Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 75

31

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ ۙ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ بُهْتانٍ آخَرَ مِن حِجاجِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، لَمْ تَنْزِلْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ يَتَخَلَّلُها أخْبارُ كُفْرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] .

وهَذِهِ الجُمَلُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]“ .

وهَذا القَوْلُ مَقالَةُ المُتَصَدِّينَ لِلطَّعْنِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومُحاجَّتِهِ، والتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ: مِنهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ فَهِمْنا ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَها وإنَّما اهْتَمُّوا بِالقَصَصِ ولَمْ يَتَبَيَّنُوا مَغْزاها ولا ما في القُرْآنِ مِنَ الآدابِ والحَقائِقِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم ”﴿كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]“ أيْ لا يَفْقَهُونَ ما سَمِعُوا.

ومِن عَجِيبِ بُهْتانِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَحَدّاهم بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وأُفْحِمُوا، ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّ ما في القُرْآنِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ وأنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ - قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، كانَ رَجُلًا مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ ومِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وكانَ كَثِيرَ الأسْفارِ إلى الحِيرَةِ وإلى أطْرافِ بِلادِ العَجَمِ في تِجارَتِهِ، فَكانَ يَلْقى بِالحِيرَةِ ناسًا مِنَ العِبادِ - بِتَخْفِيفِ الباءِ اسْمُ طائِفَةٍ مِنَ النَّصارى - فَيُحَدِّثُونَهُ مِن أخْبارِ الإنْجِيلِ، ويَلْقى مِنَ العَرَبِ مَن يَنْقُلُ أُسْطُورَةَ حُرُوبِ ”رُسْتُمَ“ و”إسْفَنْدِياذَ“ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ في قَصَصِهِمُ الخُرافِيِّ

صفحة ٣٣٠

وإنَّما كانَتْ تِلْكَ الأخْبارُ تُتَرْجَمُ لِلْعَرَبِ بِاللِّسانِ ويَسْتَظْهِرُها قُصّاصُهم وأصْحابُ النَّوادِرِ مِنهم ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ أنَّ تِلْكَ الأخْبارَ كانَتْ مَكْتُوبَةً بِالعَرَبِيَّةِ، فِيما أحْسَبُ، إلّا ما وقَعَ في الكَشّافِ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ جاءَ بِنُسْخَةٍ مِن خَبَرِ ”رُسْتُمَ“ و”إسْفَنْدِياذَ“ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الأخْبارِ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ كَتَبَها القَصّاصُونَ مِن أهْلِ الحِيرَةِ والأنْبارِ تَذْكِرَةً لِأنْفُسِهِمْ، وإنَّما هي أخْبارٌ لا حِكْمَةَ فِيها ولا مَوْعِظَةَ، وقَدْ أطالَ فِيها الفِرْدَوْسِيُّ في كِتابِ ”الشّاهْنامِهْ“ تَطْوِيلًا مُمِلًّا عَلى عادَةِ أهْلِ القَصَصِ، وقالَ الفَخْرُ: اشْتَرى النَّضْرُ مِنَ الحِيرَةَ أحادِيثَ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وكانَ يَقْعُدُ مَعَ المُسْتَهْزِئِينَ والمُقْتَسِمِينَ وهو مِنهم فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، فَإسْنادُ قَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إلى جَماعَةِ المُشْرِكِينَ: مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُؤَيِّدُونَهُ ويَحْكُونَهُ ويُحاكُونَهُ، ويَحْسَبُونَ فِيهِ مَعْذِرَةٌ لَهم عَنِ العَجْزِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ، وأنَّهُ نَفَّسَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأُغْلُوطَةِ، فَإذا كانَ الَّذِي ابْتَكَرَهُ هو النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ …

Al-Anfaal 8:31Listen in Qur'an →
32

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ”﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]“ أوْ عَلى ”﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ [الأنفال: ٣١]“ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ صاحِبُ المَقالَةِ السّابِقَةِ، وقالَها أيْضًا أبُو جَهْلٍ وإسْنادُ القَوْلِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ لِلْوَجْهِ الَّذِي أُسْنِدَ لَهُ قَوْلُ النَّضِرِ قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، فارْجِعْ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ طَرِيقُ حِكايَةِ كَلامِهِمْ إنَّما هو جارٍ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ هُنالِكَ مِن حِكايَةِ المَعْنى.

