Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

انْتِقالٌ مِن بَيانِ أحْوالِ مُعامَلَةِ العَدُوِّ في الحَرْبِ: مِن وفائِهِمْ بِالعَهْدِ، وخِيانَتِهِمْ، وكَيْفَ يَحِلُّ المُسْلِمُونَ العَهْدَ مَعَهم إنْ خافُوا خِيانَتَهم، ومُعامَلَتِهم إذا ظَفِرُوا بِالخائِنِينَ. والأمْرُ بِالِاسْتِعْدادِ لَهم؛ إلى بَيانِ أحْكامِ السِّلْمِ إنْ طَلَبُوا السَّلْمَ والمُهادَنَةَ، وكَفُّوا عَنْ حالَةِ الحَرْبِ. فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَأْنَفُوا مِنَ السَّلْمِ وأنْ يُوافِقُوا مَن سَألَهُ مِنهم.

والجُنُوحُ: المَيْلُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن جَناحِ الطّائِرِ: لِأنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ النُّزُولَ مالَ بِأحَدِ جَناحَيْهِ، وهو جَناحُ جانِبِهِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنهُ، قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الطَّيْرَ تَتْبَعُ الجَيْشَ

جَوانِحُ قَدْ أيْقَـنَّ أنَّ قَـبِـيلَـهُ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ

صفحة ٥٩

فَمَعْنى ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ إنْ مالُوا إلى السَّلْمِ مَيْلَ القاصِدِ إلَيْهِ، كَما يَمِيلُ الطّائِرُ الجانِحُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنْ طَلَبُوا السَّلْمَ فَأجِبْهم إلَيْها، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُسْعِفُهم إلى السَّلْمِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ حالَهم حالُ الرّاغِبِ؛ لِأنَّهم قَدْ يُظْهِرُونَ المَيْلَ إلى السَّلْمِ كَيْدًا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فَإنَّ نَبْذَ العَهْدِ نَبْذٌ لِحالِ السَّلْمِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلسَّلْمِ“ واقِعَةٌ مَوْقِعَ (إلى) لِتَقْوِيَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَيْلَهم إلى السَّلْمِ مَيْلُ حَقٍّ، أيْ: وإنْ مالُوا لِأجْلِ السَّلْمِ ورَغْبَةً فِيهِ لا لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ حَقَّ (جَنَحَ) أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) لِأنَّهُ بِمَعْنى ”مالَ“ الَّذِي يُعَدّى بِـ (إلى) فَلا تَكُونُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ إلّا لِغَرَضٍ، وفي الكَشّافِ: أنَّهُ يُقالُ جَنَحَ لَهُ وإلَيْهِ.

والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها ضِدُّ الحَرْبِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ السِّينِ وحَقُّ لَفْظِهِ التَّذْكِيرُ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ حَمْلًا عَلى ضِدِّهِ الحَرْبِ، وقَدْ ورَدَ مُؤَنَّثًا في كَلامِهِمْ كَثِيرًا.

والأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، بَعْدَ الأمْرِ بِالجُنُوحِ إلى السَّلْمِ، لِيَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مُعْتَمِدًا في جَمِيعِ شَأْنِهِ عَلى اللَّهِ - تَعالى، ومُفَوِّضًا إلَيْهِ تَسْيِيرَ أُمُورِهِ، لِتَكُونَ مُدَّةُ السَّلْمِ مُدَّةَ تَقَوٍّ واسْتِعْدادٍ، ولِيَكْفِيَهُ اللَّهُ شَرَّ عَدُوِّهِ إذا نَقَضُوا العَهْدَ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ اللَّهَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، أيِ: السَّمِيعُ لِكَلامِهِمْ في العَهْدِ، العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ، فَهو يُعامِلُهم عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ جِيءَ بِفِعْلِ (اجْنَحْ) لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: جَنَحُوا.

وطَرِيقُ القَصْرِ في قَوْلِهِ: هو السَّمِيعُ العَلِيمُ أفادَ قَصْرَ مَعْنى الكَمالِ في السَّمْعِ والعِلْمِ، أيْ: فَهو سَمِيعٌ مِنهم ما لا تَسْمَعُ ويَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُ. وقَصْرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِهَذا المَعْنى عَلى اللَّهِ - تَعالى - عَقِبَ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ يُفْضِي إلى الأمْرِ بِقَصْرِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرِ بِقَصْرِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وبَيْنَ الأمْرِ بِإعْدادِ ما اسْتَطاعَ مِنَ القُوَّةِ لِلْعَدُوِّ: دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أمْرٌ غَيْرُ تَعاطِي أسْبابِ …

