Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 21–30 of 75

21

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصِيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في اليَهُودِ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما سَمِعُوا، فَكانُوا كَمَن لَمْ يَسْمَعْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا سَماعَ مَن يُقْبَلُ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارَ بْنِ قَصِّيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ. والدَّوابُّ: اسْمُ كُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ؛ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٨) مَعْنى الصُّمِّ والبُكْمِ، ولِمَ سَمّاهم بِذَلِكَ.

Al-Anfaal 8:21Listen in Qur'an →
22

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are the deaf and dumb who do not use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصِيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في اليَهُودِ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما سَمِعُوا، فَكانُوا كَمَن لَمْ يَسْمَعْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: سَمِعْنا سَماعَ مَن يُقْبَلُ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارَ بْنِ قَصِّيِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُنافِقَيْنَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والواقِدِيُّ. والدَّوابُّ: اسْمُ كُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ؛ وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٨) مَعْنى الصُّمِّ والبُكْمِ، ولِمَ سَمّاهم بِذَلِكَ.

Al-Anfaal 8:22Listen in Qur'an →
23

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولَوْ عَلِمَ فِيهِمْ صِدْقًا وإسْلامًا. والثّانِي: لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا في سابِقِ القَضاءِ. والثّالِثُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يَصْلُحُونَ. والرّابِعُ: لَوْ عَلِمَ أنَّهم يُصْغُونَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لَأُسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لَرَزَقَهُمُ الفَهْمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُكَذِّبُونَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وهم مُعْرِضُونَ عَمّا أسْمَعُهم لِمُعانَدَتِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ:

Al-Anfaal 8:23Listen in Qur'an →
24

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أيْ: أجِيبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ (لِما يُحْيِيكُمْ) وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُحْيِيكُمْ: كُلُّ ما يَدْعُو الرَّسُولُ إلَيْهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي أفْرادِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أصْلِّي في المَسْجِدِ، فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ أجِبْهُ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أصْلِّي، فَقالَ "ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: اسْتَجِيبُوا لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ؟" قُلْتُ: بَلى، ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ.»

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، رَواهُ ورْقاءُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ اتِّباعُ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الجِهادُ الَّذِي يُحْيِي دِينَهم ويُعْلِيهِمْ.

والسّادِسُ: أنَّهُ إحْياءُ أُمُورِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ. فَيَخْرُجُ في إحْيائِهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها أنَّهُ إصْلاحُ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا والآَخِرَةِ.

والثّانِي: بَقاءُ الذِّكْرِ الجَمِيلِ لَهم في الدُّنْيا، وحَياةِ الأبَدِ في الآَخِرَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ دَوامُ نَعِيمِهِمْ في الآَخِرَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كَوْنُهم مُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ كالمَيِّتِ.

والخامِسُ: أنَّهُ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وهو عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو الجِهادُ، لِأنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، ولِأنَّ الجِهادَ يُعِزُّهم بَعْدَ ذُلِّهِمْ، فَكَأنَّهم صارُوا بِهِ أحْياءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ وفِيهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ الإيمانِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ، وبَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ طاعَتِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى لا يَتْرُكَهُ يَعْقِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ، فَإنَّكم تَأْمَنُونَ زَوالَ العُقُولِ، فَتَحْصُلُونَ عَلى ما قَدَّمْتُمْ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هو قَرِيبٌ مِنَ المَرْءِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سِرِّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ. والخامِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ إيمانًا ولا كُفْرًا إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ هَواهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّابِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ ما يَتَمَنّى بِقَلْبِهِ مِن طُولِ العُمْرِ والنَّصْرِ وغَيْرِهِ.

والثّامِنُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ، فَبادِرُوا الأعْمالَ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

والتّاسِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِعَمَلِهِ، فَلا يُضْمِرُ العَبْدُ شَيْئًا في نَفْسِهِ إلّا واللَّهُ عالِمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيبِهِ عَنْهُ.

والعاشِرُ: يَحُولُ بَيْنَ ما يُوقِعُهُ في قَلْبِهِ مِن خَوْفٍ أوْ أمْنٍ، فَيَأْمَنُ بَعْدَ خَوْفِهِ، ويَخافُ بَعْدَ أمْنِهِ، ذَكَرَ مَعْنى هَذِهِ الأقْوالِ …

Al-Anfaal 8:24Listen in Qur'an →
25

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ قَرَأْناها زَمانًا، وما نُرى أنّا مِن أهْلِها، فَإذًا نَحْنُ المَعْنِيُّونَ بِها.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِما.

والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في هَذِهِ الآَيَةِ، أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذابِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآَيَةُ لَكم أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ، وعَمّارٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ خاصَّةً، فَأصابَتْهم يَوْمَ الجَمَلِ.

