Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 75

11

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

﴿إذْ يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾

لَقَدْ أبْدَعَ نَظْمُ الآياتِ في التَّنَقُّلِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ

صفحة ٢٧٨

- تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقَرَنَها في قَرْنِ زَمانِها، وجَعَلَ يَنْتَقِلُ مِن إحْداها إلى الأُخْرى بِواسِطَةِ ”إذِ“ الزَّمانِيَّةُ، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّخَلُّصِ، وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فِيما أحْسَبُ.

ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا الظَّرْفُ مَفْعُولًا فِيهِ لِقَوْلِهِ ”وما النَّصْرُ“ فَإنَّ إغْشاءَهُمُ النُّعاسَ كانَ مِن أسْبابِ النَّصْرِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ وقْتُ حُصُولِهِ ظَرْفًا لِلنَّصْرِ.

والغَشْيُ والغَشَيانُ كَوْنُ الشَّيْءِ غاشِيًا أيْ غامًّا ومُغَطِّيًا، فالنَّوْمُ يُغَطِّي العَقْلَ، والنُّعاسُ النَّوْمُ غَيْرُ الثَّقِيلِ، وهو مِثْلُ السِّنَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: يُغْشِيكم، بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ بَعْدَها ياءٌ مُضارِعُ أغْشاهُ وبِنَصْبِ النُّعاسِ، والتَّقْدِيرُ إذْ يُغْشِيكُمُ اللَّهُ النُّعاسَ، والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَغْشى بِسَبَبِ تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ بَعْدَها ألِفٌ، وبِرَفْعِ النُّعاسِ، عَلى أنَّ ”يَغْشاكم“ مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ فاعِلٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ: بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، ونَصْبِ النُّعاسِ، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ غَشّاهُ المُضاعَفِ والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ.

فَإسْنادُ الإغْشاءِ أوِ التَّغْشِيَةِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ أنْ يَنامُوا في وقْتٍ لا يَنامُ في مِثْلِهِ الخائِفُ، ولا يَكُونُ عامًّا سائِرَ الجَيْشِ فَهو نَوْمٌ مَنَحَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ لِفائِدَتِهِمْ.

وإسْنادُ الغَشْيِ إلى النُّعاسِ حَقِيقَةٌ عَلى المُتَعارَفِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ أمَنَةً مِنهُ.

والأمَنَةُ الأمْنُ، وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ النُّعاسَ، وعَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ النُّعاسَ.

وإنَّما كانَ النُّعاسُ أمْنًا لَهم لِأنَّهم لَمّا نامُوا زالَ أثَرُ الخَوْفِ مِن نُفُوسِهِمْ في مُدَّةِ النَّوْمِ فَتِلْكَ نِعْمَةٌ، ولَمّا اسْتَيْقَظُوا وجَدُوا نَشاطًا، ونَشاطُ الأعْصابِ يُكْسِبُ صاحِبَهُ شَجاعَةً ويُزِيلُ شُعُورِ الخَوْفِ الَّذِي هو فُتُورُ الأعْصابِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُغْشِيكم“ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.

صفحة ٢٧٩

و”مَن“ في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، وهو وصْفٌ لِأمْنِهِ لِإفادَةِ تَشْرِيفِ ذَلِكَ النُّعاسِ وأنَّهُ وارِدٌ مِن جانِبِ القُدُسِ، فَهو لُطْفٌ وسَكِينَةٌ ورَحْمَةٌ رَبّانِيَّةٌ، ويَتَأكَّدُ بِهِ إسْنادُ الإغْشاءِ إلى اللَّهِ، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبُوا النُّعاسَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إسْنادٌ مَخْصُوصٌ، ولَيْسَ الإسْنادُ الَّذِي يَعُمُّ المَقْدُوراتِ كُلِّها، وعَلى قِراءَةِ مَن رَفَعُوا النُّعاسَ يَكُونُ وصْفُ الأمَنَةِ بِأنَّها مِنهُ سارِيًا إلى الغَشْيِ فَيُعْلَمُ أنَّهُ غَشْيٌ خاصٌّ قُدْسِيٌّ، ولَيْسَ مِثْلَ سائِرِ غَشَيانِ النُّعاسِ فَهو خارِقٌ لِلْعادَةِ كانَ كَرامَةً لَهم وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَما هو صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ، وحَصَلَ النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ لِطائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ قالَ - تَعالى - ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا …

