۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْفالِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
انْتِقالٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ مِن حُكْمِ الأنْفالِ، الَّذِي افْتَتَحَتْهُ السُّورَةُ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ ما جَرى مِنَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ إنْ عادُوا إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]
وافْتِتاحُهُ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى رِعايَةِ العَمَلِ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] فَإنَّ المَقْصُودَ بِالعِلْمِ تَقَرُّرُ الجَزْمِ بِأنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ، والعَمَلُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ، فَيَكُونُ ”اعْلَمُوا“ كِنايَةً مُرادًا بِهِ صَرِيحُهُ ولازِمُهُ. والخِطابُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ وبِالخُصُوصِ جَيْشُ بَدْرٍ ولَيْسَ هَذا نَسْخًا لِحُكْمِ الأنْفالِ المَذْكُورِ أوَّلَ السُّورَةِ، بَلْ هو بَيانٌ لِإجْمالِ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّها ناسِخَةٌ، وإنَّ اللَّهَ شَرَعَ ابْتِداءً أنَّ قِسْمَةَ المَغانِمِ لِرَسُولِهِ ﷺ يُرِيدُ أنَّها لِاجْتِهادِ الرَّسُولِ بِدُونِ تَعْيِينٍ، ثُمَّ شَرَعَ التَّخْمِيسَ. وذَكَرُوا: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُخَمِّسْ مَغانِمَ بَدْرٍ ثُمَّ خَمَّسَ مَغانِمَ أُخْرى بَعْدَ بَدْرٍ، أيْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أعْطاهُ شارِفًا مِنَ الخُمُسِ يَوْمَ بَدْرٍ»، فاقْتَضَتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ أنَّ مَغانِمَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ.
صفحة ٦
وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ قَدِيمًا في المُرادِ مِنَ المَغْنَمِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ تَنْضَبِطْ تَقارِيرُ أصْحابِ التَّفاسِيرِ في طَرِيقَةِ الجَمْعِ بَيْنَ كَلامِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَلَطَها مَعَ آيَةِ سُورَةِ الحَشْرِ، فَجَعَلَ هَذِهِ ناسِخَةً لِآيَةِ الحَشْرِ والعَكْسَ، أوْ أنَّ إحْدى الآيَتَيْنِ مُخَصِّصَةً لِلْأُخْرى: إمّا في السِّهامِ، وإمّا في أنْواعِ المَغانِمِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ. وتَرَدَّدُوا في مُسَمّى الفَيْءِ، فَصارَتْ ثَلاثَةُ أسْماءٍ مَجالًا لِاخْتِلافِ الأقْوالِ: النَّفْلُ، والغَنِيمَةُ، والفَيْءُ.
والوَجْهُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ واتِّصالِها بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (ما غَنِمْتُمْ) في هَذِهِ الآيَةِ: ما حَصَّلْتُمْ مِنَ الغَنائِمِ مِن مَتاعِ الجَيْشِ، وذَلِكَ ما سُمِّيَ بِالأنْفالِ في أوَّلِ السُّورَةِ، فالنَّفْلُ والغَنِيمَةُ مُتَرادِفانِ، وذَلِكَ مُقْتَضى اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ: الأنْفالُ الغَنائِمُ. وعَلَيْهِ فَوَجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إذْ قالَ - تَعالى - هُنا ”غَنِمْتُمْ“ وقالَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] لِاقْتِضاءِ الحالِ التَّعْبِيرَ هُنا بِفِعْلٍ، ولَيْسَ في العَرَبِيَّةِ فِعْلٌ مِن مادَّةِ النَّفْلِ يُفِيدُ إسْنادَ مَعْناهُ إلى مَن حَصَلَ لَهُ، ولِذَلِكَ فَآيَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ سِيقَتْ هُنا بَيانًا لِآيَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] فَإنَّهُما ورَدَتا في …