وكَلامُهم هَذا جارٍ مَجْرى القَسَمِ، وذَلِكَ أنَّهم يُقْسِمُونَ بِطَرِيقَةِ الدُّعاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ إذا كانَ ما حَصَلَ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ ما يَحْكُونَهُ أوْ يَعْتَقِدُونَهُ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّ دَعْوَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ مُسْتَجابَةً، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ شَهِيرَةٌ في كَلامِهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: ما إنْ أتَيْتُ بِشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ إذَنْ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ يَدِي

صفحة ٣٣٢

وقالَ مَعْدانُ بْنُ جَوّاسٍ الكِنْدِيُّ، أوْ حُجَيَّةُ بْنُ المُضَرِّبِ السَّكُونِيُّ

إنْ كانَ ما بُلِّغْتِ عَنِّي فَلامَنِي صَدِيقِي وشَلَّتْ مِن يَدَيَّ الأنامِلُ

وكُفِّنْتُ وحْدِي مُنْذَرًا بِرِدائِهِ ∗∗∗ وصادَفَ حَوْطًا مِن أعادِيَّ قاتِلُ

وقالَ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ:

بُقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُـوسِ

إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ حَرْبٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نَهابِ نُفُـوسِ

وقَدْ ضَمَّنَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ العاشِرَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حِكايَةِ يَمِينٍ وجَّهَها أبُو زَيْدٍ السُّرُوجِيُّ عَلى غُلامِهِ المَزْعُومِ لَدى والِي رَحْبَةِ مالِكِ بْنِ طَوْقٍ حَتّى اضْطُرَّ الغُلامُ إلى أنْ يَقُولَ: الِاصْطِلاءُ بِالبَلِيَّةِ، ولا الِابْتِلاءُ بِهَذِهِ الألِيَّةِ.

فَمَعْنى كَلامِهِمْ: إنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ حَقًّا مِن عِنْدِكَ فَإنْ كانَ حَقًّا فَأصِبْنا بِالعَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قَدْ جَزَمُوا بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَيْسَ الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى يُفِيدَ تَرَدُّدَهم في كَوْنِهِ حَقًّا، ولَكِنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ اليَمِينِ، وقَدْ كانُوا لِجَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَصَدّى لِمُخاطَرَتِهِمْ، فَإذا سَألُوهُ أنْ يُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ وأرادُوا أنْ يُظْهِرُوا لِقَوْمِهِمْ صِحَّةَ جَزْمِهِمْ بِعَدَمِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ فَأعْلَنُوا الدُّعاءَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ يُصِيبَهم عَذابٌ عاجِلٌ إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنَ اللَّهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِ نُزُولِ العَذابِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ في مَعْنى القَسَمِ كَما عَلِمْتَ.

وتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ الأصْلَ فِيها عَدَمُ اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، فَهم غَيْرُ جازِمِينَ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ ومُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ بَلْ هم مُوقِنُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ، واليَقِينُ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ أخَصُّ مِن عَدَمِ اليَقِينِ بِأنَّهُ حَقٌّ.

وضَمِيرُ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ فَهو يَقْتَضِي تَقَوِّي الخَبَرِ أيْ: إنْ كانَ هَذا حَقًّا ومِن عِنْدِكَ بِلا شَكٍّ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فاجْتَمَعَ في التَّرْكِيبِ تَقَوٍّ وحَصْرٌ وذَلِكَ …

Al-Anfaal 8:32Listen in Qur'an →
33

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ”﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]“ أوْ عَلى ”﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ [الأنفال: ٣١]“ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ صاحِبُ المَقالَةِ السّابِقَةِ، وقالَها أيْضًا أبُو جَهْلٍ وإسْنادُ القَوْلِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ لِلْوَجْهِ الَّذِي أُسْنِدَ لَهُ قَوْلُ النَّضِرِ قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، فارْجِعْ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ طَرِيقُ حِكايَةِ كَلامِهِمْ إنَّما هو جارٍ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ هُنالِكَ مِن حِكايَةِ المَعْنى.

وكَلامُهم هَذا جارٍ مَجْرى القَسَمِ، وذَلِكَ أنَّهم يُقْسِمُونَ بِطَرِيقَةِ الدُّعاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ إذا كانَ ما حَصَلَ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ ما يَحْكُونَهُ أوْ يَعْتَقِدُونَهُ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّ دَعْوَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ مُسْتَجابَةً، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ شَهِيرَةٌ في كَلامِهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: ما إنْ أتَيْتُ بِشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ إذَنْ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ يَدِي

صفحة ٣٣٢

وقالَ مَعْدانُ بْنُ جَوّاسٍ الكِنْدِيُّ، أوْ حُجَيَّةُ بْنُ المُضَرِّبِ السَّكُونِيُّ

إنْ كانَ ما بُلِّغْتِ عَنِّي فَلامَنِي صَدِيقِي وشَلَّتْ مِن يَدَيَّ الأنامِلُ

وكُفِّنْتُ وحْدِي مُنْذَرًا بِرِدائِهِ ∗∗∗ وصادَفَ حَوْطًا مِن أعادِيَّ قاتِلُ

وقالَ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ:

بُقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُـوسِ

إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ حَرْبٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نَهابِ نُفُـوسِ

وقَدْ ضَمَّنَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ العاشِرَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حِكايَةِ يَمِينٍ وجَّهَها أبُو زَيْدٍ السُّرُوجِيُّ عَلى غُلامِهِ المَزْعُومِ لَدى والِي رَحْبَةِ مالِكِ بْنِ طَوْقٍ حَتّى اضْطُرَّ الغُلامُ إلى أنْ يَقُولَ: الِاصْطِلاءُ بِالبَلِيَّةِ، ولا الِابْتِلاءُ بِهَذِهِ الألِيَّةِ.

