌ بِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ أيْ حَزِنُوا لِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.

والآيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ سَبْعَةٍ وقِيلَ: فِيهِمْ مِن غَيْرِ الأنْصارِ واخْتُلِفَ أيْضًا في أسْمائِهِمْ بِما لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ ولُقِّبُوا بِالبَكّائِينَ لِأنَّهم بَكَوْا لَمّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحُمْلانِ حَزَنًا عَلى حِرْمانِهِمْ مِنَ الجِهادِ. وقِيلَ: «نَزَلَتْ في أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ورَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَلَمْ يَجِدْ لَهم حَمُولَةً وصادَفُوا ساعَةَ غَضَبٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَهم ثُمَّ جاءَهُ نَهْبُ إبِلٍ فَدَعاهم وحَمَلَهم وقالُوا: اسْتَغْفَلْنا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لا نُفْلِحُ أبَدًا، فَرَجَعُوا وأخْبَرُوهُ فَقالَ ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكم وإنِّي واللَّهِ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ» والظّاهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ المَعْنِيِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الأشْعَرِيِّينَ قَدْ حَمَلَهُمُ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآيَةَ.

93

۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ ۚ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allah has sealed over their hearts, so they do not know.

صفحة ٥

﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

لَمّا نَفَتِ الآيَتانِ السّابِقَتانِ أنْ يَكُونَ سَبِيلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ والمَرْضى والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ والَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا حَمُولَةً، حَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ السَّبِيلَ في كَوْنِهِ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ في التَّخَلُّفِ وهم أغْنِياءُ، وهو انْتِقالٌ بِالتَّخَلُّصِ إلى العَوْدَةِ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنافِ الَّذِينَ نُفِيَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ.

وفِي هَذا الحَصْرِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ، أيْ لا سَبِيلَ عِقابٍ إلّا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ. والمُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ الجِهادَ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ وهم أُولُو الطَّوْلِ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٨٦] الآيَةَ.

والسَّبِيلُ: حَقِيقَتُهُ الطَّرِيقُ. ومَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى السُّلْطانِ والمُؤاخَذَةِ بِالتَّبِعَةِ، شُبِّهَ السُّلْطانُ والمُؤاخَذَةُ بِالطَّرِيقِ لِأنَّ السُّلْطَةَ يَتَوَصَّلُ بِها مَن هي لَهُ إلى تَنْفِيذِ المُؤاخَذَةِ في الغَيْرِ. ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) المُفِيدِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ، وهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ في مَدْخُولِ (عَلى) . فَكانَ هَذا التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً رُمِزَ إلَيْها بِما هو مِن مُلائِماتِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو حَرْفُ (عَلى) . وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبْعِيَّةٌ.

والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ هو السَّبِيلُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] عَلى قاعِدَةِ النَّكِرَةِ

صفحة ٦

إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أيْ إنَّما السَّبِيلُ المَنفِيُّ عَنِ المُحْسِنِينَ مُثْبَتٌ لِلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وهم أغْنِياءُ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] في سُورَةِ الشُّورى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ العَذابُ.

والمَعْنى لَيْسَتِ التَّبِعَةُ والمُؤاخَذَةُ إلّا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ، الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ولا عُذْرَ لَهم يُخَوِّلُهُمُ التَّخَلُّفُ. وقَدْ سَبَقَتْ آيَةُ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] مِن سُورَةِ النِّساءِ، وأُحِيلَ هُنالِكَ تَفْسِيرُها عَلى ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِجَوابِ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ عِلَّةِ اسْتِيذانِهِمْ في التَّخَلُّفِ وهم أغْنِياءُ، أيْ بَعَثَهم عَلى ذَلِكَ رِضاهم بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ مِنَ النِّساءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

وأُسْنِدَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِخِلافِ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] لَعَلَّهُ …

94

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allah has already informed us of your news. And Allah will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ هَذا الِاعْتِذارَ لَيْسَ قاصِرًا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ فَإنَّ الإذْنَ لَهم يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّبَرُّؤِ بِالحَلِفِ الكاذِبِ، فَضَمِيرُ (يَعْتَذِرُونَ) عائِدٌ إلى أقْرَبِ

صفحة ٧

مُعادٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠] فَإنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ فَهُمُ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بَعْدَ رُجُوعِ النّاسِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وجُعِلَ المُسْنَدُ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ.