Al-Anfaal 8:11Listen in Qur'an →
12

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وجَعَلَ الخِطابَ هُنا لِلنَّبِيءِ ﷺ تَلَطُّفًا بِهِ، إذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَفْصِيلِ عَمَلِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ وما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ بِذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ أوْلى لِأنَّهُ أحَقُّ مَن يَعْلَمُ مِثْلَ هَذا العِلْمِ، ويَحْصُلُ العِلْمُ لِلْمُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهُ، وأنَّ الَّذِي يَهُمُّ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ هو نَصْرُ المَلائِكَةِ إيّاهم وقَدْ حَصَلَ الإعْلامُ بِذَلِكَ مِن آيَةِ ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ولِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ أوَّلَ مَنِ اسْتَغاثَ اللَّهَ. ولِذَلِكَ عُرِّفَ اللَّهُ هَنا باسِمِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِيُوافِقَ أُسْلُوبَ ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ولِما فِيهِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِقَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ إشارَةً إلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لُطْفًا بِهِ ورَفْعًا لِشَأْنِهِ.

والوَحْيُ إلى المَلائِكَةِ المُرْسَلِينَ: إمّا بِطَرِيقِ إلْقاءِ هَذا الأمْرِ في نُفُوسِهِمْ بِتَكْوِينٍ خاصٍّ، وإمّا بِإبْلاغِهِمْ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ.

صفحة ٢٨١

و﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ قِيلَ هو في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وذَلِكَ المَصْدَرُ مَفْعُولُ يُوحِي، أيْ يُوحِي إلَيْهِمْ ثُبُوتَ مَعِيَّتِهِ لَهم، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِيُوحِيَ، بِهَذا التَّأْوِيلِ وقِيلَ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ.

وأنْتَ عَلى ذِكْرٍ مِمّا قَدَّمْناهُ قَرِيبًا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] مِن تَحْقِيقِ أنْ تَكُونَ أنَّ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةُ النُّونِ مُفِيدَةً مَعْنى ”أنَّ“ التَّفْسِيرِيَّةِ، إذا وقَعَتْ مَعْمُولَةً لِما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

والمَعِيَّةُ حَقِيقَتُها هُنا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلى اللّائِقَةِ بِاللَّهِ - تَعالى - أعْنِي المَعِيَّةَ المَجازِيَّةَ، فَقَدْ يَكُونُ مَعْناها تَوْجِيهُ عِنايَتِهِ إلَيْهِمْ وتَيْسِيرِ العَمَلِ لَهم، وقَدْ تَكَرَّرَ إطْلاقُ ”مَعَ“ بِمِثْلِ هَذا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ”﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]“ .

وإيحاءُ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ بِهَذا مَقْصُودٌ مِنهُ تَشْرِيفُهم وتَشْرِيفُ العَمَلِ الَّذِي سَيُكَلَّفُونَ بِهِ، لِأنَّ المَعِيَّةَ تُؤْذِنُ إجْمالًا بِوُجُودِ شَيْءٍ يَسْتَدْعِي المُصاحَبَةَ، فَكانَ قَوْلُهُ لَهم ”أنِّي مَعَكم“ مُقَدِّمَةً لِلتَّكْلِيفِ بِعَمَلٍ شَرِيفٍ ولِذَلِكَ يَذْكُرُ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ المَعِيَّةُ لِأنَّهُ سَيُعْلَمُ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ، أيْ أنِّي مَعَكم في عَمَلِكُمُ الَّذِي أُكَلِّفُكم بِهِ.