فَمَعْنى كَلامِهِمْ: إنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ حَقًّا مِن عِنْدِكَ فَإنْ كانَ حَقًّا فَأصِبْنا بِالعَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قَدْ جَزَمُوا بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَيْسَ الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى يُفِيدَ تَرَدُّدَهم في كَوْنِهِ حَقًّا، ولَكِنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ اليَمِينِ، وقَدْ كانُوا لِجَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَصَدّى لِمُخاطَرَتِهِمْ، فَإذا سَألُوهُ أنْ يُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ وأرادُوا أنْ يُظْهِرُوا لِقَوْمِهِمْ صِحَّةَ جَزْمِهِمْ بِعَدَمِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ فَأعْلَنُوا الدُّعاءَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ يُصِيبَهم عَذابٌ عاجِلٌ إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنَ اللَّهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِ نُزُولِ العَذابِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ في مَعْنى القَسَمِ كَما عَلِمْتَ.

وتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ الأصْلَ فِيها عَدَمُ اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، فَهم غَيْرُ جازِمِينَ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ ومُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ بَلْ هم مُوقِنُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ، واليَقِينُ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ أخَصُّ مِن عَدَمِ اليَقِينِ بِأنَّهُ حَقٌّ.

وضَمِيرُ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ فَهو يَقْتَضِي تَقَوِّي الخَبَرِ أيْ: إنْ كانَ هَذا حَقًّا ومِن عِنْدِكَ بِلا شَكٍّ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فاجْتَمَعَ في التَّرْكِيبِ تَقَوٍّ وحَصْرٌ وذَلِكَ …

Al-Anfaal 8:33Listen in Qur'an →
34

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]“ وهو ارْتِقاءٌ في بَيانِ أنَّهم أحِقّاءُ بِتَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهم، بَيانًا بِالصَّراحَةِ.

وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهي في مَحَلِّ المُبْتَدَإ ولَهم خَبَرُهُ، واللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ، والتَّقْدِيرُ: ما الَّذِي ثَبَتَ لَهم لِأنْ يَنْتَفِيَ عَنْهم عَذابُ اللَّهِ، فَكَلِمَةُ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ والمَعْنى لَمْ يَثْبُتْ لَهم شَيْءٌ.

و”أنْ لا يُعَذِّبَهم“ مَجْرُورٌ بِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ أنْ عَلى الشّائِعِ مِن حَذْفِ الجَرِّ مَعَ أنْ والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ كانَ لَهم في عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أيْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ في عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أوْ مِن عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أيْ أنَّهم لا شَيْءَ يَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ، والمَقْصُودُ الكِنايَةُ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وحُلُولِهِ بِهِمْ، أوْ تَوَقُّعِ حُلُولِهِ بِهِمْ، تَقُولُ العَرَبُ: ”ما لَكَ أنْ لا تُكْرَمَ“ أيْ أنْتَ حَقِيقٌ بِأنْ تُكْرَمَ ولا يَمْنَعُكَ مِنَ الإكْرامِ شَيْءٌ، فاللَّفْظُ نَفْيٌ لِمانِعِ الفِعْلِ، والمَقْصُودُ أنَّ الفِعْلَ تَوَفَّرَتْ أسْبابُهُ ثُمَّ انْتَفَتْ مَوانِعُهُ، فَلَمْ يَبْقَ ما يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ.

صفحة ٣٣٦

وقَدْ يَتْرُكُونَ ”أنْ“ ويَقُولُونَ: ما لَكَ لا تَفْعَلُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَكُونُ تِلْكَ الحالُ هي مُثِيرُ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهَذا هو المَعْنى الجارِي عَلى الِاسْتِعْمالِ.

وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ما في الآيَةِ نافِيَةً فَيَكُونَ ”أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ“ اسْمَها، و”لَهم“ خَبَرَها، والتَّقْدِيرُ: وما عَدَمُ التَّعْذِيبِ كائِنًا لَهم.

وجُمْلَةُ ”﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ.