و”إذا“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلزَّمانِ الماضِي لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ القُفُولِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وجُعِلَ الرُّجُوعُ إلى المُنافِقِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ.

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ المُنافِقِينَ يَقْصِدُونَ بِأعْذارِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويُعِيدُونَها مَعَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ.

والنَّهْيُ في قَوْلِهِ: (لا تَعْتَذِرُوا) مُسْتَعْمَلٌ في التَّأْيِيسِ.

وجُمْلَةُ (لَنْ نُؤْمِنَ) في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ لِعَدَمِ جَدْوى الِاعْتِذارِ، يُقالُ: آمَنَ لَهُ إذا صَدَّقَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ تَصْدِيقِهِمْ، أيْ قَدْ نَبَّأْنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم بِما يَقْتَضِي تَكْذِيبَكم، فالإبْهامُ في المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (نَبَّأنا) السّادِّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ تَعْوِيلٌ عَلى أنَّ المَقامَ يُبَيِّنُهُ.

و(مِن) اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ هي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَدْ نَبَّأْنا اللَّهُ اليَقِينَ مِن أخْبارِكم.

وجُمْلَةُ ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (لا تَعْتَذِرُوا)، أيْ لا فائِدَةَ في اعْتِذارِكم فَإنْ خَشِيتُمُ المُؤاخَذَةَ فاعْمَلُوا الخَيْرَ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ إنْ أحْسَنْتُمْ؛ فالمَقْصُودُ فَتْحُ بابِ التَّوْبَةِ لَهم، والتَّنْبِيهُ إلى المِكْنَةِ مِنِ اسْتِدْراكِ أمْرِهِمْ. وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ بِالوَعِيدِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا.

فالإخْبارُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَمَلَهم في المُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلٌ في الكِنايَةِ عَنِ التَّرْغِيبِ في العَمَلِ الصّالِحِ، والتَّرْهِيبِ مِنَ الدَّوامِ عَلى حالِهِمْ. والمُرادُ: تُمَكُّنُهم مِن إصْلاحِ ظاهِرِ

صفحة ٨

أعْمالِهِمْ، ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، أيْ تَصِيرُونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ. فالرَّدُّ بِمَعْنى الإرْجاعِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والرَّدُّ: الإرْجاعُ. والمُرادُ بِهِ هُنا مَصِيرُ النُّفُوسِ إلى عالَمِ الخُلْدِ الَّذِي لا تُصْرَفُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ولَوْ في ظاهِرِ الأمْرِ. ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ مِن خَلْقِ اللَّهِ وقَدْ أنْزَلَها إلى عالَمِ الفَناءِ الدُّنْيَوِيِّ فاسْتَقَلَّتْ بِأعْمالِها مُدَّةَ العُمْرِ كانَ مَصِيرُها بَعْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ فِيها شَبِيهًا بِرَدِّ شَيْءٍ إلى مَقَرِّهِ أوْ إرْجاعِهِ إلى مالِكِهِ.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ. والشَّهادَةُ: المُشاهَدَةُ. …

95

سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌۭ ۖ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

They will swear by Allah to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ تَعْدادٌ لِأحْوالِهِمْ. ومَعْناها ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ الكَذِبِ ومُخادِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَإذا قِيلَ لَهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] حَلَفُوا عَلى أنَّهم صادِقُونَ تَرْوِيجًا لِخِداعِهِمْ.

صفحة ٩

وهَذا إخْبارٌ بِما سَيُلاقِي بِهِ المُنافِقُونَ المُسْلِمِينَ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَ رُجُوعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الغَزْوِ.

و(إذا) هُنا ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي.

وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، ولِتَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] إلّا أنَّ ما تَقَدَّمَ في حَلِفِهِمْ قَبْلَ الخُرُوجِ.

والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] في آلِ عِمْرانَ.

