Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالمُقاتَلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ عِنْدَ المُقاتَلَةِ قَدْ تَحْصُلُ الغَنِيمَةُ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الغَنِيمَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الغُنْمُ: الفَوْزُ بِالشَّيْءِ، يُقالُ: غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْمًا فَهو غانِمٌ، والغَنِيمَةُ في الشَّرِيعَةِ ما دَخَلَتْ في أيْدِي المُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ بِالخَيْلِ والرِّكابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مَوْصُولَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ كانَ حَتّى الخَيْطِ﴿فَأنَّ لِلَّهِ﴾ خَبَرُ ”أنَّ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَحَقٌّ أوْ فَواجِبٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، ورَوى النَّخَعِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ”فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ“ بِالكَسْرِ، وتَقْدِيرُهُ عَلى قِراءَةِ النَّخَعِيِّ: فَلِلَّهِ خُمُسُهُ، والمَشْهُورُ آكَدُ وأثْبَتُ لِلْإيجابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ الخُمُسِ فِيهِ، ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حُذِفَ الخَبَرُ واحْتَمَلَ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ المُقَدَّراتِ كَقَوْلِكَ: ثابِتٌ، واجِبٌ، حَقٌّ، لازِمٌ، كانَ أقْوى لِإيجابِهِ مِنَ النَّصِّ عَلى واحِدٍ، وقُرِئَ ”خُمْسَهُ“ بِالسُّكُونِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الغَنائِمِ.

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ يُؤْخَذَ خُمْسُها، وفي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ ذَلِكَ الخُمْسِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ الخُمْسَ يُخْمَسُ، فَسَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، وسَهْمٌ لِذَوِي قُرْباهُ مِن بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوْفَلٍ، لِما رُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أنَّهُما قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا يُنْكَرُ فَضْلُهم لِكَوْنِكَ مِنهم أرَأيْتَ إخْوانَنا بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» “، وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْيَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُصْرَفُ إلى ما كانَ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَعُدَّةِ الغُزاةِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ، وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى مِن أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ يُقَسَّمُ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، والباقِي لِلْفِرَقِ الثَّلاثَةِ وهم: اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَهْمُهُ ساقِطٌ بِسَبَبِ مَوْتِهِ، وكَذَلِكَ سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، فَهم أُسْوَةُ سائِرِ الفُقَراءِ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهم فَيُقْسَمُ عَلى اليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ. وقالَ مالِكٌ: الأمْرُ في الخُمْسِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ، إنْ رَأى …

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْناهُ: واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ كَذا وكَذا، كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنْفالِ: ٢٦] .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ﴾ بَدَلًا عَنْ يَوْمِ الفُرْقانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”بِالعِدْوَةِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الوادِي وعِدْوَتُهُ جانِبُهُ، والجَمْعُ عُدًى، وعِدًى. قالَ الأخْفَشُ: الكَسْرُ كَلامُ العَرَبِ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهم غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الضَّمُّ في العُدْوَةِ أكْثَرُ اللُّغَتَيْنِ، وحَكى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الضَّمَّ والفَتْحَ والكَسْرَ، قالَ: وقُرِئَ بِهِنَّ و”بِالعُدْيَةِ“ عَلى قَلْبِ الواوِ ياءً؛ لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَ الكَسْرِ حاجِزًا غَيْرَ حَصِينٍ، كَما في الفِتْيَةِ، وأمّا ”الدُّنْيا“ فَتَأْنِيثُ الأدْنى وضِدُّهُ ”القُصْوى“ وهو تَأْنِيثُ الأقْصى، وكُلُّ شَيْءٍ تَنَحّى عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ قَصا، والأقْصى والقُصْوى كالأكْبَرِ والكُبْرى.

فَإنْ قِيلَ: كِلْتاهُما فُعْلى مِن بابِ الواوِ، فَلِمَ جاءَتْ إحْداهُما بِالياءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟

قُلْنا: القِياسُ قَلْبُ الواوِ ياءً، كالعُلْيا، وأمّا القُصْوى، فَقَدْ جاءَ شاذًّا، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ عَلى أصْلِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ما يَلِي جانِبَ المَدِينَةِ، وبِالقُصْوى ما يَلِي جانِبَ مَكَّةَ وكانَ الماءُ في العُدْوَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها المُشْرِكُونَ، وكانَ اسْتِظْهارُهم مِن هَذا الوَجْهِ أشَدَّ، ”والرَّكْبُ“ العِيرُ الَّتِي خَرَجُوا لَها كانَتْ في مَوْضِعٍ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ إلى ساحِلِ البَحْرِ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنْتُمْ وأهْلُ مَكَّةَ عَلى القِتالِ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا لِقِلَّتِكم وكَثْرَتِهِمْ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ أنَّهُ يُثَبِّتُكُمُ اللَّهُ، ويَنْصُرُكم، لِيَقْضِيَ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، واجِبًا أنْ يَخْرُجَ إلى الفِعْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَقْضِيَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ عَسْكَرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا في غايَةِ الخَوْفِ والضَّعْفِ بِسَبَبِ القِلَّةِ وعَدَمِ الأُهْبَةِ، ونَزَلُوا بَعِيدِينَ عَنِ الماءِ، وكانَتِ الأرْضُ الَّتِي نَزَلُوا فِيها أرْضًا رَمْلِيَّةً تَغُوصُ فِيها أرْجُلُهم، وأمّا الكُفّارُ فَكانُوا في غايَةِ القُوَّةِ بِسَبَبِ الكَثْرَةِ في العَدَدِ، وبِسَبَبِ حُصُولِ الآلاتِ والأدَواتِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِينَ مِنَ الماءِ؛ ولِأنَّ الأرْضَ الَّتِي نَزَلُوا فِيها كانَتْ صالِحَةً لِلْمَشْيِ؛ ولِأنَّ العِيرَ كانُوا خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، وكانُوا يَتَوَقَّعُونَ مَجِيءَ المَدَدِ مِنَ العِيرِ إلَيْهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَلَبَ القِصَّةَ وعَكَسَ القَضِيَّةَ، وجَعَلَ الغَلَبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، والدَّمارَ عَلى الكافِرِينَ فَصارَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وأقْوى البَيِّناتِ

صفحة ١٣٥

عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فِيما أخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ مِن …

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى أهْلِ بَدْرٍ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمَ الفُرْقانِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في أعْيُنِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُجاهِدٌ: أرى اللَّهُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كُفّارَ قُرَيْشٍ في مَنامِهِ قَلِيلًا فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ. فَقالُوا: رُؤْيا النَّبِيِّ حَقٌّ، القَوْمُ قَلِيلٌ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَتِهِمْ وقُوَّةِ قُلُوبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: رُؤْيَةُ الكَثِيرِ قَلِيلًا غَلَطٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ؟

صفحة ١٣٦

قُلْنا: مَذْهَبُنا أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأيْضًا لَعَلَّهُ تَعالى أراهُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ رَآهم بِأنَّهم قَلِيلُونَ. وعَنِ الحَسَنِ: هَذِهِ الإراءَةُ كانَتْ في اليَقَظَةِ. قالَ: والمُرادُ مِنَ المَنامِ العَيْنُ الَّتِي هي مَوْضِعُ النَّوْمِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ لَذَكَرْتَهُ لِلْقَوْمِ ولَوْ سَمِعُوا ذَلِكَ لَفَشِلُوا ولَتَنازَعُوا، ومَعْنى التَّنازُعِ في الأمْرِ الِاخْتِلافُ الَّذِي يُحاوِلُ بِهِ كُلُّ واحِدٍ نَزْعَ صاحِبِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ، والمَعْنى: لاضْطَرَبَ أمْرُكم واخْتَلَفَتْ كَلِمَتُكُمْ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَكم مِنَ المُخالَفَةِ فِيما بَيْنَكم. وقِيلَ: سَلَّمَ اللَّهُ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وقِيلَ: سَلَّمَهم مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَكم مِنَ التَّنازُعِ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما يَحْصُلُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ والجُبْنِ والصَّبْرِ والجَزَعِ.

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمُرادُ أنَّ القَلِيلَ الَّذِي حَصَلَ في النَّوْمِ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِحُصُولِهِ في اليَقَظَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وإذْ يُرِيكُمُوهم“ الضَّمِيرانِ مَفْعُولانِ يَعْنِي إذْ يُبَصِّرُكم إيّاهم، و”قَلِيلًا“ نُصِبَ عَلى الحالِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَلَّلَ عَدَدَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، وقَلَّلَ أيْضًا عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ. والحِكْمَةُ في التَّقْلِيلِ الأوَّلِ تَصْدِيقُ رُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ، وأيْضًا لِتَقْوى قُلُوبُهم وتَزْدادَ جَراءَتُهم عَلَيْهِمْ، والحِكْمَةُ في التَّقْلِيلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اسْتَقَلُّوا عَدَدَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُبالِغُوا في الِاسْتِعْدادِ والتَّأهُّبِ والحَذَرِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِيلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُرِيَهُمُ الكَثِيرَ قَلِيلًا ؟