والصَّدُّ الصَّرْفُ، ومَفْعُولُ يَصُدُّونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ فَكانَ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ جَرِيمَةً عَظِيمَةً يَسْتَحِقُّ فاعِلُوهُ عَذابَ الدُّنْيا قُبَيْلَ عَذابِ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى الصَّدِّ عَنِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بَناهُ مُؤَسِّسُهُ لِيَكُونَ عَلَمًا عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ومَأْوًى لِلْمُوَحِّدِينَ، فَصَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنْهُ، لِأنَّهم آمَنُوا بِإلَهٍ واحِدٍ، صَرْفٌ لَهُ عَنْ كَوْنِهِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، إذْ صارَ المُوَحِّدُونَ مَعْدُودِينَ غَيْرَ أهْلٍ لِزِيارَتِهِ، فَقَدْ جُعِلُوا مُضادِّينَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْجِدُ مُضادًّا لِلتَّوْحِيدِ وأهْلِهِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ”﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾“ وهَذا كَقَوْلِهِ ”﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] . والظُّلْمُ الشِّرْكُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

وهَذا الصَّدُّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ الآيَةُ: هو عَزْمُهم عَلى صَدِّ المُسْلِمِينَ المُهاجِرِينَ عَنْ أنْ يَحُجُّوا ويَعْتَمِرُوا، ولَعَلَّهم أعْلَنُوا بِذَلِكَ بِحَيْثُ كانَ المُسْلِمُونَ لا يَدْخُلُونَ مَكَّةَ. في الكَشّافِ: كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ.

قُلْتُ: ويَشْهَدُ لِذَلِكَ …

Al-Anfaal 8:34Listen in Qur'an →
35

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

And their prayer at the House was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved.

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤]“ فَمَضْمُونُها سَبَبٌ ثانٍ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ومَوْقِعُها عَقِبَ جُمْلَةِ ”﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]“ يَجْعَلُها كالدَّلِيلِ المُقَرِّرِ لِانْتِفاءِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ مَن كانَ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا عِنْدَ مَسْجِدِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ، فَكانَ حَقِيقًا بِسَلْبِ وِلايَةِ المَسْجِدِ عَنْهُ، فَعُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِاعْتِبارِها سَبَبًا لِلْعَذابِ، ولَوْ فُصِلَتْ بِاعْتِبارِها مُقَرِّرَةً لِسَلْبِ أهْلِيَّةِ الوِلايَةِ عَنْهم لَصَحَّ ذَلِكَ، ولَكِنْ كانَ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أرْجَحَ لِأنَّ العَطْفَ أدَلُّ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ مَوْقِعِها يُفِيدُ الِاعْتِبارَ الثّانِي.

والمُكاءُ عَلى صِيغَةِ مَصادِرِ الأصْواتِ كالرُّغاءِ والثُّغاءِ والبُكاءِ والنُّواحِ. يُقالُ: مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ بِفِيهِ ومِنهُ سُمِّيَ نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ المَكّاءُ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ الكافِ وجَمُعُهُ مَكاكِيءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَ الياءِ وهو طائِرٌ أبْيَضُ يَكُونُ بِالحِجازِ.

صفحة ٣٣٩

وعَنِ الأصْمَعِيِّ قُلْتُ لِمُنْتَجِعِ بْنِ نَبْهانَ ما ”تَمْكُو“ فَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِهِ ونَفَخَ.

والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ مُشْتَقًّا مِنَ الصَّدى وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَرُدُّهُ الهَواءُ مُحاكِيًا لِصَوْتٍ صالِحٍ في البَراحِ مِن جِهَةٍ مُقابِلَةٍ.

ولا تُعْرَفُ لِلْمُشْرِكِينَ صَلاةٌ فَتَسْمِيَةُ مُكائِهِمْ وتَصْدِيَتِهِمْ صَلاةً مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّهم لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَ البَيْتِ، كانَ مِن جُمْلَةِ طَرائِقِ صَدِّهِمْ إيّاهم تَشْغِيبُهم عَلَيْهِمْ وسُخْرِيَتُهم بِهِمْ يُحاكُونَ قِراءَةَ المُسْلِمِينَ وصَلاتَهم بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَعَلَ ذَلِكَ نَفَرٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ يَخْلِطُونَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلاتَهُ، وبَنُو عَبْدِ الدّارِ هم سَدَنَةُ الكَعْبَةِ وأهْلُ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ لِلِاسْتِسْخارِ مِنَ الصَّلاةِ سُمِّيَ فِعْلُهم ذَلِكَ صَلاةً عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ، والمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى اسْتِعارَةٍ عَلاقَتُها المُشاكَلَةُ اللَّفْظِيَّةُ أوِ التَّقْدِيرِيَّةُ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ صَلاةٌ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، وهَذا الَّذِي نَحاهُ حُذّاقُ المُفَسِّرِينَ: مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ”﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾“ لِأنَّ شَأْنَ التَّفْرِيعِ أنْ يَكُونَ جَزاءً عَلى العَمَلِ المَحْكِيِّ قَبْلَهُ، والمُكاءُ والتَّصْدِيَةُ لا يُعَدّانِ كُفْرًا إلّا إذا كانا صادِرَيْنِ لِلسُّخْرِيَةِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وبِالدِّينِ، وأمّا لَوْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ لَهْوٍ عَمِلُوهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَلَيْسَ بِمُقْتَضٍ كَوْنَهُ كُفْرًا إلّا عَلى تَأْوِيلِهِ بِأثَرٍ مِن آثارِ الكُفْرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّما النَّسِيُّ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] .

