Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠

تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ …

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠

تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ …

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠

تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ …

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ ما يُرْهِبُ بِهِ العَدُوَّ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِظْهارِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهم عِنْدَ الإرْهابِ إذا جَنَحُوا أيْ مالُوا إلى الصُّلْحِ، فالحُكْمُ قَبُولُ الصُّلْحِ. قالَ النَّضْرُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى فُلانٍ، وجَنَحَ لَهُ إذا تابَعَهُ وخَضَعَ لَهُ، والمَعْنى: إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ وأنَّثَ الهاءَ في لَها؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِها قَصْدَ الفَعْلَةِ والجَنْحَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أرادَ مِن بَعْدِ فَعْلَتِهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السَّلْمُ تُؤَنَّثُ

صفحة ١٥٠

تَأْنِيثَ نَقِيضِها وهي الحَرْبُ. قالَ الشّاعِرُ:

السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِلسِّلْمِ بِكَسْرِ السِّينِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] وقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ لَكِنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالصُّلْحِ إذا كانَ الصَّلاحُ فِيهِ، فَإذا رَأى مُصالَحَتَهم فَلا يَجُوزُ أنْ يُهادِنَهم سَنَةً كامِلَةً، وإنْ كانَتِ القُوَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ جازَ مُهادَنَتُهم لِلْمُسْلِمِينَ عَشْرَ سِنِينَ ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلَيْها اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ هادَنَ أهْلَ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّهم نَقَضُوا العَهْدَ قَبْلَ كَمالِ المُدَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ فالمَعْنى فَوِّضِ الأمْرَ فِيما عَقَدْتَهُ مَعَهم إلى اللَّهِ لِيَكُونَ عَوْنًا لَكَ عَلى السَّلامَةِ، ولِكَيْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ إذا نَقَضُوا العَهْدَ وعَدَلُوا عَنِ الوَفاءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلى الزَّجْرِ عَنْ نَقْضِ الصُّلْحِ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُهُ العِبادُ، وسامِعٌ لِما يَقُولُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ووُرُودُها فِيهِمْ لا يَمْنَعُ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِ عُمُومِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصُّلْحِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمًا مِن أحْكامِ الصُّلْحِ وهو أنَّهم إنْ صالَحُوا عَلى سَبِيلِ المُخادَعَةِ، وجَبَ قَبُولُ ذَلِكَ الصُّلْحِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ يُبْنى عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الصُّلْحَ لا يَكُونُ أقْوى حالًا مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا بَنَيْنا أمْرَ الإيمانِ عَلى الظّاهِرِ لا عَلى الباطِنِ، فَهَهُنا أوْلى ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قالَ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ العَهْدِ، وهَذا يُناقِضُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ بِأماراتٍ قَوِيَّةٍ دالَّةٍ عَلَيْها، وتُحْمَلُ هَذِهِ …

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ عِنْدَ مُخادَعَةِ الأعْداءِ، وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُطْلَقًا عَلى

صفحة ١٥٣

جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّكْرارِ؛ لِأنَّ المَعْنى في الآيَةِ الأُولى: إنْ أرادُوا خِداعَكَ كَفاكَ اللَّهُ أمْرَهم، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الأنْصارُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَ المُفَسِّرُونَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، كُتِبَتْ في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: اللَّهُ كافِيكَ وكافِي أتْباعِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ الفَرّاءُ: الكافُ في ”حَسْبُكَ“ خَفْضٌ ”ومَن“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ والمَعْنى: يَكْفِيكَ اللَّهُ ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ، قالَ الشّاعِرُ:

إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

قالَ: ولَيْسَ بِكَثِيرٍ مِن كَلامِهِمْ أنْ يَقُولُوا: حَسْبُكَ وأخاكَ، بَلِ المُعْتادُ أنْ يُقالَ حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى كَفاكَ اللَّهُ وكَفاكَ أتْباعُكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. قالَ الفَرّاءُ: وهَذا أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ، أيْ ويُمْكِنُ أنْ يُنْصَرَ القَوْلُ الأوَّلُ بِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ ناصِرَهُ امْتَنَعَ أنْ يَزْدادَ حالُهُ أوْ يَنْقُصَ بِسَبَبِ نُصْرَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وأيْضًا إسْنادُ الحُكْمِ إلى المَجْمُوعِ يُوهِمُ أنَّ الواحِدَ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ لا يَكْفِي في حُصُولِ ذَلِكَ المُهِمِّ، وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، إلّا أنَّ مِن أنْواعِ النُّصْرَةِ ما لا يَحْصُلُ بِناءً عَلى الأسْبابِ المَأْلُوفَةِ المُعْتادَةِ، ومِنها ما يَحْصُلُ بِناءً عَلى الأسْبابِ المَأْلُوفَةِ المُعْتادَةِ، فَلِهَذا الفَرْقِ اعْتَبَرَ نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يَكْفِيكَ بِنَصْرِهِ وبِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنَ الواجِبِ أنْ تَتَّكِلَ عَلى ذَلِكَ إلّا بِشَرْطِ أنْ تُحَرِّضَ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ فَإنَّهُ تَعالى إنَّما يَكْفِيكَ بِالكِفايَةِ بِشَرْطِ أنْ يَحْصُلَ مِنهم بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ في المُجاهَدَةِ. فَقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ كالتَّحْضِيضِ وهو الحَثُّ عَلى الشَّيْءِ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ في اشْتِقاقِهِ وجْهًا آخَرَ بَعِيدًا، فَقالَ: التَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ أنْ يَحُثَّ الإنْسانُ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ حَثًّا يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ كانَ حارِضًا، والحارِضُ الَّذِي قارَبَ الهَلاكَ، أشارَ بِهَذا إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَوْ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ بَعْدَ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ، كانُوا حارِضِينَ، أيْ هالِكِينَ. فَعِنْدَهُ التَّحْرِيضُ مُشْتَقٌّ مِن …

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

صفحة ١٥٥

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَبْعَثُ العَشَرَةَ إلى وجْهِ المِائَةِ، بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا قِبَلَ بَدْرٍ إلى قَوْمٍ فَلَقِيَهم أبُو جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ وأرادُوا قِتالَهم، فَمَنَعَهم حَمْزَةُ» «وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلى خالِدِ بْنِ صَفْوانَ الهُذَلِيِّ وكانَ في جَماعَةٍ، فابْتَدَرَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُ لِي، فَقالَ: ”إنَّكَ إذا رَأيْتَهُ ذَكَرْتَ الشَّيْطانَ ووَجَدْتَ لِذَلِكَ قَشْعَرِيرَةً وقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ جَمَعَ لِي فاخْرُجْ إلَيْهِ واقْتُلْهُ“ قالَ: فَخَرَجْتُ نَحْوَهُ فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وجَدْتُ القَشْعَرِيرَةَ فَقالَ لِي: مَنِ الرَّجُلُ ؟ قُلْتُ لَهُ: مِنَ العَرَبِ، سَمِعْتُ بِكَ وبِجَمْعِكَ، ومَشَيْتُ مَعَهُ حَتّى إذا تَمَكَّنْتُ مِنهُ قَتَلْتُهُ بِالسَّيْفِ وأسْرَعْتُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وذَكَرْتُ أنِّي قَتَلْتُهُ، فَأعْطانِي عَصًا وقالَ: ”أمْسِكْها فَإنَّها آيَةٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ يَوْمَ القِيامَةِ“» ثُمَّ إنَّ هَذا التَّكْلِيفَ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَأزالَهُ اللَّهُ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ التَّكْلِيفُ الأوَّلُ ضَجَّ المُهاجِرُونَ، وقالُوا: يا رَبِّ نَحْنُ جِياعٌ وعَدُوُّنا شِباعٌ، ونَحْنُ في غُرْبَةٍ وعَدُوُّنا في أهْلِيهِمْ، ونَحْنُ قَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا وعَدُوُّنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ الأنْصارُ: شُغِلْنا بِعَدُوِّنا وواسَيْنا إخْوانَنا، فَنَزَلَ التَّخْفِيفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّما أُمِرَ الرَّجُلُ أنْ يَصْبِرَ لِعَشَرَةٍ، والعَشَرَةُ لِمِائَةٍ حالَ ما كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيُّما رَجُلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، فَإنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، والحاصِلُ أنَّ الجُمْهُورَ ادَّعَوْا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ناسِخٌ لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذا النَّسْخَ، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَهَبْ أنّا نَحْمِلُ هَذا الخَبَرَ عَلى الأمْرِ إلّا أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ مَشْرُوطًا بِكَوْنِ العِشْرِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّبْرِ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ هَؤُلاءِ، فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ حُكْمٍ عِنْدَ شَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَفْقُودٌ في حَقِّ هَذِهِ الجَماعَةِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الحُكْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ البَتَّةَ.

فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مَعْناهُ: لِيَكُنِ العِشْرُونَ الصّابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّسْخُ لازِمٌ.

قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: إنْ حَصَلَ عِشْرُونَ صابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، فَلْيَشْتَغِلُوا بِجِهادِهِمْ ؟ والحاصِلُ أنَّ لَفْظَ …

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْلِيمُ حُكْمٍ آخَرَ مِن أحْكامِ الغَزْوِ والجِهادِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَكُونَ“ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِالتّاءِ فَعَلى لَفْظِ الأسْرى؛ لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرَ لِلرِّجالِ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فَلِأنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ، والأسْرى مُذَكَّرُونَ في المَعْنى، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إذا انْفَرَدَ أوْجَبَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: جاءَ الرِّجالُ وحَضَرَ قَبِيلَتُكَ وحَضَرَ القاضِيَ امْرَأةٌ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ التَّذْكِيرُ أوْلى، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّعْرِيفِ و”أُسارى“ و”يُثَخِّنَ“ بِالتَّشْدِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ عَمُّهُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ أبا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقالَ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، فَقامَ عُمَرُ وقالَ: كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فَقَدِّمْهم واضْرِبْ أعْناقَهم، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، فَمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ ومَكِّنِّي مِن فُلانٍ يُنْسَبُ لَهُ فَنَضْرِبُ أعْناقَهم. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائِدَةِ: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٨٨] ومالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ»، رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: «يا أبا حَفْصٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما كَنّاهُ، تَأْمُرُنِي أنْ أقْتُلَ العَبّاسَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: ويْلٌ لِعُمَرَ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ»، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ أشارَ بِأنْ تُضْرَمَ عَلَيْهِمْ نارٌ كَثِيرَةُ الحَطَبِ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ»، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ:“ «لا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ بِضَرْبِ العُنُقِ”فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واشْتَدَّ خَوْفِي، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ:“إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ ”» وعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقَوْمِ:“ «إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمُوهم واسْتُشْهِدَ مِنكم …

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْلِيمُ حُكْمٍ آخَرَ مِن أحْكامِ الغَزْوِ والجِهادِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَكُونَ“ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِالتّاءِ فَعَلى لَفْظِ الأسْرى؛ لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرَ لِلرِّجالِ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فَلِأنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ، والأسْرى مُذَكَّرُونَ في المَعْنى، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إذا انْفَرَدَ أوْجَبَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: جاءَ الرِّجالُ وحَضَرَ قَبِيلَتُكَ وحَضَرَ القاضِيَ امْرَأةٌ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ التَّذْكِيرُ أوْلى، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّعْرِيفِ و”أُسارى“ و”يُثَخِّنَ“ بِالتَّشْدِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ عَمُّهُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ أبا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقالَ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، فَقامَ عُمَرُ وقالَ: كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فَقَدِّمْهم واضْرِبْ أعْناقَهم، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، فَمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ ومَكِّنِّي مِن فُلانٍ يُنْسَبُ لَهُ فَنَضْرِبُ أعْناقَهم. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائِدَةِ: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٨٨] ومالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ»، رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: «يا أبا حَفْصٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما كَنّاهُ، تَأْمُرُنِي أنْ أقْتُلَ العَبّاسَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: ويْلٌ لِعُمَرَ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ»، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ أشارَ بِأنْ تُضْرَمَ عَلَيْهِمْ نارٌ كَثِيرَةُ الحَطَبِ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ»، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ:“ «لا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ بِضَرْبِ العُنُقِ”فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واشْتَدَّ خَوْفِي، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ:“إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ ”» وعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقَوْمِ:“ «إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمُوهم واسْتُشْهِدَ مِنكم …