ومِن هُنا ظَهَرَ مَوْقِعُ فاءِ التَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ ما دَلَّ عَلَيْهِ أنِّي مَعَكم مِنَ التَّهْيِئَةِ لِتَلَقِّي التَّكْلِيفِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ، وإنَّما كانَ هَذا العَمَلُ بِهَذِهِ المَثابَةِ لِأنَّهُ إبْدالٌ لِلْحَقائِقِ الثّابِتَةِ بِاقْتِلاعِها ووَضْعِ أضْدادِها لِأنَّهُ يَجْعَلُ الجُبْنَ شَجاعَةً، والخَوْفَ إقْدامًا، والهَلَعَ ثَباتًا، في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، ويَجْعَلُ العِزَّةَ رُعْبًا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَقْطَعُ أعْناقَهم …

Al-Anfaal 8:12Listen in Qur'an →
13

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

That is because they opposed Allah and His Messenger. And whoever opposes Allah and His Messenger - indeed, Allah is severe in penalty.

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾

إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وجَعَلَ الخِطابَ هُنا لِلنَّبِيءِ ﷺ تَلَطُّفًا بِهِ، إذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَفْصِيلِ عَمَلِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ وما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ بِذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ أوْلى لِأنَّهُ أحَقُّ مَن يَعْلَمُ مِثْلَ هَذا العِلْمِ، ويَحْصُلُ العِلْمُ لِلْمُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهُ، وأنَّ الَّذِي يَهُمُّ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ هو نَصْرُ المَلائِكَةِ إيّاهم وقَدْ حَصَلَ الإعْلامُ بِذَلِكَ مِن آيَةِ ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ولِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ أوَّلَ مَنِ اسْتَغاثَ اللَّهَ. ولِذَلِكَ عُرِّفَ اللَّهُ هَنا باسِمِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِيُوافِقَ أُسْلُوبَ ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] ولِما فِيهِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِقَدْرِ نَبِيِّهِ ﷺ إشارَةً إلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لُطْفًا بِهِ ورَفْعًا لِشَأْنِهِ.

والوَحْيُ إلى المَلائِكَةِ المُرْسَلِينَ: إمّا بِطَرِيقِ إلْقاءِ هَذا الأمْرِ في نُفُوسِهِمْ بِتَكْوِينٍ خاصٍّ، وإمّا بِإبْلاغِهِمْ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ.

صفحة ٢٨١

و﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ قِيلَ هو في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وذَلِكَ المَصْدَرُ مَفْعُولُ يُوحِي، أيْ يُوحِي إلَيْهِمْ ثُبُوتَ مَعِيَّتِهِ لَهم، فَيَكُونُ المَصْدَرُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِيُوحِيَ، بِهَذا التَّأْوِيلِ وقِيلَ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ.

وأنْتَ عَلى ذِكْرٍ مِمّا قَدَّمْناهُ قَرِيبًا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] مِن تَحْقِيقِ أنْ تَكُونَ أنَّ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةُ النُّونِ مُفِيدَةً مَعْنى ”أنَّ“ التَّفْسِيرِيَّةِ، إذا وقَعَتْ مَعْمُولَةً لِما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

والمَعِيَّةُ حَقِيقَتُها هُنا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتُحْمَلُ عَلى اللّائِقَةِ بِاللَّهِ - تَعالى - أعْنِي المَعِيَّةَ المَجازِيَّةَ، فَقَدْ يَكُونُ مَعْناها تَوْجِيهُ عِنايَتِهِ إلَيْهِمْ وتَيْسِيرِ العَمَلِ لَهم، وقَدْ تَكَرَّرَ إطْلاقُ ”مَعَ“ بِمِثْلِ هَذا في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ”﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]“ .