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا كانَ طَلَبُ السَّلْمِ والهُدْنَةِ مِنَ العَدُوِّ قَدْ يَكُونُ خَدِيعَةً حَرْبِيَّةً، لِيُغْرُوا المُسْلِمِينَ بِالمُصالَحَةِ ثُمَّ يَأْخُذُوهم عَلى غِرَّةٍ، أيْقَظَ اللَّهُ رَسُولَهُ لِهَذا الِاحْتِمالِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ الأعْداءَ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ، ويَحْمِلَهم عَلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّهُ الخُلُقُ الإسْلامِيُّ وشَأْنُ أهْلِ المُرُوءَةِ؛ ولا تَكُونُ الخَدِيعَةُ بِمِثْلِ نَكْثِ العَهْدِ. فَإذا بَعَثَ العَدُوَّ كُفْرُهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا التَّسَفُّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِلْوَفِيِّ بِعَهْدِهِ، أنْ يَقِيَهُ شَرَّ خِيانَةِ الخائِنِينَ. وهَذا

صفحة ٦٢

الأصْلُ، وهو أخْذُ النّاسِ بِظَواهِرِهِمْ، شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ دِينِ الإسْلامِ. قالَ تَعالى: فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ وفي الحَدِيثِ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ، مِنها: وإذا وعَدَ أخْلَفَ» . ومِن أحْكامِ الجِهادِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَخْفِرَ لِلْعَدُوِّ بِعَهْدٍ.

والمَعْنى: إنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِن إظْهارِ مَيْلِهِمْ إلى المُسالَمَةِ خَدِيعَةً فَإنَّ اللَّهَ كافِيكَ شَرَّهم. ولَيْسَ هَذا هو مَقامَ نَبْذِ العَهْدِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فَإنَّ ذَلِكَ مَقامُ ظُهُورِ أماراتِ الخِيانَةِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا مَقامُ إضْمارِهِمُ الغَدْرَ دُونَ أمارَةٍ عَلى ما أضْمَرُوهُ.

فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ دَلَّتْ عَلى تَكَفُّلِ كِفايَتِهِ، وقَدْ أُرِيدَ مِنهُ أيْضًا الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ مُعامَلَتِهِمْ بِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنْ لا يَتَوَجَّسَ مِنهُ خِيفَةً، وأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ.

والخَدِيعَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”حَسْبُ“ مَعْناهُ كافٍ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ حاسِبُكَ، أيْ كافِيكَ وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ تَأْكِيدُ مَعْناهُ الكِنائِيِّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الصَّرِيحَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ.

وجُعِلَ ”حَسْبُكَ“ مُسْنَدٌ إلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ وصْفٌ. وشَأْنُ الإسْنادِ أنْ يَكُونَ لِلذّاتِ، بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هو طَلَبُ مَن يَكْفِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ حَسْبُهُ، وعَلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ وهو عَدَمُ التَّحَرُّجِ مِنِ احْتِمالِ قَصْدِهِمُ الخِيانَةَ والتَّوَجُّسِ مِن ذَلِكَ الِاحْتِمالِ خِيفَةً، والمَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَكَ مِن قَبْلُ وقَدْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ أضْعَفَ مِنكَ اليَوْمَ، فَنَصَرَكَ عَلى العَدُوِّ وهو مُجاهِرٌ بِعُدْوانِهِ، فَنَصْرُهُ إيّاكَ عَلَيْهِمْ مَعَ مُخاتَلَتِهِمْ، ومَعَ كَوْنِكَ في قُوَّةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَكَ، أوْلى وأقْرَبُ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَخْدَعُوكَ“ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ولِيَّ أمْرِ المُسْلِمِينَ، والمَقْصُودُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، وقَدْ

صفحة ٦٣

بُدِّلَ الأُسْلُوبُ إلى …

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا كانَ طَلَبُ السَّلْمِ والهُدْنَةِ مِنَ العَدُوِّ قَدْ يَكُونُ خَدِيعَةً حَرْبِيَّةً، لِيُغْرُوا المُسْلِمِينَ بِالمُصالَحَةِ ثُمَّ يَأْخُذُوهم عَلى غِرَّةٍ، أيْقَظَ اللَّهُ رَسُولَهُ لِهَذا الِاحْتِمالِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ الأعْداءَ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ، ويَحْمِلَهم عَلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّهُ الخُلُقُ الإسْلامِيُّ وشَأْنُ أهْلِ المُرُوءَةِ؛ ولا تَكُونُ الخَدِيعَةُ بِمِثْلِ نَكْثِ العَهْدِ. فَإذا بَعَثَ العَدُوَّ كُفْرُهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا التَّسَفُّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِلْوَفِيِّ بِعَهْدِهِ، أنْ يَقِيَهُ شَرَّ خِيانَةِ الخائِنِينَ. وهَذا

صفحة ٦٢

الأصْلُ، وهو أخْذُ النّاسِ بِظَواهِرِهِمْ، شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ دِينِ الإسْلامِ. قالَ تَعالى: فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ وفي الحَدِيثِ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ، مِنها: وإذا وعَدَ أخْلَفَ» . ومِن أحْكامِ الجِهادِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَخْفِرَ لِلْعَدُوِّ بِعَهْدٍ.