قُلْنا: أمّا عَلى ما قُلْنا فَذاكَ جائِزٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإدْراكَ في حَقِّ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَعَلَّ العَيْنَ مُنِعَتْ مِن إدْراكِ الكُلِّ، أوْ لَعَلَّ الكَثِيرَ مِنهم كانُوا في غايَةِ البُعْدِ فَما حَصَلَتْ رُؤْيَتُهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكانَ ذِكْرُهُ هَهُنا مَحْضَ التَّكْرارِ.

قُلْنا: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هو أنَّهُ تَعالى فَعَلَ تِلْكَ الأفْعالَ لِيَحْصُلَ اسْتِيلاءُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ هَهُنا لَيْسَ هو ذَلِكَ المَعْنى، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أنَّهُ قَلَّلَ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، فَبَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِئَلّا يُبالِغَ الكُفّارُ في تَحْصِيلِ الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْكِسارِهِمْ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَواتِها، وإنَّما المُرادُ مِنها ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زادًا لِيَوْمِ المَعادِ.

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَّمَهم إذا التَقَوْا بِالفِئَةِ وهي الجَماعَةُ مِنَ المُحارِبِينَ نَوْعَيْنِ مِنَ الأدَبِ:

الأوَّلُ: الثَّباتُ وهو أنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى اللِّقاءِ ولا يُحَدِّثُوها بِالتَّوَلِّي.

والثّانِي: أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونُوا بِقُلُوبِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ وبِألْسِنَتِهِمْ ذاكِرِينَ اللَّهَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِذِكْرِهِ في أشَدِّ أحْوالِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ أنْ يُخْلِيَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ولَوْ أنَّ رَجُلًا أقْبَلَ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ يُنْفِقُ الأمْوالَ سَخاءً، والآخَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَ الذّاكِرُ لِلَّهِ أعْظَمَ أجْرًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الذِّكْرِ الدُّعاءُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى.

ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مُقاتَلَةَ الكافِرِ إنْ كانَتْ لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى بَذْلِ الرُّوحِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو أعْظَمُ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ، فَإنْ غَلَبَ الخَصْمَ فازَ بِالثَّوابِ والغَنِيمَةِ، وإنْ صارَ مَغْلُوبًا فازَ بِالشَّهادَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، أمّا إنْ كانَتِ المُقاتَلَةُ لا لِلَّهِ بَلْ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا وطَلَبِ المالِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى الفَلاحِ والنَّجاحِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الثَّباتَ عَلى كُلِّ حالٍ، وهَذا يُوهِمُ أنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

قُلْنا: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الثَّباتَ في الجُمْلَةِ، والمُرادُ مِنَ الثَّباتِ الجِدُّ في المُحارَبَةِ، وآيَةُ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ لا تَقْدَحُ في حُصُولِ الثَّباتِ في المُحارَبَةِ بَلْ كانَ الثَّباتُ في هَذا المَقْصُودِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذَلِكَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِهادَ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ التَّمَسُّكِ بِسائِرِ الطّاعاتِ.

