Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 11–20 of 75

11

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.

قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.

قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ …

Al-Anfaal 8:11Listen in Qur'an →
12

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."

قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.

قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.

قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ …

Al-Anfaal 8:12Listen in Qur'an →
13

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

That is because they opposed Allah and His Messenger. And whoever opposes Allah and His Messenger - indeed, Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.

قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.

قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ …

Al-Anfaal 8:13Listen in Qur'an →
14

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

قَوْلُهُ: " إذْ يَغْشاكم " الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم "، أوْ مَنصُوبٌ بِالنَّصْرِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، و" يُغَشِّيكُمُ " هي قِراءَةُ نافِعٍ وأهْلُ المَدِينَةِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ - سُبْحانَهُ -، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُطابِقَةُ لِما قَبْلَها: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِما بَعْدَها أعْنِي ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَتَشاكَلُ الكَلامُ ويَتَناسَبُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " يَغْشاكم " عَلى أنَّ الفاعِلَ " النُّعاسُ "، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي كَقِراءَةِ نافِعٍ وأهْلِ المَدِينَةِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ، ونَصْبِ النُّعاسِ.

قالَ مَكِّيٌّ: والِاخْتِيارُ ضَمُّ الياءِ والتَّشْدِيدِ، ونَصْبُ " النُّعاسَ " لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ والهاءُ في مِنهُ لِلَّهِ فَهو الَّذِي يُغَشَّيهِمُ النُّعاسَ، ولِأنَّ الأكْثَرَ عَلَيْهِ، وعَلى القِراءَةِ الأُولى والثّالِثَةِ يَكُونُ انْتِصابُ " أمَنَةً " عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى تَأْوِيلٍ وتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ المُعَلِّلِ والعِلَّةَ واحِدٌ بِخِلافِ انْتِصابِها عَلى العِلَّةِ، بِاعْتِبارِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وأمّا عَلى جَعْلِ الأمَنَةِ مَصْدَرًا فَلا إشْكالَ، يُقالُ: أمِنَ أمَنَةً وأمْنًا وأمانًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنَّهم مَعَ خَوْفِهِمْ مِن لِقاءِ العَدُوِّ والمَهابَةِ لِجانِبِهِ سَكَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم وأمَّنَها حَتّى نامُوا آمِنِينَ غَيْرَ خائِفِينَ، وكانَ هَذا النَّوْمُ في اللَّيْلَةِ الَّتِي كانَ القِتالُ في غَدِها.

قِيلَ: وفي امْتِنانِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ، الثّانِي: أنَّهُ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ غَشِيَهم في حالِ التِقاءِ الصَّفَّيْنِ، وقَدْ مَضى في يَوْمِ أُحُدٍ نَحْوٌ مَن هَذا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

قَوْلُهُ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ هَذا المَطَرُ كانَ بَعْدَ النُّعاسِ، وقِيلَ: قَبْلَ النُّعاسِ.

وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا المُؤْمِنِينَ إلى ماءِ بِدْرٍ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وبَقِيَ المُؤْمِنُونَ لا ماءَ لَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ، والَّذِي في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى ماءِ بَدْرٍ وأنَّهُ مَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إلى الماءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ ولَمْ يُصِبِ المُسْلِمِينَ مِنهُ إلّا ما شَدَّ لَهم دَهَسَ الوادِي وأعانَهم عَلى المَسِيرِ، ومَعْنى ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الأحْداثَ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَتَهُ لَكم بِما كانَ قَدْ سَبَقَ إلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي هي مِنهُ مِنَ الخَوْفِ والفَشَلِ حَتّى كانَتْ حالُهم حالَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَيَجْعَلَها صابِرَةً قَوِيَّةً ثابِتَةً في مُواطِنِ الحَرْبِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ راجِعٌ إلى الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، أيْ يُثَبِّتُ بِهَذا الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْدامَكم في مَواطِنِ القِتالِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الرَّبْطِ المَدْلُولِ …

Al-Anfaal 8:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [for battle], do not turn to them your backs [in flight].

الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.

والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.

ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ …

Al-Anfaal 8:15Listen in Qur'an →
16

وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allah, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.

والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.

ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ …

Al-Anfaal 8:16Listen in Qur'an →
17

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And you did not kill them, but it was Allah who killed them. And you threw not, [O Muhammad], when you threw, but it was Allah who threw that He might test the believers with a good test. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.

والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.

ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ …

Al-Anfaal 8:17Listen in Qur'an →
18

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ

That [is so], and [also] that Allah will weaken the plot of the disbelievers.

الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ الِانْدِفاعُ عَلى الإلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ في الحَرْبِ إلى آخَرَ زاحِفًا.

والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إلى العَدُوِّ زَحْفًا، وازْدَحَفَ القَوْمُ: أيْ مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وانْتِصابُ زَحْفًا إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ حالَ كَوْنِكم زاحِفِينَ إلى الكُفّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أيْ حالَ كَوْنِ الكُفّارِ زاحِفِينَ إلَيْكم، أوْ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُتَزاحِفَيْنِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الكُفّارِ إذا لَقُوهم، وقَدْ دَبَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِلْقِتالِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ.

وقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ،، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وأبِي نَضْرَةَ، وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ،، وزَيْدِ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، والضَّحّاكِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّ أهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَنْحازُوا، ولَوِ انْحازُوا لانْحازُوا إلى المُشْرِكِينَ، إذْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهم ولا لَهم فِئَةٌ إلّا النَّبِيُّ ﷺ فَأمّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَهم فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ خاصَّةٍ، وأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ في يَوْمِ بَدْرٍ.

وأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الأوَّلِينَ بِأنَّ الإشارَةَ في يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِأنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِها فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ، ولا وجْهَ لِما ذَكَرُوهُ مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِن حَضَرَها فَقَدْ كانَ في المَدِينَةِ إذْ ذاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخُرُوجِ؛ لِأنَّهُ ﷺ ومَن خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ في الِابْتِداءِ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.

ويُؤَيِّدُ هَذا وُرُودُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ كَما في حَدِيثِ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، وفِيهِ: والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» ونَحْوِهِ مِنَ الأحادِيثِ وهَذا البَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وهو مُبَيَّنٌ في مَواطِنِهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، والعِبارَةُ بِالدُّبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةٌ في الفَصاحَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الشَّناعَةِ عَلى الفارِّ والذَّمِّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ التَّحَرُّفُ: الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحَرُّفُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ في المَعْرَكَةِ طَلَبًا لِمَكائِدِ الحَرْبِ وخِداعًا لِلْعَدُوِّ، وكَمَنَ يُوهِمُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ العَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ …

Al-Anfaal 8:18Listen in Qur'an →
19

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you [disbelievers] seek the victory - the defeat has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allah is with the believers.

الِاسْتِفْتاحُ: طَلَبُ النَّصْرِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ، مَن هم ؟ فَقِيلَ: إنَّها خِطابٌ لِلْكُفّارِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ عَلى مُحَمَّدٍ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ سَألُوا اللَّهَ أنْ يَنْصُرَ أحَقَّ الطّائِفَتَيْنِ بِالنَّصْرِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ بِهِمْ، وسَمّى ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ نَصْرًا؛ ومَعْنى بَقِيَّةِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ وإنْ تَنْتَهُوا عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ فَهو - أيِ الِانْتِهاءُ - ﴿خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ نَعُدْ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْكم ونَصْرِهِمْ كَما سَلَّطْناهم ونَصَرْناهم في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ أيْ جَماعَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ أيْ لا تُغْنِي عَنْكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ في حالِ كَثْرَتِها، ثُمَّ قالَ: وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو المَنصُورُ ومَن كانَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو المَخْذُولُ.

قُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ وفَتْحِها فالكَسْرُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والفَتْحُ عَلى تَقْدِيرِ: ولِأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَعَلَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَثَلِ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن أخْذِ الغَنائِمِ وفِداءِ الأسْرى قَبْلَ الإذْنِ لَكم بِذَلِكَ فَهو خَيْرٌ لَكم، وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ذَلِكَ نَعُدْ إلى تَوْبِيخِكم كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٨ ) الآيَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَأْبى هَذا القَوْلَ مَعْنى ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾ ويَأْباهُ أيْضًا ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ وتَوْجِيهُ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَكَلُّفٍ وتَعَسُّفٍ وقِيلَ: إنِ الخِطابَ في ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ وما بَعْدَهُ لِلْكافِرِينَ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ وُعُودِ الضَّمائِرِ الجارِيَةِ في الكَلامِ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ إلى طائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ،، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ،، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ حِينَ التَقى القَوْمُ: اللَّهُمَّ أقْطَعَنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا نَعْرِفُ فَأحْنِهِ الغَداةَ، فَكانَ ذَلِكَ اسْتِفْتاحًا مِنهُ فَنَزَلَتْ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الفِئَتَيْنِ، وخَيْرَ الفِئَتَيْنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: يَعْنِي المُشْرِكِينَ أيْ إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ المَدَدُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ، مُجاهِدٍ ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ قالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَفَتَحَ بَيْنَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، …

Al-Anfaal 8:19Listen in Qur'an →
20

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ

O you who have believed, obey Allah and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

أمْرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ونَهاهم عَنِ التَّوَلِّي عَنْ رَسُولِهِ، فالضَّمِيرُ في " عَنْهُ " عائِدٌ إلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هي مِن طاعَةِ اللَّهِ، و﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ( النِّساءِ: ٨٠ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجَعًا إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٦٢ ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أطِيعُوا، وأصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، هَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، والمَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا عَلى بُعْدٍ فَهو ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ وصَفَ مَن خاطَبَهُ هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ، والمُنافِقُونَ لا يَتَّصِفُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِشَيْءٍ، وأبْعَدُ مِن هَذا مَن قالَ: الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنَ الآيَةِ، وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ وتُصَدِّقُونَ بِها ولَسْتُمْ كالصُّمِّ والبُكْمِ.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ أوِ المُنافِقُونَ أوِ اليَهُودُ أوِ الجَمِيعُ مِن هَؤُلاءِ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَ بِآذانِهِمْ مِن غَيْرِ فَهْمٍ ولا عَمَلٍ، فَهم كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِما سَمِعَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ أيْ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ " عِنْدَ اللَّهِ " أيْ في حُكْمِهِ " الصُّمُّ البُكْمُ " أيِ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ، وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَسْمَعُ ويَنْطِقُ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالسَّمْعِ والنُّطْقِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ النَّفْعُ لَهم فَيَأْتُونَهُ، وما فِيهِ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فَيَجْتَنِبُونَهُ فَهم شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُمَيِّزُ بَعْضَ تَمْيِيزٍ، وتَفَرِّقُ بَيْنَ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها.

﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ﴾ أيْ: في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ - خَيْرًا ﴿لَأسْمَعَهم﴾ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ويَتَعَقَّلُونَ عِنْدَهُ الحُجَجَ والبَراهِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ، وقِيلَ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهَمْ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم لا يُؤَمِّنُونَ، وجُمْلَةُ " وهم مُعْرِضُونَ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: غاضِبُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في فُلانٍ وأصْحابٍ لَهُ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ،، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ …

Al-Anfaal 8:20Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.