والمَعْنى: إنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِن إظْهارِ مَيْلِهِمْ إلى المُسالَمَةِ خَدِيعَةً فَإنَّ اللَّهَ كافِيكَ شَرَّهم. ولَيْسَ هَذا هو مَقامَ نَبْذِ العَهْدِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فَإنَّ ذَلِكَ مَقامُ ظُهُورِ أماراتِ الخِيانَةِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا مَقامُ إضْمارِهِمُ الغَدْرَ دُونَ أمارَةٍ عَلى ما أضْمَرُوهُ.

فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ دَلَّتْ عَلى تَكَفُّلِ كِفايَتِهِ، وقَدْ أُرِيدَ مِنهُ أيْضًا الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ مُعامَلَتِهِمْ بِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنْ لا يَتَوَجَّسَ مِنهُ خِيفَةً، وأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ.

والخَدِيعَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”حَسْبُ“ مَعْناهُ كافٍ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ حاسِبُكَ، أيْ كافِيكَ وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ تَأْكِيدُ مَعْناهُ الكِنائِيِّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الصَّرِيحَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ.

وجُعِلَ ”حَسْبُكَ“ مُسْنَدٌ إلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ وصْفٌ. وشَأْنُ الإسْنادِ أنْ يَكُونَ لِلذّاتِ، بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هو طَلَبُ مَن يَكْفِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ حَسْبُهُ، وعَلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ وهو عَدَمُ التَّحَرُّجِ مِنِ احْتِمالِ قَصْدِهِمُ الخِيانَةَ والتَّوَجُّسِ مِن ذَلِكَ الِاحْتِمالِ خِيفَةً، والمَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَكَ مِن قَبْلُ وقَدْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ أضْعَفَ مِنكَ اليَوْمَ، فَنَصَرَكَ عَلى العَدُوِّ وهو مُجاهِرٌ بِعُدْوانِهِ، فَنَصْرُهُ إيّاكَ عَلَيْهِمْ مَعَ مُخاتَلَتِهِمْ، ومَعَ كَوْنِكَ في قُوَّةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَكَ، أوْلى وأقْرَبُ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَخْدَعُوكَ“ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ولِيَّ أمْرِ المُسْلِمِينَ، والمَقْصُودُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، وقَدْ

صفحة ٦٣

بُدِّلَ الأُسْلُوبُ إلى …

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

صفحة ٦٥

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ بِأوامِرَ وتَعالِيمَ عَظِيمَةٍ، مَهَّدَ لِقَبُولِها وتَسْهِيلِها بِما مَضى مِنَ التَّذْكِيرِ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ والِامْتِنانِ بِعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، وإظْهارِ أنَّ النَّجاحَ والخَيْرَ في طاعَتِهِ وطاعَةِ اللَّهِ، مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها كامِلُ الِاتِّساقِ والِانْتِظامِ، فَإنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ حَسْبُهُ وكافِيهِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أيَّدَهُ بِنَصْرِهِ فِيما مَضى وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ صارَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظٌّ في كِفايَةِ اللَّهِ - تَعالى - رَسُولَهُ ﷺ فَلا جَرَمَ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّ حَسْبَهُ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

وتَخْصِيصُ النَّبِيءِ بِهَذِهِ الكِفايَةِ لِتَشْرِيفِ مَقامِهِ بِأنَّ اللَّهَ يَكْفِي الأُمَّةَ لِأجْلِهِ.

والقَوْلُ في وُقُوعِ (حَسْبُ) مُسْنَدًا إلَيْهِ هُنا كالقَوْلِ في قَوْلِهِ آنِفًا فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ

وفِي عَطْفِ ”المُؤْمِنِينَ“ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ هَنا: تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ كِفايَةِ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ، إلّا أنَّ الكِفايَةَ مُخْتَلِفَةٌ وهَذا مِن عُمُومِ المُشْتَرَكِ لا مِن إطْلاقِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْنِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]

وقِيلَ: يُجْعَلُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مَفْعُولًا مَعَهُ لِقَوْلِهِ: حَسْبُكَ بِناءً عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ اسْمٌ ظاهِرٌ، أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِمِثْلِ هَذا العَطْفِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ في جَعْلِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في هَذا التَّشْرِيفِ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى وأرْشَقُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَتَكُونُ مَكِّيَّةً، وبَقِيَتْ مَقْرُوءَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ في سُورَةٍ، ثُمَّ وُضِعَتْ في هَذا المَوْضِعِ بِإذْنٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِكَوْنِهِ أنْسَبَ لَها.