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ كَثُرَ أقاوِيلُ النّاسِ في تَفْسِيرِ هَذا الكِتابِ السّابِقِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها ونَذْكُرُ ما فِيها مِنَ المَباحِثِ:

فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الغَنائِمِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ لَمَسَّكُمُ العَذابُ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ هَلْ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ فَإنْ كانَ التَّحْلِيلُ والإذْنُ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ امْتَنَعَ إنْزالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما كانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِن قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ العِقابُ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الإذْنَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

فَإنْ قالُوا: إنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العِقابِ.

قُلْنا: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إنْزالُ العِقابِ بِسَبَبِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِقابِ.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنِّي لا أُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكم فِيما صَنَعْتُمْ، وأنَّهُ تَعالى ما نَهاهم عَنْ أخْذِ الفِداءِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: حاصِلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ما وُجِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ الفِداءِ، فَهَلْ حَصَلَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: حَصَلَ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الحُرْمَةَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ ما يَقْتَضِي المَنعَ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ المَنعُ حاصِلًا، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَنعُ حاصِلًا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، وإذا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى فِعْلِهِ ؟

القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهم ما مُنِعُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي والزِّنا والخَمْرِ وما هُدِّدُوا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكالِيفِ عَنْهم ولا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأيْضًا فَلَوْ صارَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ آخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ المَوْضِعِ بِعَيْنِهِ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعَيْنِها، وكَيْفَ وجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا العِقابَ القَوِيَّ ؟

والقَوْلُ الرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّ مَن أتى ذَنْبًا بِجَهالَةٍ، فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِهِ لَمَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا مِن جِنْسِ ما سَبَقَ.

واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ، والمُعْتَمَدُ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: أمّا عَلى قَوْلِنا: فَنَقُولُ: يَجُوزُ أنْ

صفحة ١٦٢

يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِ الكَبائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ مَعْناهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ …

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لَمّا أخَذَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وشَقَّ عَلَيْهِمْ أخْذُ أمْوالِهِمْ مِنهم، ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِمالَةً لَهم فَقالَ:( «﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلِ بْنِ الحارِثِ، كانَ العَبّاسُ أسِيرًا يَوْمَ بَدْرٍ ومَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ أخْرَجَها لِيُطْعِمَ النّاسَ، وكانَ أحَدَ العَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا الطَّعامَ لِأهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ تَبْلُغْهُ التَّوْبَةُ حَتّى أُسِرَ، فَقالَ العَبّاسُ: كُنْتُ مُسْلِمًا إلّا أنَّهم أكْرَهُونِي، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُهُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ“ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، قالَ العَبّاسُ: فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الذَّهَبَ عَلَيَّ، فَقالَ: ”أمّا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنا فَلا“ قالَ: وكَلَّفَنِي الرَّسُولُ فِداءَ ابْنِ أخِي عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءَ نَوْفَلِ بْنِ

صفحة ١٦٣

الحارِثِ»، فَقالَ العَبّاسُ: تَرَكْتَنِي يا مُحَمَّدُ أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي، فَإنْ حَدَثَ بِي حادِثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ“ فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ”أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي“ قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذْ أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ، وما أُحِبُّ أنَّ لِيَ بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا، فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ، وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ، فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو المَغْفِرَةَ»، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في العَبّاسِ خاصَّةً، أوْ في جُمْلَةِ الأُسارى، قالَ قَوْمٌ: إنَّها في العَبّاسِ خاصَّةً، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها نَزَلَتْ في الكُلِّ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ مِن سِتَّةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ .

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأسْرى﴾ .

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ .

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا﴾ .

وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ .

وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ .

فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الألْفاظُ السِّتَّةُ عَلى العُمُومِ، فَما المُوجِبُ لِلتَّخْصِيصِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ هو العَبّاسُ، إلّا أنَّ …

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.