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٣٨

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ تَعالى أنَّ النِّزاعَ يُوجِبُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُوجِبُ حُصُولَ الفَشَلِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةُ، شُبِّهَتِ الدَّوْلَةُ وقْتَ نَفاذِها وتَمْشِيَةِ أمْرِها بِالرِّيحِ وهُبُوبِها، يُقالُ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ ونَفَذَ أمْرُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ نَصْرٌ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» “، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَنازُعَهم مُؤَثِّرًا في ذَهابِ الرِّيحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اخْتِلافَهم لا يُؤَثِّرُ في هُبُوبِ الصَّبا، قالَ مُجاهِدٌ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ نُصْرَتُكم، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ حِينَ تَنازَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالقِياسِ يُفْضِي إلى المُنازَعَةِ، والمُنازَعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِالقِياسِ حَرامًا، بَيانُ المُلازَمَةِ المُشاهَدَةُ، فَإنّا نَرى أنَّ الدُّنْيا صارَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الِاخْتِلافاتِ بِسَبَبِ القِياساتِ، وبَيانُ أنَّ المُنازَعَةَ مُحَرَّمَةٌ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ وأيْضًا القائِلُونَ بِأنَّ النَّصَّ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالقِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ صَرِيحٌ في وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ في كُلِّ ما نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالقِياسِ المُخَصَّصِ بِالنَّصِّ فَقَدْ تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وتَمَسَّكَ بِالقِياسِ الَّذِي يُوجِبُ التَّنازُعَ والفَشَلَ، وكُلُّ ذَلِكَ حَرامٌ، ومُثْبِتُو القِياسِ أجابُوا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قِياسٍ يُوجِبُ المُنازَعَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ كَمالَ أمْرِ الجِهادِ مَبْنِيٌّ عَلى الصَّبْرِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٠٠] وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَ الصّابِرِينَ، ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ لِحِفْظِ العِيرِ، فَلَمّا ورَدُوا الجُحْفَةَ بَعَثَ الحَقّافُ الكِنانِيُّ وكانَ صَدِيقًا لِأبِي جَهْلٍ إلَيْهِ بِهَدايا مَعَ ابْنٍ لَهُ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: إنَّ أبِي يُنْعِمُكَ صَباحًا ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ أنْ أمُدَّكَ بِالرِّجالِ أمْدَدْتُكَ، وإنْ شِئْتَ أنْ أزْحَفَ إلَيْكَ بِمَن مَعِي مِن قَرابَتِي فَعَلْتُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: قُلْ لِأبِيكَ جَزاكَ اللَّهُ والرَّحِمَ خَيْرًا، إنْ كُنّا نُقاتِلُ اللَّهَ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَواللَّهِ ما لَنا بِاللَّهِ مِن طاقَةٍ، وإنْ كُنّا نُقاتِلُ النّاسَ فَواللَّهِ إنَّ بِنا عَلى النّاسِ لَقُوَّةً، واللَّهِ ما نَرْجِعُ عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، فَإنَّ بَدْرًا مَوْسِمٌ مِن مَواسِمِ العَرَبِ، وسُوقٌ مِن أسْواقِهِمْ حَتّى تَسْمَعَ العَرَبُ بِهَذِهِ …

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٣٨

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ تَعالى أنَّ النِّزاعَ يُوجِبُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُوجِبُ حُصُولَ الفَشَلِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةُ، شُبِّهَتِ الدَّوْلَةُ وقْتَ نَفاذِها وتَمْشِيَةِ أمْرِها بِالرِّيحِ وهُبُوبِها، يُقالُ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ ونَفَذَ أمْرُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ نَصْرٌ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ، وفي الحَدِيثِ: ”«نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» “، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَنازُعَهم مُؤَثِّرًا في ذَهابِ الرِّيحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اخْتِلافَهم لا يُؤَثِّرُ في هُبُوبِ الصَّبا، قالَ مُجاهِدٌ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ نُصْرَتُكم، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ حِينَ تَنازَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالقِياسِ يُفْضِي إلى المُنازَعَةِ، والمُنازَعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ العَمَلُ بِالقِياسِ حَرامًا، بَيانُ المُلازَمَةِ المُشاهَدَةُ، فَإنّا نَرى أنَّ الدُّنْيا صارَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الِاخْتِلافاتِ بِسَبَبِ القِياساتِ، وبَيانُ أنَّ المُنازَعَةَ مُحَرَّمَةٌ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ وأيْضًا القائِلُونَ بِأنَّ النَّصَّ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالقِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ صَرِيحٌ في وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ في كُلِّ ما نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِأنْ قالَ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالقِياسِ المُخَصَّصِ بِالنَّصِّ فَقَدْ تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وتَمَسَّكَ بِالقِياسِ الَّذِي يُوجِبُ التَّنازُعَ والفَشَلَ، وكُلُّ ذَلِكَ حَرامٌ، ومُثْبِتُو القِياسِ أجابُوا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قِياسٍ يُوجِبُ المُنازَعَةَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ كَمالَ أمْرِ الجِهادِ مَبْنِيٌّ عَلى الصَّبْرِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٠٠] وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَ الصّابِرِينَ، ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المَعِيَّةِ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ لِحِفْظِ العِيرِ، فَلَمّا ورَدُوا الجُحْفَةَ بَعَثَ الحَقّافُ الكِنانِيُّ وكانَ صَدِيقًا لِأبِي جَهْلٍ إلَيْهِ بِهَدايا مَعَ ابْنٍ لَهُ، فَلَمّا أتاهُ قالَ: إنَّ أبِي يُنْعِمُكَ صَباحًا ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ أنْ أمُدَّكَ بِالرِّجالِ أمْدَدْتُكَ، وإنْ شِئْتَ أنْ أزْحَفَ إلَيْكَ بِمَن مَعِي مِن قَرابَتِي فَعَلْتُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: قُلْ لِأبِيكَ جَزاكَ اللَّهُ والرَّحِمَ خَيْرًا، إنْ كُنّا نُقاتِلُ اللَّهَ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَواللَّهِ ما لَنا بِاللَّهِ مِن طاقَةٍ، وإنْ كُنّا نُقاتِلُ النّاسَ فَواللَّهِ إنَّ بِنا عَلى النّاسِ لَقُوَّةً، واللَّهِ ما نَرْجِعُ عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفَ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، فَإنَّ بَدْرًا مَوْسِمٌ مِن مَواسِمِ العَرَبِ، وسُوقٌ مِن أسْواقِهِمْ حَتّى تَسْمَعَ العَرَبُ بِهَذِهِ …