صفحة ٦٦

وعَنِ النَّقّاشِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ في بَدْرٍ، قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ، فَيَكُونُ نُزُولُها مُتَقَدِّمًا عَلى أوَّلِ السُّورَةِ ثُمَّ جُعِلَتْ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ.

والتَّناسُبُ بَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ظاهِرٌ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ مَعَ تَمامِ السُّورَةِ فَهي تَمْهِيدٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ لِيُحَقِّقُوا كِفايَتَهُمُ الرَّسُولَ.

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾

أُعِيدَ نِداءُ النَّبِيءِ ﷺ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكَلامِ الوارِدِ بَعْدَ النِّداءِ وهَذا الكَلامُ في مَعْنى المَقْصِدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَهُ الكِفايَةَ وعَطَفَ المُؤْمِنِينَ في إسْنادِ الكِفايَةِ إلَيْهِمْ، احْتِيجَ إلى بَيانِ كَيْفِيَّةِ كِفايَتِهِمْ، وتِلْكَ هي الكِفايَةُ بِالذَّبِّ عَنِ الحَوْزَةِ وقِتالِ أعْداءِ اللَّهِ، فالتَّعْرِيفُ في ”القِتالِ“ لِلْعَهْدِ، وهو القِتالُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، أعْنِي قِتالَ أعْداءِ الدِّينِ.

والتَّحْرِيضُ: المُبالَغَةُ في الطَّلَبِ.

ولَمّا كانَ عُمُومُ الجِنْسِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ القِتالِ يَقْتَضِي عُمُومَ الأحْوالِ بِاعْتِبارِ المُقاتَلِينَ بِفَتْحِ التّاءِ وكانَ في ذَلِكَ إجْمالٌ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ يَكُونُ العَدُوُّ كَثِيرِينَ ويَكُونُ المُؤْمِنُونَ أقَلَّ مِنهم، بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيَةَ.

وضَمِيرُ ”مِنكم“ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.

وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ لِأنَّها لَمّا جُعِلَتْ بَيانًا لِإجْمالٍ كانَتْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإجْمالَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا يَعْمَلُ إذا كانَ عَدَدُ العَدُوِّ كَثِيرًا، فَقَدْ صارَ المَعْنى: حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ.

صفحة ٦٧

و”صابِرُونَ“ ثابِتُونَ في القِتالِ؛ لِأنَّ الثَّباتَ عَلى الآلامِ صَبْرٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الصَّبْرِ تَحَمُّلُ المَشاقِّ، والثَّباتُ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وفي الحَدِيثِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ فَإذا لاقَيْتُمْ فاصْبِرُوا» وقالَ النّابِغَةُ:

تَجَنَّبْ بَنِي حُنَّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بِصابِرِ

وقالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ:

سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْـلِـهَـا ∗∗∗ ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

والمَعْنى: عُرِفُوا بِالصَّبْرِ والمَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِاسْتِيفاءِ ما يَقْتَضِيهِ مِن أحْوالِ الجَسَدِ وأحْوالِ النَّفْسِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى تَوَخِّي انْتِقاءِ الجَيْشِ، فَيَكُونُ قَيْدًا لِلتَّحْرِيضِ، أيْ: حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ الصّابِرِينَ الَّذِينَ لا يَتَزَلْزَلُونَ، فالمَقْصُودُ أنْ لا يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو ضَعِيفُ النَّفْسِ فَيَفْشَلُ الجَيْشُ، كَقَوْلِ طالُوتَ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وذُكِرَ في جانِبِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في المَرَّتَيْنِ عَدَدُ العِشْرِينَ وعَدَدُ المِائَةِ، وفي جانِبِ جَيْشِ المُشْرِكِينَ عَدَدُ المِائَتَيْنِ وعَدَدُ الألْفِ، إيماءً إلى قِلَّةِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في ذاتِهِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ ثَباتَهم لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالَةِ عَدَدِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ العادَةَ أنَّ زِيادَةَ عَدَدِ الجَيْشِ تُقَوِّي نُفُوسَ أهْلِهِ، ولَوْ مَعَ كَوْنِ نِسْبَةِ عَدَدِهِمْ مِن عَدَدِ عَدُوِّهِمْ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ الإيمانَ قُوَّةً لِنُفُوسِ المُسْلِمِينَ تَدْفَعُ عَنْهم وهْمَ اسْتِشْعارِ قِلَّةِ عَدَدِ جَيْشِهِمْ في ذاتِهِ.