وَفِي الفِتْنَةِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: القِتالُ. والثّانِي: الضَّلالَةُ. والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَنْ إنْكارِ المُنْكَرِ. والرّابِعُ: الِاخْتِبارُ. والخامِسُ: الفِتْنَةُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ. والسّادِسُ: البَلاءُ. والسّابِعُ: ظُهُورُ البِدَعِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: أمَرَهم، ثُمَّ نَهاهم، وفِيهِ طَرَفٌ مِنَ الجَزاءِ. وإنْ كانَ نَهْيًا، كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النَّمْلِ:١٨] أمَرَهم، ثُمَّ نَهاهُمْ؛ وفِيهِ تَأْوِيلُ الجَزاءِ. وقالَ الأخْفَشُ: "لا تُصِيبَنَّ" لَيْسَ بِجَوابٍ، وإنَّما هو نَهْيٌ بَعْدَ نَهْيٍ؛ ولَوْ كانَ جَوابًا ما دَخَلَتِ النُّونُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ فِيها قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ تَأْوِيلُهُ تَأْوِيلَ الخَبَرِ، إذْ كانَ المَعْنى: إنَّ لا يَتَّقُوها، تُصِبِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ: وغَيْرُهم، أيْ: لا تَقَعُ بِالظّالِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ لَكِنَّها تَقَعُ بِالصّالِحِينَ والطّالِحِينَ؛ فَلَمّا ظَهَرَ الفِعْلُ ظُهُورَ النَّهْيِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى مَعْنى الأمْرِ، إذِ القائِلُ يَقُولُ: لا تَقُمْ، يُرِيدُ: دَعِ القِيامَ، ووَقَّعَ مَعَ هَذا جَوابًا لَلْأمْرِ، أوْ كالجَوابِ لَهُ فَأُكِّدَ لَهُ شِبْهُ النَّهْيِ، فَدَخَلَتِ النُّونُ المَعْرُوفُ دُخُولُها في النَّهْيِ وما يُضارِعُهُ.

والثّانِي: أنَّها نَهْيٌ مَحْضٌ، مَعْناهُ: لا يَقْصِدَنَّ الظّالِمُونَ هَذِهِ الفِتْنَةَ، فَيَهْلَكُوا؛ فَدَخَلَتِ النُّونُ لِتَوْكِيدِ الِاسْتِقْبالِ، كَقَوْلِهِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" . ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تُصِيبَنَّ الفِتْنَةُ الَّذِينَ ظَلَمُوا.

والثّانِي: لا يُصِيبَنَّ عِقابُ الفِتْنَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما ذَنْبُ مَن لَمْ يَظْلِمْ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ بِمُوافَقَتِهِ لَلْأشْرارِ، أوْ بِسُكُوتِهِ عَنِ الإنْكارِ، أوْ بِتَرْكِهِ لَلْفِرارِ، اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ. وقَدْ قَرَأ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا" بِغَيْرِ ألِفٍ.

Al-Anfaal 8:25Listen in Qur'an →
26

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: فارِسٌ والرُّومُ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَضَرُوا بَدْرًا، والمُسْلِمُونَ قَلِيلُونَ يَوْمَئِذٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: فَآَواكم فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَآَواكم إلى المَدِينَةِ بِالهِجْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: جَعَلَ لَكم مَأْوى تَسْكُنُونَ فِيهِ آَمِنِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَوّاكم بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: عَضَّدَكم بِنَصْرِهِ في بَدْرٍ وغَيْرِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الغَنائِمُ الَّتِي أحَلَّها لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها الخَيْراتُ الَّتِي مَكَّنَهم مِنها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

Al-Anfaal 8:26Listen in Qur'an →
27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ وذاكَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا حاصَرَ قُرَيْظَةَ سَألُوهُ أنْ يُصالِحَهم عَلى ما صالَحَ عَلَيْهِ بَنِي النَّضِيرِ، عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى أرْضِ الشّامِ، فَأبى أنْ يُعْطِيَهم ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأبَوْا، وَقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ، وكانَ مُناصِحًا لَهم، لِأنَّ ولَدَهُ وأهْلَهُ كانُوا عِنْدَهم، فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى، أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا، فَأطاعُوهُ، فَكانَتْ تِلْكَ خِيانَتَهُ؛ قالَ أبُو لُبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَرَفْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ونَزَلْتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأكْثَرِينَ. ورُوِيَ «أنَّ أبا لُبابَةَ رَبَطَ نَفْسَهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقالَ: واللَّهِ لا أحِلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحِلُّنِي، فَجاءَ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ، فَقالَ: أبُو لُبابَةَ: إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمِيَ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثَ" .»

والثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنْ أبا سُفْيانَ في مَكانِ كَذا وكَذا، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ "اخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا" فَكَتَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكم، فَخُذُوا حِذْرَكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، قالَهُ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.