وإيحاءُ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ بِهَذا مَقْصُودٌ مِنهُ تَشْرِيفُهم وتَشْرِيفُ العَمَلِ الَّذِي سَيُكَلَّفُونَ بِهِ، لِأنَّ المَعِيَّةَ تُؤْذِنُ إجْمالًا بِوُجُودِ شَيْءٍ يَسْتَدْعِي المُصاحَبَةَ، فَكانَ قَوْلُهُ لَهم ”أنِّي مَعَكم“ مُقَدِّمَةً لِلتَّكْلِيفِ بِعَمَلٍ شَرِيفٍ ولِذَلِكَ يَذْكُرُ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ المَعِيَّةُ لِأنَّهُ سَيُعْلَمُ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ، أيْ أنِّي مَعَكم في عَمَلِكُمُ الَّذِي أُكَلِّفُكم بِهِ.

ومِن هُنا ظَهَرَ مَوْقِعُ فاءِ التَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ ما دَلَّ عَلَيْهِ أنِّي مَعَكم مِنَ التَّهْيِئَةِ لِتَلَقِّي التَّكْلِيفِ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ، وإنَّما كانَ هَذا العَمَلُ بِهَذِهِ المَثابَةِ لِأنَّهُ إبْدالٌ لِلْحَقائِقِ الثّابِتَةِ بِاقْتِلاعِها ووَضْعِ أضْدادِها لِأنَّهُ يَجْعَلُ الجُبْنَ شَجاعَةً، والخَوْفَ إقْدامًا، والهَلَعَ ثَباتًا، في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، ويَجْعَلُ العِزَّةَ رُعْبًا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ويَقْطَعُ أعْناقَهم …

Al-Anfaal 8:13Listen in Qur'an →
14

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾

الخِطابُ في ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا، والَّذِي قُطِعَتْ بَنانُهم أيْ يُقالُ

صفحة ٢٨٥

لَهم هَذا الكَلامُ حَيْثُ تُضْرَبُ أعْناقُهم وبَنانُهم بِأنْ يُلْقى في نُفُوسِهِمْ حِينَما يُصابُونَ إنَّ إصابَتَهم كانَتْ لِمُشاقَّتِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ تَوَعُّدَ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ والبَطْشِ كَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] وقَوْلِهِ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] ونَحْوِ ذَلِكَ وكانُوا لا يَخْلُونَ مِنَ اخْتِلاجِ الشَّكِّ نُفُوسَهم، فَإذا رَأوُا القَتْلَ الَّذِي لَمْ يَأْلَفُوهُ، ورَأى الواحِدُ مِنهم نَفْسَهُ مَضْرُوبًا بِالسَّيْفِ، ضَرْبًا لا يَسْتَطِيعُ لَهُ دِفاعًا، عَلِمَ أنَّ وعِيدَ اللَّهِ تَحَقَّقَ فِيهِ، فَجاشَ في نَفْسِهِ أنَّ ذَلِكَ لِمُشاقَّتِهِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ولَعَلَّهم كانُوا يَرَوْنَ إصاباتٍ تُصِيبُهم مِن غَيْرِ مَرْئِيٍّ، فَجُمْلَةُ ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قائِلِينَ، هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢]“ .

واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى الضَّرْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]“ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ ذَلِكَ هو العِقابُ المَوْعُودُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]“ فالتَّقْدِيرُ ذَلِكَ بِأنَّكم شاقَقْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ.

وتَفْرِيعُ ”فَذُوقُوهُ“ عَلى جُمْلَةِ ”ذَلِكم“ بِما قُدِّرَ فِيها تَفْرِيعٌ لِلشَّماتَةِ عَلى تَحْقِيقِ الوَعِيدِ، فَصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّماتَةِ والإهانَةِ. ومَوْقِعُ ”فَذُوقُوهُ“ اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ والمَعْطُوفِ في قَوْلِهِ ”وأنَّ لِلْكافِرِينَ“، والِاعْتِراضُ يَكُونُ بِالفاءِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ضِبابِ بَنِي الطُّوالَةِ فاعْلَمِيهِ ولا يَغْرُرْكِ نَأْيِي واغْتِرابِي

قالُوا وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى المَعْقُولِ فَهو مِن جُمْلَةِ القَوْلِ، والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ لِلِاسْتِغْراقِ وهو تَذْيِيلٌ.