أمّا اخْتِيارُ …

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمُدَّةٍ. قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. ولَعَلَّهُ بَعْدَ نُزُولِ جَمِيعِ سُورَةِ الأنْفالِ، ولَعَلَّها وُضِعَتْ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّها نَزَلَتْ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِآياتِ سُورَةٍ أُخْرى، فَجُعِلَ لَها هَذا المَوْضِعُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِها لِتَكُونَ مُتَّصِلَةً بِالآيَةِ الَّتِي نَسَخَتْ هي حُكْمَها، ولَمْ أرَ مَن عَيَّنَ زَمَنَ نُزُولِها. ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا لِأنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

و”الآنَ“ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. قِيلَ: أصْلُهُ أوانٌ بِمَعْنى زَمانٍ، ولَمّا أُرِيدَ تَعْيِينُهُ لِلزَّمانِ الحاضِرِ لازَمَتْهُ لامُ التَّعْرِيفِ بِمَعْنى العَهْدِ الحُضُورِيِّ، فَصارَ مَعَ اللّامِ كَلِمَةً واحِدَةً ولَزِمَهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَشَرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَفِرَّ مِنهم، وكانُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ الآيَةَ، فَعَبَّأ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا حُكْمُ وُجُوبٍ نُسِخَ بِالتَّخْفِيفِ الآتِي.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ ثُبُوتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ نَدْبِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ثُمَّ حُطَّ ذَلِكَ حِينَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ إلى ثُبُوتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قُلْتُ: وكَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ المَرْوِيُّ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مُنافٍ لِهَذا القَوْلِ.

صفحة ٧٠

والوَقْتُ المُسْتَحْضَرُ بِقَوْلِهِ: ”الآنَ“ هو زَمَنُ نُزُولِها. وهو الوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ عِنْدَهُ انْتِهاءَ الحاجَةِ إلى ثَباتِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْعَشَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، بِحَيْثُ صارَتِ المَصْلَحَةُ في ثَباتِ الواحِدِ لِاثْنَيْنِ، لا أكْثَرَ، رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ واسْتِبْقاءً لِعَدَدِهِمْ.

فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ أنَّ التَّخْفِيفَ المُناسِبَ لِيُسْرِ هَذا الدِّينِ رُوعِيَ في هَذا الوَقْتِ ولَمْ يُراعَ قَبْلَهُ لِمانِعٍ مَنَعَ مِن مُراعاتِهِ فَرُجِّحَ إصْلاحُ مَجْمُوعِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ثَباتَ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْعَشَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ كانَ وُجُوبًا وعَزِيمَةً ولَيْسَ نَدْبًا خِلافًا لِما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ. ونُسِبَ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ المَندُوبَ لا يَثْقُلُ عَلى المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ إبْطالَ مَشْرُوعِيَّةِ المَندُوبِ لا يُسَمّى تَخْفِيفًا، ثُمَّ إذا أُبْطِلَ النَّدْبُ لَزِمَ أنْ يَصِيرَ ثَباتُ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ مُباحًا مَعَ أنَّهُ تَعْرِيضُ الأنْفُسِ لِلتَّهْلُكَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وقَدْ عَلِمَ مِن قَبْلُ أنَّ فِيكم ضَعْفًا، فالكَلامُ كالِاعْتِذارِ عَلى ما في الحُكْمِ السّابِقِ مِنَ المَشَقَّةِ بِأنَّها مَشَقَّةٌ اقْتَضاها اسْتِصْلاحُ حالِهِمْ، وجُمْلَةُ الحالِ المُفْتَتَحَةُ بِفِعْلِ مُضِيٍّ يَغْلِبُ …

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ سَواءٌ نَزَلَ بِعَقِبِهِ أمْ تَأخَّرَ نُزُولُهُ عَنْهُ فَكانَ مَوْقِعُهُ هُنا بِسَبَبِ مُوالاةِ نُزُولِهِ لِنُزُولِ ما قَبْلَهُ أوَكَأنَّ وضْعَ الآيَةِ هُنا بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ.

والمُناسَبَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أحْكامِ الجِهادِ وكانَ أعْظَمُ جِهادٍ مَضى هو جِهادُ يَوْمِ بَدْرٍ. لا جَرَمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَضِيَّةِ فِداءِ أسْرى بَدْرٍ مُشِيرَةً إلَيْها.