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَكَرَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً ويَمْكُوَنَ ويُصَفِّقُونَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ وعَلَيْهِ فَإطْلاقُ الصَّلاةِ عَلى المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، قالَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو: أرانِي سَعِيدُ بْنُ …

Al-Anfaal 8:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، عَقَّبَ بِذِكْرِ مُحاوَلَتِهِمُ اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو المَعْنِيُّ بِ سَبِيلِ اللَّهِ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، اهْتِمامًا بِها أيْ أنَّهم يُنْفِقُونَ أمْوالَهم وهي أعَزُّ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ لِلصَّدِّ عَنِ الإسْلامِ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنْفِقُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم وأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِإعْدادِ العُدَدِ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَإنْفاقُهم حَصَلَ في الماضِي ويَحْصُلُ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأشْعَرَتْ لامُ التَّعْلِيلِ بِأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِأنَّهُ مَنُوطٌ بِعِلَّةٍ مُلازِمَةٍ لِنُفُوسِهِمْ وهي بُغْضُ الإسْلامِ وصَدُّهُمُ النّاسَ عَنْهُ.

وهَذا الإنْفاقُ: أنَّهم كانُوا يُطْعِمُونَ جَيْشَهم يَوْمَ بَدْرٍ اللَّحْمَ كُلَّ يَوْمٍ، وكانَ المُطْعِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وهم أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وأبُو البَخْتَرِيِّ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، ونُبَيْهُ بْنُ حَجّاجٍ السَّهْمِيُّ، وأخُوهُ مُنَبِّهٌ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو العامِرِيُّ. كانُوا يُطْعِمُونَ في كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ. وهَذا الإنْفاقُ وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ مَضى، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ الإنْفاقِ وأنَّها حالَةٌ عَجِيبَةٌ في وفْرَةِ النَّفَقاتِ.

وهُوَ جَمْعٌ بِالإضافَةِ يَجْعَلُهُ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كُلَّها مُبالَغَةً، وإلّا فَإنَّهم يُنْفِقُونَ بَعْضَ أمْوالِهِمْ.

صفحة ٣٤١

والفاءُ في فَسَيُنْفِقُونَها تَفْرِيعٌ عَلى العِلَّةِ لِأنَّهم لَمّا كانَ الإنْفاقُ دَأْبَهم لِتِلْكَ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كانَ مِمّا يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ تَكَرُّرُ هَذا الإنْفاقِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ سَتَكُونُ لَهم شَدائِدُ مِن بَأْسِ المُسْلِمِينَ تَضْطَرُّهم إلى تَكْرِيرِ الإنْفاقِ عَلى الجُيُوشِ لِدِفاعِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ ”يُنْفِقُونَها“ راجِعٌ إلى الأمْوالِ لا بِقَيْدِ كَوْنِها المُنْفَقَةَ بَلِ الأمْوالُ الباقِيَةُ أوْ بِما يَكْتَسِبُونَهُ.

وثُمَّ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ والرُّتْبِيِّ، أيْ وبَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ تِلْكَ الأمْوالُ الَّتِي يُنْفِقُونَها حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ والتَّلَهُّفِ عَلى ما فاتَ، وأُسْنِدَتِ الحَسْرَةُ إلى الأمْوالِ لِأنَّها سَبَبُ الحَسْرَةِ بِإنْفاقِها، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ عَنْها بِنَفْسِ الحَسْرَةِ مُبالَغَةٌ مِثْلُ الإخْبارِ بِالمَصادِرِ، لِأنَّ الأمْوالَ سَبَبُ التَّحَسُّرِ لا سَبَبُ الحَسْرَةِ نَفْسِها.

وهَذا إنْذارٌ بِأنَّهم لا يَحْصُلُونَ مِن إنْفاقِهِمْ عَلى طائِلٍ فِيما أنْفَقُوا لِأجْلِهِ، لِأنَّ المُنْفِقَ إنَّما يَتَحَسَّرُ ويَنْدَمُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَهُ المَقْصُودُ مِن إنْفاقِهِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يُنْفِقُونَ لِيَغْلِبُوا فَلا يَغْلِبُونَ، فَقَدْ أنْفَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجَيْشِ يَوْمَ أُحُدٍ: اسْتَأْجَرَ أبُو سُفْيانَ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لِقِتالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والأحابِيشُ فِرَقٌ مِن كِنانَةَ تَجَمَّعَتْ مِن أفْذاذٍ شَتّى وحالَفُوا قُرَيْشًا وسَكَنُوا …

