Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 11–20 of 75

11

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قَوْلُهُ تَعالى: " إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَة مِنهُ " قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى: وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى، في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرُوا إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "إذْ يَغْشاكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وألِفِ "النُّعاسُ" بِالرَّفْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُغَشِّيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ مُشَدَّدَةَ الشِّينِ مَكْسُورَةً "النُّعاسَ" بِالنَّصْبِ. وقَرَأ نافِعٌ "يُغْشِيكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ الغَيْنِ وكَسْرِ الشِّينِ النُّعاسَ بِالنَّصْبِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الكَلامُ راجِعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ. قالَ الزَّجّاجُ: "وَأمَنَةً" مَنصُوبٌ: مَفْعُولٌ لَهُ، كَقَوْلِكَ: فَعَلْتَ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ. يُقالُ: أمِنتَ آَمَنَ أمْنًا وأمانًا وأمَنَةً. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أمَنَةً مِنهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ رَمْلَةٌ، وغَلَبَهُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، فَأصابَ المُسْلِمِينَ الظَّمَأُ، وجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، وألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الوَسْوَسَةَ، يَقُولُ: تَزْعُمُونَ أنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ، وقَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ، وأنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا، واشْتَدَّ الرَّمْلُ حِينَ أصابَهُ المَطَرُ، وأزالَ اللَّهُ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وهو وسْواسُهُ، حَيْثُ قالَ: قَدْ غَلَبَكُمُ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ.» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رِجْزُ الشَّيْطانِ: كَيْدُهُ، حَيْثُ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ساءَهم عَدَمُ الماءِ عِنْدَ فَقْرِهِمْ إلَيْهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ السَّماءَ، فَزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ الَّتِي تُكْسِبُ عَذابَ اللَّهِ وغَضَبَهُ، إذِ الرِّجْزُ: العَذابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ الرَّبْطُ: الشَّدُّ. و"عَلى" في قَوْلِ بَعْضِهِمْ صِلَةٌ، فالمَعْنى: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم. وفي الَّذِي رَبَطَ بِهِ قُلُوبَهم وقَوّاها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الإيمانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ المَطَرُ الَّذِي أرْسَلَهُ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَهم بَعْدَ اضْطِرابِها بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الماءِ؛ فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمَلَةً، فاشْتَدَّتْ بِالمَطَرِ، وثَبَتَتْ عَلَيْها الأقْدامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّبْطِ، فالمَعْنى: ويُثَبِّتُ بِالرَّبْطِ الأقْدامَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

Al-Anfaal 8:11Listen in Qur'an →
12

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.

والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

Al-Anfaal 8:12Listen in Qur'an →
13

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

That is because they opposed Allah and His Messenger. And whoever opposes Allah and His Messenger - indeed, Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.

والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

Al-Anfaal 8:13Listen in Qur'an →
14

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَلائِكَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ. ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟ كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.

والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا. وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ. فَإذا ألْقَيْتَ الباءَ، نَصَبْتَ. وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.

Al-Anfaal 8:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [for battle], do not turn to them your backs [in flight].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ. والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى:

لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ:٦٦] فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ. وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم. ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.»

Al-Anfaal 8:15Listen in Qur'an →
16

وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allah, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ. والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى:

لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ. وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ:٦٦] فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ. وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم. ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.»

Al-Anfaal 8:16Listen in Qur'an →
17

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And you did not kill them, but it was Allah who killed them. And you threw not, [O Muhammad], when you threw, but it was Allah who threw that He might test the believers with a good test. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ.

والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم. والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم. والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم. والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ. إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ. وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ. والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ …

Al-Anfaal 8:17Listen in Qur'an →
18

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ

That [is so], and [also] that Allah will weaken the plot of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما. وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ.

والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم. والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم. والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم. والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ. إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم. وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ. وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ. والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ …

Al-Anfaal 8:18Listen in Qur'an →
19

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you [disbelievers] seek the victory - the defeat has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allah is with the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وسَألُوهُ الفَتْحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأكْرَمَ القَبِيلَتَيْنِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم قالُوا بِمَكَّةَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ الآَيَةُ[الأنْفالِ:٣٢]، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَخَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: "إنْ تَسْتَفْتِحُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ؛ وهو الأشْهَرُ.

وَفِي الِاسْتِفْتاحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْصارُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، كانَ المَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ احْتَمَلَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ عَلَيْكم. والثّانِي: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْتاحَ: طَلَبُ الحُكْمِ، والمَعْنى: إنْ تَسْألُوا الحُكْمَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَهو خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكَفْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: إنْ تَنْتَهُوا عَنِ اسْتِفْتاحِكم، فَهو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ، لا لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى القِتالِ، نَعُدْ إلى هَزِيمَتِكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى الِاسْتِفْتاحِ، نَعُدْ إلى الفَتْحِ لَمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أيْ: جَماعَتُكم وإنْ كَثُرَتْ، ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَإنَّ اللَّهَ" بِكَسْرِ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ "أنْ" اسْتَأْنَفَ. قالَ الفَرّاءُ: وهو أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها. ومَن فَتَحَها، أرادَ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تُوَلُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّانِي: لا تُوَلُّوا عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآَنِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ …

Al-Anfaal 8:19Listen in Qur'an →
20

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ

O you who have believed, obey Allah and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وسَألُوهُ الفَتْحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ. والثّانِي: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأكْرَمَ القَبِيلَتَيْنِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهم قالُوا بِمَكَّةَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ الآَيَةُ[الأنْفالِ:٣٢]، فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَخَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: "إنْ تَسْتَفْتِحُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. والثّانِي: المُشْرِكُونَ؛ وهو الأشْهَرُ.

وَفِي الِاسْتِفْتاحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِنْصارُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، كانَ المَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّهُمُ المُشْرِكُونَ؛ احْتَمَلَ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ عَلَيْكم. والثّانِي: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ النَّصْرُ لِأحَبِّ الفَرِيقَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْتاحَ: طَلَبُ الحُكْمِ، والمَعْنى: إنْ تَسْألُوا الحُكْمَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَهو خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ تَنْتَهُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والكَفْرِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: إنْ تَنْتَهُوا عَنِ اسْتِفْتاحِكم، فَهو خَيْرٌ لَكم، لِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ، لا لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى القِتالِ، نَعُدْ إلى هَزِيمَتِكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى الِاسْتِفْتاحِ، نَعُدْ إلى الفَتْحِ لَمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ أيْ: جَماعَتُكم وإنْ كَثُرَتْ، ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالعَوْنِ والنَّصْرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَإنَّ اللَّهَ" بِكَسْرِ الألِفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ "أنْ" اسْتَأْنَفَ. قالَ الفَرّاءُ: وهو أحَبُّ إلَيَّ مِن فَتْحِها. ومَن فَتَحَها، أرادَ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تُوَلُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

والثّانِي: لا تُوَلُّوا عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآَنِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ …

Al-Anfaal 8:20Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.