وصَرَّحَ بِعِلَّةِ الحَلِفِ هُنا أنَّهُ لِقَصْدِ إعْراضِ المُسْلِمِينَ عَنْهم، أيْ عَنْ عِتابِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ خَواطِرِ المُسْلِمِينَ ولَكِنْ أرادُوا التَّمَلُّصَ مِن مَسَبَّةِ العِتابِ ولَذْعِهِ. ولِذَلِكَ قالَ في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] - ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ فَلَمّا فاتَ الأمْرُ وعَلِمُوا أنَّ حَلِفَهم لَمْ يُصَدِّقْهُ المُسْلِمُونَ صارُوا يَحْلِفُونَ لِقَصْدِ أنْ يُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْهم.

وأُدْخِلَ حَرْفُ (عَنْ) عَلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ لِظُهُورِ أنَّهم يُرِيدُونَ الإعْراضَ عَنْ لَوْمِهِمْ. فَفي حَذْفِ المُضافِ تَهْيِئَةٌ لِتَفْرِيعِ التَّقْرِيعِ الواقِعِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، أيْ فَإذا كانُوا يَرُومُونَ الإعْراضَ عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم تَمامًا.

وهَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّقْرِيعِ فِيهِ إطْماعٌ لِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ الطّالِبِ بِأنَّهُ أُجِيبَتْ طِلْبَتُهُ حَتّى إذا تَأمَّلَ وجَدَ ما طَمِعَ فِيهِ قَدِ انْقَلَبَ عَكْسَ المَطْلُوبِ فَصارَ يَأْسًا لِأنَّهم أرادُوا الإعْراضَ عَنِ المُعاتَبَةِ بِالإمْساكِ عَنْها واسْتِدامَةِ مُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ المُسْلِمِينَ، فَإذا بِهِمْ يُواجَهُونَ بِالإعْراضِ عَنْ مُكالَمَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ وذَلِكَ أشَدُّ مِمّا حَلَفُوا لِلتَّفادِي عَنْهُ. فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أوْ مِنَ القَوْلِ بِالمُوجَبِ.

وجُمْلَةُ (إنَّهم رِجْسٌ) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ. ووُقُوعُ (إنَّ) في أوَّلِها مُؤْذِنٌ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ.

صفحة ١٠

والرِّجْسُ: الخُبْثُ. والمُرادُ تَشْبِيهُهم بِالرِّجْسِ في الدَّناءَةِ ودَنَسِ النُّفُوسِ. فَهو رِجْسٌ مَعْنَوِيٌّ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠]

والمَأْوى: المَصِيرُ والمَرْجِعُ.

و(جَزاءً) حالٌ مِن جَهَنَّمَ، أيْ مُجازاةً لَهم عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

96

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ

They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allah is not satisfied with a defiantly disobedient people.

﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] لِأنَّهم إذا حَلَفُوا لِأجْلِ أنْ يُعْرِضَ عَنْهُمُ المُسْلِمُونَ فَلا يَلُومُونَهم، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طَلَبَهم رِضى المُسْلِمِينَ.

وقَدْ فَرَّعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ إنْ رَضِيَ المُسْلِمُونَ عَنْهم وأعْرَضُوا عَنْ لَوْمِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ المُنافِقِينَ. وهَذا تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الرِّضى عَنِ المُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ قَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ لا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَرْضَوْا بِهِ.

والقَوْمُ الفاسِقُونَ هم هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ. والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ (هم) إلى التَّعْبِيرِ بِصِفَتِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَمِّهِمْ وتَعْلِيلِ عَدَمِ الرِّضى عَنْهم، فالكَلامُ مُشْتَمِلٌ عَلى خَبَرٍ وعَلى دَلِيلِهِ فَأفادَ مُفادَ كَلامَيْنِ لِأنَّهُ يَنْحَلُّ إلى: فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ.

97

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًۭا وَنِفَاقًۭا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allah has revealed to His Messenger. And Allah is Knowing and Wise.

﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى أحْوالِ المُعَذِّرِينَ مِنَ الأعْرابِ والَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنهم، وما بَيْنَ ذَلِكَ اسْتِطْرادٌ دَعا إلَيْهِ قَرْنُ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في

صفحة ١١

الذِّكْرِ مَعَ الأعْرابِ. فَلَمّا تَقَضّى الكَلامُ عَلى أُولَئِكَ تَخَلَّصَ إلى بَقِيَّةِ أحْوالِ الأعْرابِ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى اتِّصالِ الغَرَضَيْنِ وقَعَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهو لَفْظُ الأعْرابِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ومِن وراءِ ذَلِكَ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ لِأحْوالِ الأعْرابِ لِأنَّهم لِبُعْدِهِمْ عَنِ الِاحْتِكاكِ بِهِمْ والمُخالَطَةِ مَعَهم قَدْ تَخْفى عَلَيْهِمْ أحْوالُهم ويَظُنُّونَ بِجَمِيعِهِمْ خَيْرًا.

و(أشَدُّ) و(أجْدَرُ) اسْما تَفْضِيلٍ ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما ما يَدُلُّ عَلى مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونا عَلى ظاهِرِهِما فَيَكُونُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ أهْلَ الحَضَرِ، أيْ كُفّارَ ومُنافِقِي المَدِينَةِ. وهَذا هو الَّذِي تَواطَأ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.

وازْدِيادُهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ هو بِالنِّسْبَةِ لِكُفّارِ ومُنافِقِي المَدِينَةِ، ومُنافِقُوهم أشَدُّ نِفاقًا مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ.

وهَذا الِازْدِيادُ راجِعٌ إلى تَمَكُّنِ الوَصْفَيْنِ مِن نُفُوسِهِمْ، أيْ كُفْرُهم أمْكَنُ في النُّفُوسِ مِن كُفْرِ كُفّارِ المَدِينَةِ، ونِفاقُهم أمْكَنُ مِن نُفُوسِهِمْ كَذَلِكَ، أيْ أمْكَنُ في جانِبِ الكُفْرِ مِنهُ والبُعْدِ عَنِ الإقْلاعِ عَنْهُ وظُهُورِ بَوادِرِ الشَّرِّ مِنهم، وذَلِكَ أنَّ غِلَظَ القُلُوبِ وجَلافَةَ الطَّبْعِ تَزِيدُ النُّفُوسَ السَّيِّئَةَ وحْشَةً ونُفُورًا. ألا تَعْلَمُ أنَّ ذا الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ، وكانَ يَدَّعِي الإسْلامَ، لَمّا رَأى النَّبِيءَ ﷺ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ ومَن مَعَهُ مِن صَنادِيدِ العَرَبِ مِن ذَهَبٍ قَسَمَهُ قالَ ذُو الخُوَيْصِرَةِ مُواجِهًا النَّبِيءَ ﷺ «اعْدِلْ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ ويْحَكَ ومَن يَعْدِلُ إنْ لَمْ أعْدِلْ»

فَإنَّ الأعْرابَ لِنَشْأتِهِمْ في البادِيَةِ كانُوا بُعَداءَ عَنْ مُخالَطَةِ أهْلِ العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ، وكانَتْ أذْهانُهم أبْعَدَ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ وأمْلَأ بِالأوْهامِ، وهم لِبُعْدِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ أنْوارِ النَّبِيءِ ﷺ وأخْلاقِهِ وآدابِهِ وعَنْ تَلَقِّي الهُدى صَباحَ مَساءَ أجْهَلُ بِأُمُورِ الدِّيانَةِ وما بِهِ تَهْذِيبُ النُّفُوسِ، وهم لِتَوارُثِهِمْ أخْلاقَ أسْلافِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّطَوُّراتِ المَدَنِيَّةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ سُمُوًّا في النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، وإتْقانًا في وضْعِ الأشْياءِ في مَواضِعِها، وحِكْمَةً تَقْلِيدِيَّةً تَتَدَرَّجُ بِالأزْمانِ، يَكُونُونَ أقْرَبَ سِيرَةً

صفحة ١٢

بِالتَّوَحُّشِ وأكْثَرَ غِلْظَةً في المُعامَلَةِ وأضِيعَ لِلتُّراثِ العِلْمِيِّ والخُلُقِيِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ لِأبِي ذَرٍّ لَمّا عَزَمَ عَلى سُكْنى الرَّبَذَةِ: تَعَهَّدِ المَدِينَةَ كَيْلا تَرْتَدَّ أعْرابِيًّا.