Al-Anfaal 8:36Listen in Qur'an →
37

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[This is] so that Allah may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، عَقَّبَ بِذِكْرِ مُحاوَلَتِهِمُ اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو المَعْنِيُّ بِ سَبِيلِ اللَّهِ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، اهْتِمامًا بِها أيْ أنَّهم يُنْفِقُونَ أمْوالَهم وهي أعَزُّ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ لِلصَّدِّ عَنِ الإسْلامِ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنْفِقُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم وأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِإعْدادِ العُدَدِ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَإنْفاقُهم حَصَلَ في الماضِي ويَحْصُلُ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأشْعَرَتْ لامُ التَّعْلِيلِ بِأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِأنَّهُ مَنُوطٌ بِعِلَّةٍ مُلازِمَةٍ لِنُفُوسِهِمْ وهي بُغْضُ الإسْلامِ وصَدُّهُمُ النّاسَ عَنْهُ.

وهَذا الإنْفاقُ: أنَّهم كانُوا يُطْعِمُونَ جَيْشَهم يَوْمَ بَدْرٍ اللَّحْمَ كُلَّ يَوْمٍ، وكانَ المُطْعِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وهم أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وأبُو البَخْتَرِيِّ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، ونُبَيْهُ بْنُ حَجّاجٍ السَّهْمِيُّ، وأخُوهُ مُنَبِّهٌ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو العامِرِيُّ. كانُوا يُطْعِمُونَ في كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ. وهَذا الإنْفاقُ وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ مَضى، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ الإنْفاقِ وأنَّها حالَةٌ عَجِيبَةٌ في وفْرَةِ النَّفَقاتِ.

وهُوَ جَمْعٌ بِالإضافَةِ يَجْعَلُهُ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كُلَّها مُبالَغَةً، وإلّا فَإنَّهم يُنْفِقُونَ بَعْضَ أمْوالِهِمْ.

صفحة ٣٤١

والفاءُ في فَسَيُنْفِقُونَها تَفْرِيعٌ عَلى العِلَّةِ لِأنَّهم لَمّا كانَ الإنْفاقُ دَأْبَهم لِتِلْكَ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كانَ مِمّا يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ تَكَرُّرُ هَذا الإنْفاقِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ سَتَكُونُ لَهم شَدائِدُ مِن بَأْسِ المُسْلِمِينَ تَضْطَرُّهم إلى تَكْرِيرِ الإنْفاقِ عَلى الجُيُوشِ لِدِفاعِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ ”يُنْفِقُونَها“ راجِعٌ إلى الأمْوالِ لا بِقَيْدِ كَوْنِها المُنْفَقَةَ بَلِ الأمْوالُ الباقِيَةُ أوْ بِما يَكْتَسِبُونَهُ.

وثُمَّ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ والرُّتْبِيِّ، أيْ وبَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ تِلْكَ الأمْوالُ الَّتِي يُنْفِقُونَها حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ والتَّلَهُّفِ عَلى ما فاتَ، وأُسْنِدَتِ الحَسْرَةُ إلى الأمْوالِ لِأنَّها سَبَبُ الحَسْرَةِ بِإنْفاقِها، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ عَنْها بِنَفْسِ الحَسْرَةِ مُبالَغَةٌ مِثْلُ الإخْبارِ بِالمَصادِرِ، لِأنَّ الأمْوالَ سَبَبُ التَّحَسُّرِ لا سَبَبُ الحَسْرَةِ نَفْسِها.

وهَذا إنْذارٌ بِأنَّهم لا يَحْصُلُونَ مِن إنْفاقِهِمْ عَلى طائِلٍ فِيما أنْفَقُوا لِأجْلِهِ، لِأنَّ المُنْفِقَ إنَّما يَتَحَسَّرُ ويَنْدَمُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَهُ المَقْصُودُ مِن إنْفاقِهِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يُنْفِقُونَ لِيَغْلِبُوا فَلا يَغْلِبُونَ، فَقَدْ أنْفَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجَيْشِ يَوْمَ أُحُدٍ: اسْتَأْجَرَ أبُو سُفْيانَ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لِقِتالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والأحابِيشُ فِرَقٌ مِن كِنانَةَ تَجَمَّعَتْ مِن أفْذاذٍ شَتّى وحالَفُوا قُرَيْشًا وسَكَنُوا …

Al-Anfaal 8:37Listen in Qur'an →
38

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.

صفحة ٣٤٤

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾

جَرى هَذا الكَلامُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ، والوَعِيدِ بِالوَعْدِ، والعَكْسُ، فَأنْذَرَهم بِما أنْذَرَ، وتَوَعَّدَهم بِما تَوَعَّدَ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّدارُكِ وإصْلاحِ ما أفْسَدُوا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما يَفْتَحُ لَهم بابَ الإنابَةِ.