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي خُصَّ أهْلُ بَدْرٍ بِها، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في ”إذْ“ فِيهِ وُجُوهٌ: قِيلَ: تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إذْ زَيَّنَ لَهم، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَذْكِيرِ النِّعَمِ، وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا إذْ يُرِيكُمُوهم وإذْ زَيَّنَ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: خَرَجُوا بَطَرًا ورِئاءَ

صفحة ١٤٠

النّاسِ، وتَقْدِيرُهُ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّزْيِينِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ بِوَسْوَسَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَوَّلَ في صُورَةِ الإنْسانِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ.

والثّانِي: أنَّهُ ظَهَرَ في صُورَةِ الإنْسانِ، قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ أرادُوا المَسِيرَ إلى بَدْرٍ خافُوا مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَتَلُوا مِنهم واحِدًا، فَلَمْ يَأْمَنُوا أنْ يَأْتُوهم مِن ورائِهِمْ، فَتَصَوَّرَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ وهو مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ وكانَ مِن أشْرافِهِمْ في جُنْدٍ مِنَ الشَّياطِينِ، ومَعَهُ رايَةٌ، وقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ نُزُولَ المَلائِكَةِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، وقِيلَ: كانَتْ يَدُهُ في يَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَلَمّا نَكَصَ قالَ لَهُ الحارِثُ: أتَخْذِلُنا في هَذِهِ الحالِ ؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْهَزَمُوا، وفي هَذِهِ القِصَّةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَغْيِيرِ صُورَةِ إبْلِيسَ إلى صُورَةِ سُراقَةَ ؟

والجَوابُ: فِيهِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لِلْقَوْمِ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ ما كانَ سُراقَةَ بَلْ كانَ شَيْطانًا.

فَإنْ قِيلَ: فَإذًا حَضَرَ إبْلِيسُ لِمُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ في غايَةِ القُوَّةِ، فَلِمَ لَمْ يَهْزِمُوا جُيُوشَ المُسْلِمِينَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهُ رَأى في جَيْشِ المُسْلِمِينَ جِبْرِيلَ مَعَ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خافَ وفَرَّ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ وجَبَ أنْ يَنْهَزِمَ جَمِيعُ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَشَبَّهُ بِصُورَةِ البَشَرِ ويَحْضُرُ ويُعِينُ جَمْعَ الكُفّارِ ويَهْزِمُ جُمُوعَ المُسْلِمِينَ، والحاصِلُ: أنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلى هَذا المَعْنى فَلِمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ في سائِرِ وقائِعِ المُسْلِمِينَ ؟ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ أضَفْتُمْ إلَيْهِ هَذا العَمَلَ في واقِعَةِ بَدْرٍ ؟

الجَوابُ: لَعَلَّهُ تَعالى إنَّما غَيَّرَ صُورَتَهُ إلى صُورَةِ البَشَرِ في تِلْكَ الواقِعَةِ، أمّا في سائِرِ الوَقائِعِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا غَيَّرَ صُورَتَهُ إلى صُورَةِ البَشَرِ فَما بَقِيَ شَيْطانًا بَلْ صارَ بَشَرًا.

الجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما …

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما لَمْ تَدْخُلِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَقُولُ﴾ ودَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ زَيَّنَ﴾ عَطْفٌ عَلى هَذا التَّزْيِينِ عَلى حالِهِمْ وخُرُوجِهِمْ بَطَرًا ورِئاءً، وأمّا هُنا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ عَطْفٌ لِهَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ بَلْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وعامِلُ الإعْرابِ في ”إذْ“ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ.

والثّانِي: اذْكُرُوا إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا المُنافِقُونَ فَهم قَوْمٌ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ أسْلَمُوا وما قَوِيَ إسْلامُهم في قُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا لَمّا خَرَجُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ أُولَئِكَ: نَخْرُجُ مَعَ قَوْمِنا فَإنْ كانَ مُحَمَّدٌ في كَثْرَةٍ خَرَجْنا إلَيْهِ، وإنْ كانَ في قِلَّةٍ أقَمْنا في قَوْمِنا. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ قُتِلَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا مَعَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أنَّهُ خَرَجَ بِثَلاثِمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ يُقاتِلُونَ ألْفَ رَجُلٍ، وما ذاكَ إلّا أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى دِينِهِمْ، وقِيلَ المُرادُ: إنَّ هَؤُلاءِ يَسْعَوْنَ في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، رَجاءَ أنْ يُجْعَلُوا أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ ويُثابُونَ عَلى هَذا القَتْلِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ ومَن يُسَلِّمْ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَثِقْ بِفَضْلِهِ

صفحة ١٤٢

ويُعَوِّلْ عَلى إحْسانِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُهُ وناصِرُهُ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، حَكِيمٌ يُوَصِّلُ العَذابَ إلى أعْدائِهِ، والرَّحْمَةَ والثَّوابَ إلى أوْلِيائِهِ.

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَرَحَ أحْوالَ مَوْتِهِمْ، والعَذابَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”إذْ تَتَوَفّى“ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ المَلائِكَةِ والجَمْعِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا، وأمْرًا فَظِيعًا، وعَذابًا شَدِيدًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ولَوْ تَرى“ ولَوْ عايَنْتَ وشاهَدْتَ؛ لِأنَّ ”لَوْ“ تَرُدُّ المُضارِعَ إلى الماضِي كَما تَرُدُّ ”إنْ“ الماضِيَ إلى المُضارِعِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلائِكَةُ رَفْعُها بِالفِعْلِ، ويَضْرِبُونَ حالٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّى﴾ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ خَبَرٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا يَقْبِضُونَ أرْواحَهم عَلى اسْتِيفائِها وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وأنَّهُ هو الرُّوحُ فَقَطْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى الذّاتَ الكافِرَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ الكافِرَةَ هي الَّتِي اسْتُوفِيَتْ مِن هَذا الجَسَدِ، وهَذا بُرْهانٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا أقْبَلُوا بِوُجُوهِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهم بِالسَّيْفِ، وإذا ولَّوْا ضَرَبُوا أدْبارَهم، فَلا جَرَمَ قابَلَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهِ في وقْتِ نَزْعِ الرُّوحِ، وأقُولُ: فِيهِ مَعْنًى آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّ رُوحَ الكافِرِ إذا خَرَجَ مِن جَسَدِهِ فَهو مُعْرِضٌ عَنْ عالَمِ الدُّنْيا مُقْبِلٌ عَلى الآخِرَةِ، وهو لِكُفْرِهِ لا يُشاهِدُ في عالَمِ الآخِرَةِ إلّا الظُّلُماتِ، وهو لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِلْجُسْمانِيّاتِ، ومُفارَقَتِهِ لَها لا يَنالُ مِن مُباعَدَتِهِ عَنْها إلّا الآلامَ والحَسَراتِ، فَبِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لِعالَمِ الدُّنْيا تَحْصُلُ لَهُ الآلامُ بَعْدَ الآلامِ والحَسَراتِ، وبِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلى الآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ النُّورِ والمَعْرِفَةِ، يَنْتَقِلُ مِن ظُلُماتٍ إلى ظُلُماتٍ، فَهاتانِ الجِهَتانِ هُما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] أيْ ويَقُولانِ: رَبَّنا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ إنَّما صَحَّ لِأنَّهُ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ

صفحة ١٤٣

مَقامِعُ، وكُلَّما ضَرَبُوا بِها التَهَبَتِ النّارُ في الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا تَقُولُهُ المَلائِكَةُ لَهم في الآخِرَةِ، وأقُولُ: أمّا …

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.