فَأمّا في الأخْلاقِ الَّتِي تُحْمَدُ فِيها الخُشُونَةُ والغِلْظَةُ والِاسْتِخْفافُ بِالعَظائِمِ مِثْلُ الشَّجاعَةِ؛ والصَّراحَةِ وإباءِ الضَّيْمِ والكَرَمِ فَإنَّها تَكُونُ أقْوى في الأعْرابِ بِالجِبِلَّةِ، ولِذَلِكَ يَكُونُونَ أقْرَبَ إلى الخَيْرِ إذا اعْتَقَدُوهُ وآمَنُوا بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أشَدُّ) و(أجْدَرُ) مَسْلُوبَيِ المُفاضَلَةِ مُسْتَعْمَلَيْنِ لِقُوَّةِ الوَصْفَيْنِ في المَوْصُوفِينَ بِهِما عَلى طَرِيقَةِ …

98

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًۭا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

هَذا فَرِيقٌ مِنَ الأعْرابِ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَقِيَّةً وخَوْفًا مِنَ الغَزْوِ أوْ حُبًّا لِلْمَحْمَدَةِ وسُلُوكًا في مَسْلَكِ الجَماعَةِ، وهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ ويَنْتَظِرُونَ الفُرْصَةَ الَّتِي تُمَكِّنُهم مِنَ الِانْقِلابِ عَلى أعْقابِهِمْ. وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مِن جُمْلَةِ مُنافِقِي الأعْرابِ فَتَخْصِيصُهم بِالتَّقْسِيمِ هَنا مَنظُورٌ فِيهِ إلى ما اخْتُصُّوا بِهِ مِن أحْوالِ النِّفاقِ؛ لِأنَّ التَّقاسِيمَ في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ والمُجادِلاتِ تَعْتَمِدُ اخْتِلافًا ما في أحْوالِ المُقَسِّمِ، ولا يُعْبَأُ فِيها بِدُخُولِ القَسْمِ في قَسِيمِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هو في التَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]

ومَعْنى (يَتَّخِذُ) يَعُدُّ ويَجْعَلُ؛ لِأنَّ اتَّخَذَ مِن أخَواتِ (جَعَلَ) . والجَعْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّغْيِيرِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ نَحْوَ جَعَلْتُ الشَّقَّةَ بَرْدًا. ويُطْلَقُ بِمَعْنى العَدِّ والحُسْبانِ نَحْوَ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] فَكَذَلِكَ (يَتَّخِذُ) هُنا.

والمَغْرَمُ: ما يُدْفَعُ مِنَ المالِ قَهْرًا وظُلْمًا، فَهَؤُلاءِ الأعْرابُ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَعُدُّونَ ذَلِكَ كالإتاواتِ المالِيَّةِ والرَّزايا يَدْفَعُونَها تَقِيَّةً. ومِن هَؤُلاءِ مَنِ امْتَنَعُوا مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قائِلُهم مِن طَيِّءٍ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ لَمّا جاءَهُمُ السّاعِي لِإحْصاءِ زَكاةِ الأنْعامِ:

فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَـرائِضُ

أيْ: فَرائِضُ الزَّكاةِ هي السَّيْفُ، أيْ: يُعْطُونَ السّاعِيَ ضَرْبَ السَّيْفِ بَدَلًا عَنِ الزَّكاةِ.

والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. والدَّوائِرُ: جَمْعُ دائِرَةٍ وهي تَغَيُّرُ الحالَةِ مِنِ اسْتِقامَةٍ إلى اخْتِلالٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] في سُورَةِ العُقُودِ.

صفحة ١٤

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وجُعِلَ المَجْرُورُ بِالباءِ ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَتَرَبَّصُ بِسَبَبِ حالَتِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْكم لِظُهُورِ أنَّ الدَّوائِرَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِانْتِظارِ الِانْقِلابِ بَلْ حالُهم هي سَبَبُ تَرَبُّصِهِمْ أنْ تَنْقَلِبَ عَلَيْهِمُ الحالُ لِأنَّ حالَتَهُمُ الحاضِرَةَ شَدِيدَةٌ عَلَيْهِمْ.