والجُمْلَةُ اسْتِينافٌ يَصِحُّ جَعْلُهُ بَيانِيًّا لِأنَّ ما تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِشَأْنِهِمْ، وذِكْرِ خَيْبَةِ مَساعِيهِمْ، مِمّا يُثِيرُ في أنْفُسِ بَعْضِهِمْ والسّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا عَمّا إذا بَقِيَ لَهم مَخْلَصٌ يُنْجِيهِمْ مِن ورْطَتِهِمُ الَّتِي ارْتَبَقُوا فِيها، فَأمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا المَقالَ لِيُرِيَهم أنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، والإقْلاعَ في مُكْنَتِهِمْ.

وأُسْنِدَ الفِعْلُ في الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِينَ لِأنَّهُ حِكايَةٌ بِالمَعْنى رُوعِيَ فِيها جانِبُ المُخاطَبِ بِالأمْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ حَظُّهُ مُجَرَّدَ تَبْلِيغِ مَقالَةٍ، فَجَعَلَ حَظَّهُ حَظَّ المُخْبَرِ بِالقَضِيَّةِ الَّذِي يُرادُ تَقَرُّرُها لَدَيْهِ قَبْلَ تَبْلِيغِها، وهو إذا بَلَّغَ إلَيْهِمْ يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ ما أُعْلِمَ بِهِ وبُلِّغَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مُخْبِرًا بِخَبَرٍ ولَيْسَ مُجَرَّدَ حامِلٍ لِرِسالَةٍ.

والمُرادُ بِالِانْتِهاءِ: الِانْتِهاءُ عَنْ شَيْءٍ مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ الكُفْرِ هُنا وما تَقَدَّمَهُ مِن أمْثالِهِ وآثارِهِ مِنَ الإنْفاقِ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ إنْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما يَكُونُ الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإيمانِ.

و(﴿ما قَدْ سَلَفَ﴾) هو ما أسْلَفُوهُ مِنَ الكُفْرِ وآثارِهِ، وهَذا، وإنْ كانَ قَضِيَّةً خاصَّةً بِالمُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ، فَهو شامِلٌ كُلَّ كافِرٍ لِتَساوِي الحالِ.

ولَفْظُ الغُفْرانِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في العَفْوِ عَنْ جَزاءِ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مَهْيَعُ الآيَةِ فَهو مَعْلُومٌ مِنها بِالقَصْدِ الأوَّلِ لا مَحالَةَ، ويَلْحَقُ بِهِ هُنا عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ .

واسْتَنْبَطَ أيِمَّتُنا مِن هَذِهِ الآيَةِ أحْكامًا لِلْأفْعالِ والتَّبِعاتِ الَّتِي قَدْ تَصْدُرُ مِنَ الكافِرِ في

صفحة ٣٤٥

حالِ كَفْرِهِ فَإذا هو أسْلَمَ قَبْلَ أنْ يُؤاخَذَ بِها هَلْ يُسْقِطُ عَنْهُ إسْلامُهُ التَّبِعاتِ بِها.

وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ما اسْتَقْرَيْتُهُ وأصَّلْتُهُ في دَلالَةِ آيِ القُرْآنِ عَلى ما يَصِحُّ أنَّ تَدُلَّ عَلَيْهِ ألْفاظُها وتَراكِيبُها في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ، فَرَوى ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ أنَّ ابْنَ القاسِمِ، وأشْهَبَ، وابْنَ وهْبٍ، رَوَوْا عَنْ مالِكٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مَن طَلَّقَ في الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ فَلا طَلاقَ عَلَيْهِ، ومَن حَلَفَ يَمِينًا ثُمَّ أسْلَمَ فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ فِيها، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: إنَّما يَعْنِي - عَزَّ وجَلَّ - ما قَدْ مَضى قَبْلَ الإسْلامِ مِن مالٍ أوْ دَمٍ أوْ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو الصَّوابُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ”﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾“، وأنَّ ابْنَ القاسِمِ، وابْنَ وهْبٍ، رَوَيا عَنْ مالِكٍ أنَّ الكافِرَ إذا افْتَرى عَلى مُسْلِمٍ أوْ سَرَقَ ثُمَّ أسْلَمَ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. ولَوْ زَنى ثُمَّ أسْلَمَ أوِ اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً ثُمَّ أسْلَمَ …

Al-Anfaal 8:38Listen in Qur'an →
39

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦] الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“ فَتَكُونَ مِمّا يَدْخُلُ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَعُودُوا فَقاتِلُوهم، كَقَوْلِهِ ”﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]“ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ.

والفِتْنَةُ اضْطِرابُ أمْرِ النّاسِ ومَرَجُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ

صفحة ٣٤٧

- تَعالى - ”﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ”﴿وحَسِبُوا أنْ لّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]“ في سُورَةِ العُقُودِ.