وعِنْدِي أنَّ هَذا تَشْرِيعٌ مُسْتَقْبَلٌ أخَّرَهُ اللَّهُ - تَعالى - رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ انْتَصَرُوا بِبَدْرٍ وإكْرامًا لَهم عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ المُبِينِ وسَدًّا لَخُلَّتِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها، فَنَزَلَتْ لِبَيانِ الأمْرِ الأجْدَرِ فِيما جَرى في شَأْنِ الأسْرى في وقْعَةِ بَدْرٍ. وذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ما مُخْتَصَرُهُ أنَّ «المُسْلِمِينَ لَمّا أسَرُوا الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ وفِيهِمْ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُفادِيَهم بِالمالِ وعاهَدُوا عَلى أنْ لا يَعُودُوا إلى حَرْبِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيءَ اللَّهِ، هم بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهم فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنا قُوَّةً عَلى الكُفّارِ، فَعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم لِلْإسْلامِ. وقالَ عُمَرُ: أرى أنْ تُمَكِّنَنا فَنَضْرِبَ أعْناقَهم فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وصَنادِيدُها فَهَوِيَ

صفحة ٧٣

رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ» كَما رَواهُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: هَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ما «قالَ أبُو بَكْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أحَبَّ واخْتارَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مِنَ اليُسْرِ والرَّحْمَةِ بِالمُسْلِمِينَ إذْ كانُوا في حاجَةٍ إلى المالِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا» . ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ رَغْبَةَ أكْثَرِهِمْ وفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وهم في حاجَةٍ إلى المالِ. ولَمّا اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَشُورَتِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُوحِ اللَّهُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ في ذَلِكَ، وأنَّ اللَّهَ أوْكَلَ ذَلِكَ إلى اجْتِهادِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَأى أنْ يَسْتَشِيرَ النّاسَ ثُمَّ رَجَّحَ أحَدَ الرَّأْيَيْنِ بِاجْتِهادٍ وقَدْ أصابَ الِاجْتِهادَ، فَإنَّهم قَدْ أسْلَمَ مِنهم، حِينَئِذٍ، سُهَيْلُ ابْنُ بَيْضاءَ، وأسْلَمَ مِن بَعْدُ العَبّاسُ وغَيْرُهُ، وقَدْ خَفِيَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ إلّا اللَّهُ وهو إضْمارُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلى قَوْمِهِمْ أنْ يَتَأهَّبُوا لِقِتالِ المُسْلِمِينَ مِن بَعْدُ.

ورُبَّما كانُوا يُضْمِرُونَ اللَّحاقَ بِفَلِّ المُشْرِكِينَ مِن مَوْضِعٍ قَرِيبٍ ويَعُودُونَ إلى القِتالِ فَيَنْقَلِبُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ هَزِيمَةً كَما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلِأجْلِ هَذا جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: رَوى عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ …

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ سَواءٌ نَزَلَ بِعَقِبِهِ أمْ تَأخَّرَ نُزُولُهُ عَنْهُ فَكانَ مَوْقِعُهُ هُنا بِسَبَبِ مُوالاةِ نُزُولِهِ لِنُزُولِ ما قَبْلَهُ أوَكَأنَّ وضْعَ الآيَةِ هُنا بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ.

والمُناسَبَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أحْكامِ الجِهادِ وكانَ أعْظَمُ جِهادٍ مَضى هو جِهادُ يَوْمِ بَدْرٍ. لا جَرَمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَضِيَّةِ فِداءِ أسْرى بَدْرٍ مُشِيرَةً إلَيْها.

وعِنْدِي أنَّ هَذا تَشْرِيعٌ مُسْتَقْبَلٌ أخَّرَهُ اللَّهُ - تَعالى - رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ انْتَصَرُوا بِبَدْرٍ وإكْرامًا لَهم عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ المُبِينِ وسَدًّا لَخُلَّتِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها، فَنَزَلَتْ لِبَيانِ الأمْرِ الأجْدَرِ فِيما جَرى في شَأْنِ الأسْرى في وقْعَةِ بَدْرٍ. وذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ما مُخْتَصَرُهُ أنَّ «المُسْلِمِينَ لَمّا أسَرُوا الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ وفِيهِمْ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُفادِيَهم بِالمالِ وعاهَدُوا عَلى أنْ لا يَعُودُوا إلى حَرْبِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى ؟ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيءَ اللَّهِ، هم بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهم فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنا قُوَّةً عَلى الكُفّارِ، فَعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم لِلْإسْلامِ. وقالَ عُمَرُ: أرى أنْ تُمَكِّنَنا فَنَضْرِبَ أعْناقَهم فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وصَنادِيدُها فَهَوِيَ