فالمَعْنى أنَّهم يَنْتَظِرُونَ ضَعْفَكم وهَزِيمَتَكم أوْ يَنْتَظِرُونَ وفاةَ نَبِيِّكم فَيُظْهِرُونَ ما هو كامِنٌ فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وقَدْ أنْبَأ اللَّهُ بِحالِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَقِبَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ وهم أهْلُ الرِّدَّةِ مِنَ العَرَبِ.

وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيرٌ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ: تَكْوِينٌ وتَقْدِيرٌ مَشُوبٌ بِإهانَةٍ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى تَمَنِّي ما يُرِيدُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ كانَتْ عَلى الأعْرابِ دائِرَةُ السَّوْءِ إذْ قاتَلَهُمُ …

99

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ ۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌۭ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But among the bedouins are some who believe in Allah and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allah and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allah will admit them to His mercy. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ١٥

﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأعْرابِ وفّاهُمُ اللَّهُ حَقَّهم مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وهم أضْدادُ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨] . قِيلَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ كَما تَقَدَّمَ. ومِن هَؤُلاءِ عَبْدُ اللَّهِ ذُو البِجادَيْنِ المُزَنِيُّ - هو ابْنُ مُغَفَّلٍ - .

والإنْفاقُ هُنا هو الإنْفاقُ هُناكَ.

وتَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنى يُتَّخَذُ

و(قُرُباتٍ) - بِضَمِّ القافِ وضَمِّ الرّاءِ -: جَمْعُ قُرْبَةٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وهي تُطْلَقُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، أيِ القُرْبِ وهو المُرادُ هُنا، أيْ يَتَّخِذُونَ ما يُنْفِقُونَ تَقَرُّبًا عِنْدَ اللَّهِ. وجَمْعُ ”قُرُباتٍ“ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الإنْفاقِ، فَكُلُّ إنْفاقٍ هو قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّهُ يُوجِبُ زِيادَةَ القُرْبِ. قالَ - تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] . فَـ (قُرُباتٍ) هُنا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في رِضى اللَّهِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِـ (عِنْدَ) الدّالَّةِ عَلى مَكانِ الدُّنُوِّ. و(عِنْدَ) مَجازٌ في التَّشْرِيفِ والعِنايَةِ، فَإنَّ الجَنَّةَ تُشَبَّهُ بِدارِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ - تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤]

وصَلَواتِ الرَّسُولِ دَعَواتِهِ. وأصْلُ الصَّلاةِ الدُّعاءُ. وجُمِعَتْ هُنا لِأنَّ كُلَّ إنْفاقٍ يُقَدِّمُونَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ يَدْعُو لَهم بِسَبَبِهِ دَعْوَةً، فَبِتَكَرُّرِ الإنْفاقِ تَتَكَرَّرُ الصَّلاةُ. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُصَلِّي عَلى كُلِّ مَن يَأْتِيهِ بِصَدَقَتِهِ وإنْفاقِهِ امْتِثالًا لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .

صفحة ١٦

وجاءَ في حَدِيثِ ابْنِ أبِي أوْفى أنَّهُ لَمّا جاءَ بِصَدَقَتِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» .

ويَجُوزُ عَطْفُ صَلَواتِ الرَّسُولِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مَعْمُولًا لِـ (عِنْدَ)، أيْ يَتَّخِذُونَ الإنْفاقَ قُرْبَةً عِنْدَ صَلَواتِ الرَّسُولِ، أيْ يَجْعَلُونَهُ تَقَرُّبًا كائِنًا في مَكانِ الدُّنُوِّ مِن صَلَواتِ الرَّسُولِ تَشْبِيهًا لِلتَّسَبُّبِ في الشَّيْءِ بِالِاقْتِرابِ مِنهُ، أيْ يَجْعَلُونَ الإنْفاقَ سَبَبًا لِدُعاءِ الرَّسُولِ لَهم. فَظَرْفُ (عِنْدَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ دَعَواتِ الرَّسُولِ. أخْبَرَ عَنِ الإنْفاقِ بِاتِّخاذِهِ دَعَواتِ الرَّسُولِ لِأنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالإنْفاقِ إلى دَعَواتِ الرَّسُولِ إذْ أُمِرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]

وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّها قُرُبَةٌ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مَساقَ البِشارَةِ لَهم بِقَبُولِ ما رَجَوْهُ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِيَعِيَها السّامِعُ، وبِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، …

100

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

And the first forerunners [in the faith] among the Muhajireen and the Ansar and those who followed them with good conduct - Allah is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رِضى اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

عُقِّبَ ذِكْرُ الفِرَقِ المُتَلَبِّسَةِ بِالنَّقائِصِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَها في ذَلِكَ بِذِكْرِ القُدْوَةِ الصّالِحَةِ والمَثَلِ الكامِلِ في الإيمانِ والفَضائِلِ والنُّصْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِيَحْتَذِيَ مُتَطَلِّبُ الصَّلاحِ حَذْوَهم، ولِئَلّا يَخْلُوَ تَقْسِيمُ القَبائِلِ السّاكِنَةِ بِالمَدِينَةِ وحَوالَيْها وبَوادِيها، عَنْ ذِكْرِ أفْضَلِ الأقْسامِ تَنْوِيهًا بِهِ.

وبِهَذا تَمَّ اسْتِقْراءُ الفِرَقِ وأحْوالِها.

فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]

والمَقْصُودُ بِالسَّبْقِ السَّبْقُ في الإيمانِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ قَبْلَها في تَمْيِيزِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ، والكُفّارِ الصُّرَحاءِ، والكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يُرادَ الَّذِينَ سَبَقُوا غَيْرَهم مِن صِنْفِهِمْ، فالسّابِقُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، والسّابِقُونَ مِنَ الأنْصارِ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا قَوْمَهم بِالإيمانِ، وهم أهْلُ العَقَبَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ المُدَّةِ الَّتِي عِنْدَها يَنْتَهِي وصْفُ السّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مَعًا، فَقالَ أبُو مُوسى وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ: مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: مَن شَهِدَ بَدْرًا. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن أدْرَكُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ تَعْتَبِرُ الواوَ في قَوْلِهِ: (والأنْصارِ) لِلْجَمْعِ في وصْفِ السَّبَقِ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقَيْنِ، وهَذا يَخُصُّ المُهاجِرِينَ. وفي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ ما يُشْبِهُ أنَّ رَأْيَهُ أنَّ السّابِقِينَ أصْحابُ العَقَبَتَيْنِ، وذَلِكَ يَخُصُّ الأنْصارَ. وعَنِ الجُبّائِيِّ: أنَّ السّابِقِينَ مَن

صفحة ١٨

أسْلَمُوا قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. ولَعَلَّهُ اخْتِيارٌ مِنهُ إذْ لَمْ يُسْنِدْهُ إلى قائِلٍ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ السّابِقِينَ هم مَن هاجَرَ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ الهِجْرَةُ، أيْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا يَقْصُرُ وصْفَ السَّبْقِ عَلى المُهاجِرِينَ. ولا يُلاقِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِخَفْضِ الأنْصارِ

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ لا لِلْبَيانِ.

والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، وهو النّاصِرُ. والأنْصارُ بِهَذا الجَمْعِ اسْمٌ غَلَبَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ في حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ وعَلى أبْنائِهِمْ إلى آخِرِ الزَّمانِ. دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِهَذا الوَصْفِ، فَيُطْلَقُ عَلى أوْلادِ المُنافِقِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ نَشَئُوا في الإسْلامِ كَوَلَدِ ابْنِ صَيّادٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ والأنْصارِ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى المُهاجِرِينَ، فَيَكُونُ وصْفُ السّابِقِينَ صِفَةً لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ والأنْصارُ بِالرَّفْعِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى وصْفِ (السّابِقُونَ) ويَكُونُ المُقَسَّمُ إلى سابِقِينَ وغَيْرِهِمْ خُصُوصَ المُهاجِرِينَ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم بَقِيَّةُ المُهاجِرِينَ وبَقِيَّةُ الأنْصارِ اتَّبَعُوهم في الإيمانِ، أيْ آمَنُوا بَعْدَ السّابِقِينَ: مِمَّنْ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَن آمَنُوا مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ مُدَّةٍ.

والإحْسانُ: هو العَمَلُ الصّالِحُ. والباءُ …

At-Tawba 9:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.