والمُرادُ هُنا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ انْتِفاءَ الفِتْنَةِ غايَةً لِقِتالِهِمْ، وكانَ قِتالُهم مَقْصُودًا مِنهُ إعْدامُهم أوْ إسْلامُهم، وبِأحَدِ هَذَيْنِ يَكُونُ انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، فَنَتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ المُرادَ نَفْيُها كانَتْ حاصِلَةً مِنهم وهي فِتْنَتُهُمُ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، لِأنَّهم إنَّما يَفْتِنُونَ مَن خالَفَهم في الدِّينِ فَإذا أسْلَمُوا حَصَلَ انْتِفاءُ فِتْنَتِهِمْ وإذا أعْدَمَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ.

وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ مِن أنَّ قِتالَ المُشْرِكِينَ واجِبٌ حَتّى يُسْلِمُوا، وأنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - هُنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وهي أيْضًا دالَّةٌ عَلى ما رَآهُ المُحَقِّقُونَ مِن مُؤَرِّخِينا: مِن أنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ إنَّما كانَ أوَّلُهُ دِفاعًا لِأذى المُشْرِكِينَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ حَيْثُما حَلُّوا، فَتِلْكَ الفِتْنَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] .

والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زِيدَ فِيها اسْمُ التَّأْكِيدِ وهو ”كُلُّهُ“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أسْبَقُ نُزُولًا مِن آيَةِ البَقَرَةِ فاحْتِيجَ فِيها إلى تَأْكِيدِ مُفادِ صِيغَةِ اخْتِصاصِ جِنْسِ الدِّينِ بِأنَّهُ لِلَّهِ - تَعالى - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاقْتِناعُ بِإسْلامِ غالِبِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَعْنى العُمُومِ وصارَ نَصًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَلَ عَنْ إعادَتِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ تَطَلُّبًا لِلْإيجازِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ مُجازاتِهِ إيّاهم لِأنَّ القادِرَ عَلى نَفْعِ أوْلِيائِهِ ومُطِيعِيهِ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمُ إلّا خْفاءُ حالِ مَن يُخْلَصُ إلَيْهِ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ …

Al-Anfaal 8:39Listen in Qur'an →
40

وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ

But if they turn away - then know that Allah is your protector. Excellent is the protector, and Excellent is the helper.

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦] الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“ فَتَكُونَ مِمّا يَدْخُلُ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَعُودُوا فَقاتِلُوهم، كَقَوْلِهِ ”﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]“ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ.

والفِتْنَةُ اضْطِرابُ أمْرِ النّاسِ ومَرَجُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ

صفحة ٣٤٧

- تَعالى - ”﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ”﴿وحَسِبُوا أنْ لّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]“ في سُورَةِ العُقُودِ.

والمُرادُ هُنا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ انْتِفاءَ الفِتْنَةِ غايَةً لِقِتالِهِمْ، وكانَ قِتالُهم مَقْصُودًا مِنهُ إعْدامُهم أوْ إسْلامُهم، وبِأحَدِ هَذَيْنِ يَكُونُ انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، فَنَتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ المُرادَ نَفْيُها كانَتْ حاصِلَةً مِنهم وهي فِتْنَتُهُمُ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، لِأنَّهم إنَّما يَفْتِنُونَ مَن خالَفَهم في الدِّينِ فَإذا أسْلَمُوا حَصَلَ انْتِفاءُ فِتْنَتِهِمْ وإذا أعْدَمَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ.

وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ مِن أنَّ قِتالَ المُشْرِكِينَ واجِبٌ حَتّى يُسْلِمُوا، وأنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - هُنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وهي أيْضًا دالَّةٌ عَلى ما رَآهُ المُحَقِّقُونَ مِن مُؤَرِّخِينا: مِن أنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ إنَّما كانَ أوَّلُهُ دِفاعًا لِأذى المُشْرِكِينَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ حَيْثُما حَلُّوا، فَتِلْكَ الفِتْنَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] .

والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زِيدَ فِيها اسْمُ التَّأْكِيدِ وهو ”كُلُّهُ“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أسْبَقُ نُزُولًا مِن آيَةِ البَقَرَةِ فاحْتِيجَ فِيها إلى تَأْكِيدِ مُفادِ صِيغَةِ اخْتِصاصِ جِنْسِ الدِّينِ بِأنَّهُ لِلَّهِ - تَعالى - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاقْتِناعُ بِإسْلامِ غالِبِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَعْنى العُمُومِ وصارَ نَصًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَلَ عَنْ إعادَتِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ تَطَلُّبًا لِلْإيجازِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ مُجازاتِهِ إيّاهم لِأنَّ القادِرَ عَلى نَفْعِ أوْلِيائِهِ ومُطِيعِيهِ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمُ إلّا خْفاءُ حالِ مَن يُخْلَصُ إلَيْهِ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ …

Al-Anfaal 8:40Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.