صفحة ٧٣

رَسُولُ اللَّهِ ما قالَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ» كَما رَواهُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ الآيَةَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: هَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ما «قالَ أبُو بَكْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أحَبَّ واخْتارَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مِنَ اليُسْرِ والرَّحْمَةِ بِالمُسْلِمِينَ إذْ كانُوا في حاجَةٍ إلى المالِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا» . ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ رَغْبَةَ أكْثَرِهِمْ وفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وهم في حاجَةٍ إلى المالِ. ولَمّا اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ مَشُورَتِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يُوحِ اللَّهُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ في ذَلِكَ، وأنَّ اللَّهَ أوْكَلَ ذَلِكَ إلى اجْتِهادِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَأى أنْ يَسْتَشِيرَ النّاسَ ثُمَّ رَجَّحَ أحَدَ الرَّأْيَيْنِ بِاجْتِهادٍ وقَدْ أصابَ الِاجْتِهادَ، فَإنَّهم قَدْ أسْلَمَ مِنهم، حِينَئِذٍ، سُهَيْلُ ابْنُ بَيْضاءَ، وأسْلَمَ مِن بَعْدُ العَبّاسُ وغَيْرُهُ، وقَدْ خَفِيَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ إلّا اللَّهُ وهو إضْمارُ بَعْضِهِمْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلى قَوْمِهِمْ أنْ يَتَأهَّبُوا لِقِتالِ المُسْلِمِينَ مِن بَعْدُ.

ورُبَّما كانُوا يُضْمِرُونَ اللَّحاقَ بِفَلِّ المُشْرِكِينَ مِن مَوْضِعٍ قَرِيبٍ ويَعُودُونَ إلى القِتالِ فَيَنْقَلِبُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ هَزِيمَةً كَما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلِأجْلِ هَذا جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: رَوى عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ …

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الفاءُ تُؤْذِنُ بِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ. وفي هَذا التَّفْرِيعِ وجْهانِ.

أحَدُهُما الَّذِي جَرى عَلَيْهِ كَلامُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] إلَخْ. . أيْ لَوْلا ما سَبَقَ مِن حِلِّ الغَنائِمِ لَكم لَمَسَّكم عَذابٌ عَظِيمٌ، وإذْ قَدْ سَبَقَ الحِلُّ فَلا تَبِعَةَ عَلَيْكم في الِانْتِفاعِ بِمالِ الفِداءِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ. أمْسَكُوا عَنِ الِانْتِفاعِ بِمالِ الفِداءِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى: فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وعَلى هَذا الوَجْهِ قَدْ سُمِّيَ مالُ الفِداءِ غَنِيمَةً تَسْمِيَةً بِالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ دُونَ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الغَنِيمَةَ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ هي ما افْتَكَّهُ المُسْلِمُونَ مِن مالِ العَدُوِّ بِالإيجافِ عَلَيْهِمْ.

صفحة ٧٩

والوَجْهُ الثّانِي يَظْهَرُ لِي أنَّ التَّفْرِيعَ ناشِئٌ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وأنَّ المَعْنى فاكْتَفُوا بِما تَغْنَمُونَهُ ولا تُفادُوا الأسْرى إلى أنْ تُثْخِنُوا في الأرْضِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِإطْلاقِ اسْمِ الغَنِيمَةِ هُنا إذْ لا يَنْبَغِي صَرْفُهُ عَنْ مَعْناهُ الشَّرْعِيِّ.

ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ صَرَفَ عَنْهم بَأْسَ العَدُوِّ، فَرَّعَ عَلى الِامْتِنانِ الإذْنَ لَهم بِأنْ يَنْتَفِعُوا بِمالِ الفِداءِ في مَصالِحِهِمْ، ويَتَوَسَّعُوا بِهِ في نَفَقاتِهِمْ، دُونَ نَكَدٍ ولا غُصَّةٍ، فَإنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِهِ مَعَ الأمْنِ مِن ضُرِّ العَدُوِّ بِفَضْلِ اللَّهِ. فَتِلْكَ نِعْمَةٌ لَمْ يَشُبْها أذًى.

وعَبَّرَ عَنِ الِانْتِفاعِ الهَنِيءِ بِالأكْلِ: لِأنَّ الأكْلَ أقْوى كَيْفِيّاتِ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ. فَإنَّ الآكِلَ يَنْعَمُ بِلَذاذَةِ المَأْكُولِ ويَدَفْعُ ألَمَ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ ودَفْعُ الألَمِ لَذاذَةٌ ويُكْسِبُهُ الأكْلُ قُوَّةً وصِحَّةً والصِّحَّةُ مَعَ القُوَّةِ لَذاذَةٌ أيْضًا.

والأمْرُ في ”كُلُوا“ مُسْتَعْمَلٌ في المِنَّةِ ولا يُحْمَلُ عَلى الإباحَةِ هُنا: لِأنَّ إباحَةَ المَغانِمِ مُقَرَّرَةٌ مِن قَبْلِ يَوْمِ بَدْرٍ، ولِيَكُونَ قَوْلُهُ: ”حَلالًا“ حالًا مُؤَسِّسَةً لا مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الإباحَةِ.

و”غَنِمْتُمْ“ بِمَعْنى فادَيْتُمْ لِأنَّ الفِداءَ عِوَضٌ عَنِ الأسْرى والأسْرى مِنَ المَغانِمِ.

والطَّيِّبُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، أيْ حَلالًا مِن خَيْرِ الحَلالِ.

وذَيَّلَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى: لِأنَّ التَّقْوى شُكْرُ اللَّهِ عَلى ما أنْعَمَ مِن دَفْعِ العَذابِ عَنْهم.

وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّقْوى شُكْرٌ عَلى النِّعْمَةِ، فَحَرْفُ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ، وهو مُغْنٍ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ كَقَوْلِ بَشّارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

صفحة ٨٠

وهَذِهِ القَضِيَّةُ إحْدى قَضايا جاءَ فِيها القُرْآنُ مُؤَيِّدًا لِرَأْيِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ، قالَ وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: في مَقامِ إبْراهِيمَ، وفي الحِجابِ، وفي أُسارى بَدْرٍ.

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو إقْبالٌ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِحالِ سَرائِرِ بَعْضِ الأسْرى، بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ وما يَتْبَعُهُ، وقَدْ كانَ العَبّاسُ في جُمْلَةِ الأسْرى وكانَ ظَهَرَ مِنهُ مَيْلٌ إلى الإسْلامِ. قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ، وكَذَلِكَ كانَ عَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقَدْ فَدى العَبّاسُ نَفْسَهُ وفَدى ابْنَيْ أخَوَيْهِ: عَقِيلًا ونَوْفَلًا. وقالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وهي تَرْغِيبٌ لَهم في الإسْلامِ في المُسْتَقْبَلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهم هَذا القَوْلُ قَبْلَ أنْ يُفارِقُوهم.

فَمَعْنى مَن في أيْدِيكم مَن في مَلْكَتِكم ووِثاقِكم، فالأيْدِي مُسْتَعارَةٌ لِلْمِلْكِ. وجَمْعُها بِاعْتِبارِ عَدَدِ المالِكِينَ. وكانَ الأسْرى مُشْرِكِينَ، فَإنَّهم ما فادَوْا أنْفُسَهم إلّا لِقَصْدِ الرُّجُوعِ إلى أهْلِ الشِّرْكِ.

والمُرادُ بِالخَيْرِ مَحَبَّةُ الإيمانِ والعَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: فَإذا آمَنتُمْ بَعْدَ هَذا الفِداءِ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ . ولَيْسَ إيتاءُ الخَيْرِ عَلى مُجَرَّدِ مَحَبَّةِ الإيمانِ والمَيْلِ إلَيْهِ، كَما أخْبَرَ العَبّاسُ عَنْ نَفْسِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ المَحَبَّةِ مِنَ الإسْلامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ويَغْفِرْ لَكم، وكَذَلِكَ لَيْسَ الخَيْرُ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ هو الجَزْمَ بِالإيمانِ: لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدَّعُوهُ ولا عُرِفُوا بِهِ، قالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: كانَ أسْرى بَدْرٍ مُشْرِكِينَ فَفادَوْا ورَجَعُوا ولَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ لَأقامُوا.

صفحة ٨١

و”ما أُخِذَ“ هو مالُ الفِداءِ، والخَيْرُ مِنهُ هو الأوْفَرُ مِنَ المالِ بِأنْ يُيَسِّرَ لَهم أسْبابَ الثَّرْوَةِ بِالعَطاءِ مِن أمْوالِ الغَنائِمِ وغَيْرِها. فَقَدْ أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَبّاسَ بَعْدَ إسْلامِهِ مِن فَيْءِ البَحْرَيْنِ. وإنَّما حَمَلْنا الخَيْرَ عَلى الأفْضَلِ مِنَ المالِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ في التَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أنْ يَكُونَ تَفْضِيلًا في خَصائِصِ النَّوْعِ، ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ويَغْفِرْ لَكم وذَلِكَ هو خَيْرُ الآخِرَةِ المُتَرَتِّبُ عَلى الإيمانِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ لا تَحْصُلُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِلْإيماءِ إلى عِظَمِ مَغْفِرَتِهِ الَّتِي يَغْفِرُ لَهم؛ لِأنَّها مَغْفِرَةُ شَدِيدِ الغُفْرانِ رَحِيمٍ بِعِبادِهِ، فَمِثالُ المُبالَغَةِ وهو ”غَفُورٌ“ المُقْتَضِي قُوَّةَ المَغْفِرَةِ وكَثْرَتَها، مُسْتَعْمَلٌ فِيهِما بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ المُخاطَبِينَ وعِظَمِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”مِنَ الأسْرى“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وراءٍ بَعْدَ السِّينِ مِثْلَ ”أسْرى“ الأُولى، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ مِنَ الأُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وألِفٍ بَعْدَ السِّينِ وراءَهُ، فَوُرُودُهُما في هَذِهِ الآيَةِ تَفَنُّنٌ.

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.