والرّابِعُ: «أنَّ قَوْمًا كانُوا يَسْمَعُونَ الحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيُفْشُونَهُ حَتّى يَبْلُغَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ السُّدِّيُّ. وفي خِيانَةِ اللَّهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: تَرْكُ فَرائِضِهِ. والثّانِي: مَعْصِيَةُ رَسُولِهِ. وفي خِيانَةِ الرَّسُولِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: مُخالَفَتُهُ في السِّرِّ بَعْدَ طاعَتِهِ في الظّاهِرِ. والثّانِي: تَرْكُ سُنَّتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالأماناتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الفَرائِضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي خِيانَتِها قَوْلانِ. أحْداهُما: تَنْقِيصُها. والثّانِي: تَرْكُها.

والثّانِي: أنَّها الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: لا تُظْهِرُوا الإيمانَ وتُبْطِنُوا الكُفْرَ.

والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في خِيانَةِ كُلِّ مُؤْتَمَنٍ، ويُؤَكِّدُهُ نُزُولُها في ما جَرى لِأبِي لَبابَةَ.

Al-Anfaal 8:27Listen in Qur'an →
28

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

And know that your properties and your children are but a trial and that Allah has with Him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

Al-Anfaal 8:28Listen in Qur'an →
29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

O you who have believed, if you fear Allah, He will grant you a criterion and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allah is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا خِطابٌ لِأبِي لُبابَةَ، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أمْوالٌ وأوْلادٌ عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأمّا الفِتْنَةُ، فالمُرادُ بِها: الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ الَّذِي يُظْهِرُ ما في النَّفْسِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أوْ تَجَنُّبِهِ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، واجْتِنابِ الخِيانَةِ لَلَّهِ ورَسُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المَخْرَجُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: يَجْعَلُ لَكم مَخْرَجًا في الدِّينِ مِنَ الضَّلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّجاةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ هُدًى في قُلُوبِهِمْ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

Al-Anfaal 8:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ

And [remember, O Muhammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allah plans. And Allah is the best of planners.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هَذِهِ الآَيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأعْرافِ: ٨٦] فالمَعْنى: أذْكِرِ المُؤْمِنِينَ ما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ مَكْرِهِمْ

قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: «لَمّا بُويِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وأمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَلْحَقُوا بِالمَدِينَةِ، أشْفَقَتْ قُرَيْشٌ أنْ يَعْلُوَ أمْرُهُ، وقالُوا: واللَّهِ لَكَأنَّكم بِهِ قَدْ كَرَّ عَلَيْكم بِالرِّجالِ، فاجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِن أشْرافِهِمْ لَيَدْخُلُوا دارَ النَّدْوَةِ فَيَتَشاوَرُوا في أمْرِهِ، فاعْتَرَضَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ، فَقالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ أنا شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، سَمِعْتُ ما اجْتَمَعْتُمْ لَهُ، فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكم، ولَنْ تُعْدَمُوا مِن رَأْيِي نُصْحًا، فَقالُوا: ادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهم، فَقالُوا: انْظُرُوا في أمْرِ هَذا الرَّجُلِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: احْبِسُوهُ في وِثاقٍ، وتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ. فَقالَ إبْلِيسُ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَثِبَ أصْحابُهُ فَيَأْخُذُوهُ مِن أيْدِيكم. فَقالَ قائِلٌ: أخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم. فَقالَ: ما هَذا بِرَأْيٍ، يُوشِكُ أنْ يَجْمَعَ عَلَيْكم ثُمَّ يَسِيرُ إلَيْكم. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: نَأْخُذُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ غُلامًا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ غُلامٍ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيُفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَما ظَنُّ هَذا الحَيِّ مِن قُرَيْشٍ يَقْوى عَلى ضَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَقْبَلُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ. فَقالَ إبْلِيسُ: هَذا واللَّهِ الرَّأْيُ. فَتَفَرَّقُوا عَنْ ذَلِكَ. وأتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأخْبَرَهُ بِمَكْرِ القَوْمِ، فَلَمْ يَبِتْ في مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وأمَرَ عَلِيًّا فَباتَ في مَكانِهِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَهُ، فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أذِنَ لَهُ اللَّهُ في الخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وجاءَ المُشْرِكُونَ لَمّا أصْبَحُوا، فَرَأوْا عَلِيًّا، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ؟ قالَ: لا أدْرِي، فاقْتَصُّوا أثَرَهُ حَتّى بَلَغُوا الجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالغارِ، فَرَأوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: لَوْ دَخَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ.» فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: لِيَحْبِسُوكَ. يُقالُ: فُلانٌ مُثْبِتٌ وجَعًا: إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الحَرَكَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِيُثْبِتُوكَ في الوَثاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: لِيُثْبِتُوكَ في الحَبْسِ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ. وكانَ القَوْمُ أرادُوا أنْ يَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ ويَشُدُّوا عَلَيْهِ بابَهُ ويُلْقُوا إلَيْهِ الطَّعامَ والشَّرابَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ المَكْرِ في [آَلِ عِمْرانَ:٥٤] .

Al-Anfaal 8:30Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.