والمَعْنى: ذَلِكم، أيْ ضَرْبُ الأعْناقِ، عِقابُ الدُّنْيا، وأنَّ لَكم عَذابَ النّارِ في الآخِرَةِ مَعَ جَمِيعِ الكافِرِينَ، والذَّوْقُ مَجازٌ في الإحْساسِ والعَلاقَةُ الإطْلاقُ.

وقَوْلُهُ ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ أيْ ذَلِكُمُ العَذابُ وأنَّ عَذابَ النّارِ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ.

Al-Anfaal 8:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [for battle], do not turn to them your backs [in flight].

صفحة ٢٨٦

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبَرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

لَمّا ذَكَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِما أيَّدَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ والنَّصْرِ مِن عِنْدِهِ، وأكْرَمَهم بِأنْ نَصَرَهم عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ مِنهم وأكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وأعْقَبُهُ بِأنْ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ مَعَ الكافِرِينَ بِهِ اعْتَرَضَ في خِلالِ ذَلِكَ بِتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوَهْنِ والفِرارِ. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] الآيَةَ. وفي هَذا تَدْرِيبٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الشَّجاعَةِ والإقْدامِ والثَّباتِ عِنْدَ اللِّقاءِ وهي خُطَّةٌ مَحْمُودَةٌ عِنْدَ العَرَبِ لَمْ يَزِدْها الإسْلامُ إلّا تَقْوِيَةً. قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ:

تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّمَـــا

وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِتالِ بَدْرٍ، ولَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ أنَّ حُكْمَها نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ أُثْبِتَتْ في سُورَةِ الأنْفالِ النّازِلَةِ بَعْدَ المَلْحَمَةِ، أوْ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الآياتِ الَّتِي صُدِّرَتْ بِها سُورَةُ الأنْفالِ ثُمَّ رُتِّبَتْ في التِّلاوَةِ في مَكانِها هَذا، والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ كَما سَيَأْتِي.

واللِّقاءُ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ عَلى مُناجَزَةِ العَدُوِّ في الحَرْبِ.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ واضِحَةٌ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ، وأصْلُ اللِّقاءِ أنَّهُ الحُضُورُ لَدى الغَيْرِ.

والزَّحْفُ أصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ مِن بابِ مَنَعَ إذا انْبَعَثَ مِن مَكانِهِ مُتَنَقِّلًا عَلى مَقْعَدَتِهِ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ كَما يَزْحَفُ الصَّبِيُّ.

ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى مَشْيِ المُقاتِلِ إلى عَدُوِّهِ في ساحَةِ القِتالِ زَحْفٌ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى العَدُوِّ بِاحْتِراسٍ وتَرَصُّدِ فُرْصَةٍ فَكَأنَّهُ يَزْحَفُ إلَيْهِ.

صفحة ٢٨٧

ويُطْلَقُ الزَّحْفُ عَلى الجَيْشِ الدَّهْمِ، أيِ الكَثِيرِ عَدَدِ الرِّجالِ، لِأنَّهُ لِكَثْرَةِ النّاسِ فِيهِ يَثْقُلُ تَنَقُّلُهُ، فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ، ثُمَّ غُلِبَ إطْلاقُهُ حَتّى صارَ مَعْنًى مِن مَعانِي الزَّحْفِ، ويُجْمَعُ عَلى زُحُوفٍ.

وقَدِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ المُرادِ مِن لَفْظِ زَحْفًا في هَذِهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ المَشْيِ في الحَرْبِ وجَعَلَهُ وصْفًا لِتَلاحُمِ الجَيْشَيْنِ عِنْدَ القِتالِ لِأنَّ المُقاتِلِينَ يَدِبُّونَ إلى أقْرانِهِمْ دَبِيبًا ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَعْنى الجَيْشِ الدَّهْمِ الكَثِيرِ العَدَدِ، وجَعَلَهُ وصْفًا لِذاتِ الجَيْشِ.

وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَهو: إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ وإمّا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ هو نَهْيٌ عَنِ الِانْصِرافِ مِنَ القِتالِ فِرارًا إذا التَحَمَ الجَيْشانِ، سَواءٌ جَعَلْتَ زَحْفًا حالًا مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ أوْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّ مَشْيَ أحَدِ الجَيْشَيْنِ يَسْتَلْزِمُ مَشْيَ الآخَرِ.

وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَإنْ جُعِلَ حالًا مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ كانَ …

Al-Anfaal 8:15Listen in Qur'an →
16

وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allah, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

صفحة ٢٨٦

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبَرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

لَمّا ذَكَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِما أيَّدَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالمَلائِكَةِ والنَّصْرِ مِن عِنْدِهِ، وأكْرَمَهم بِأنْ نَصَرَهم عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ مِنهم وأكْثَرَ عَدَدًا وعُدَدًا وأعْقَبُهُ بِأنْ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ مَعَ الكافِرِينَ بِهِ اعْتَرَضَ في خِلالِ ذَلِكَ بِتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوَهْنِ والفِرارِ. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] الآيَةَ. وفي هَذا تَدْرِيبٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الشَّجاعَةِ والإقْدامِ والثَّباتِ عِنْدَ اللِّقاءِ وهي خُطَّةٌ مَحْمُودَةٌ عِنْدَ العَرَبِ لَمْ يَزِدْها الإسْلامُ إلّا تَقْوِيَةً. قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ:

تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّمَـــا

وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِتالِ بَدْرٍ، ولَعَلَّ مُرادَ هَذا القائِلِ أنَّ حُكْمَها نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ أُثْبِتَتْ في سُورَةِ الأنْفالِ النّازِلَةِ بَعْدَ المَلْحَمَةِ، أوْ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الآياتِ الَّتِي صُدِّرَتْ بِها سُورَةُ الأنْفالِ ثُمَّ رُتِّبَتْ في التِّلاوَةِ في مَكانِها هَذا، والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ كَما سَيَأْتِي.

واللِّقاءُ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ عَلى مُناجَزَةِ العَدُوِّ في الحَرْبِ.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ واضِحَةٌ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ، وأصْلُ اللِّقاءِ أنَّهُ الحُضُورُ لَدى الغَيْرِ.

والزَّحْفُ أصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ مِن بابِ مَنَعَ إذا انْبَعَثَ مِن مَكانِهِ مُتَنَقِّلًا عَلى مَقْعَدَتِهِ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ كَما يَزْحَفُ الصَّبِيُّ.

ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى مَشْيِ المُقاتِلِ إلى عَدُوِّهِ في ساحَةِ القِتالِ زَحْفٌ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى العَدُوِّ بِاحْتِراسٍ وتَرَصُّدِ فُرْصَةٍ فَكَأنَّهُ يَزْحَفُ إلَيْهِ.

صفحة ٢٨٧

ويُطْلَقُ الزَّحْفُ عَلى الجَيْشِ الدَّهْمِ، أيِ الكَثِيرِ عَدَدِ الرِّجالِ، لِأنَّهُ لِكَثْرَةِ النّاسِ فِيهِ يَثْقُلُ تَنَقُّلُهُ، فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ، ثُمَّ غُلِبَ إطْلاقُهُ حَتّى صارَ مَعْنًى مِن مَعانِي الزَّحْفِ، ويُجْمَعُ عَلى زُحُوفٍ.

وقَدِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ المُرادِ مِن لَفْظِ زَحْفًا في هَذِهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ المَشْيِ في الحَرْبِ وجَعَلَهُ وصْفًا لِتَلاحُمِ الجَيْشَيْنِ عِنْدَ القِتالِ لِأنَّ المُقاتِلِينَ يَدِبُّونَ إلى أقْرانِهِمْ دَبِيبًا ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِمَعْنى الجَيْشِ الدَّهْمِ الكَثِيرِ العَدَدِ، وجَعَلَهُ وصْفًا لِذاتِ الجَيْشِ.

وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَهو: إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ وإمّا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ هو نَهْيٌ عَنِ الِانْصِرافِ مِنَ القِتالِ فِرارًا إذا التَحَمَ الجَيْشانِ، سَواءٌ جَعَلْتَ زَحْفًا حالًا مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ أوْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّ مَشْيَ أحَدِ الجَيْشَيْنِ يَسْتَلْزِمُ مَشْيَ الآخَرِ.

وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فَإنْ جُعِلَ حالًا مِن ضَمِيرِ لَقِيتُمْ كانَ …

Al-Anfaal 8:16Listen in Qur'an →
17

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And you did not kill them, but it was Allah who killed them. And you threw not, [O Muhammad], when you threw, but it was Allah who threw that He might test the believers with a good test. Indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾

الأظْهَرُ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ”إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم“ تُفْصِحُ عَنْ مُقَدَّرٍ قَبْلَها شَرْطٌ أوْ غَيْرُهُ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ شَرْطًا فَتَكُونَ رابِطَةً لِجَوابِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى المَلائِكَةِ بِضَرْبِ أعْناقِ المُشْرِكِينَ وقَطْعِ أيْدِيهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في آخِرِ بابِ النَّهْيِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ”﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥]“ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى النَّهْيِ عَنْ أنْ تُوَلُّوا المُشْرِكِينَ الأدْبارَ تَنْبِيهُكم إلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي دَفَعَ المُشْرِكِينَ عَنْكم وأنْتُمْ أقَلُّ مِنهم عَدَدًا وعُدَّةً، والتَّفْرِيعُ بِالفاءِ تَفْرِيعُ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، فَإنَّ كَوْنَ قَتْلِ المُشْرِكِينَ ورَمْيِهِمْ حاصِلًا مِنَ اللَّهِ لِأمْنِ المُسْلِمِينَ يُفِيدُ تَعْلِيلًا وتَوْجِيهًا لِنَهْيِهِمْ عَنْ أنْ يُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ، ولِأمْرِهِمُ الصَّبْرَ والثَّباتَ وهو تَعْرِيضٌ بِضَمانِ تَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهم إنِ امْتَثَلُوا لِقَوْلِهِ ”﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]“ فَإنَّهم إذا امْتَثَلُوا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ كانَ اللَّهُ ناصِرَهم، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ الوَعِيدَ عَلى تَوْلِيَةِ الأدْبارِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ عُذْرَ المُتَوَلِّينَ والفارِّينَ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - في وقْعَةِ أُحُدٍ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] .

وإذْ قَدْ تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ إخْبارًا عَنْ حالَةِ أفْعالٍ فَعَلَها المُخاطَبُونَ، كانَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِنَفْيِ ما يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ حُصُولَ قَتْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ بِأسْبابِ ضَرْبِ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ، فَأنَّبَأهم أنَّ تِلْكَ السُّيُوفَ ما كانَ يَحِقُّ لَها أنْ تُؤَثِّرَ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ المُصِيبَ المُطَّرِدَ العامَّ الَّذِي حَلَّ بِأبْطالٍ ذَوِي شَجاعَةٍ، وذَوِي شَوْكَةٍ وشِكَّةٍ، وإنَّما كانَ ضَرْبُ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ صُورِيًّا، أكْرَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِمُقارَنَتِهِ فِعْلَ اللَّهِ - تَعالى - الخارِقَ لِلْعادَةِ، فالمَنفِيُّ هو الضَّرْبُ الكائِنُ سَبَبَ القَتْلِ في العادَةِ، وبِذَلِكَ كانَ القَتْلُ الحاصِلُ يَوْمَئِذٍ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وكَرامَةً لِأصْحابِهِ، ولَيْسَ المَنفِيُّ تَأْثِيرَ الضَّرْبِ

صفحة ٢٩٤

فِي نَفْسِ الأمْرِ بِناءً عَلى القَضاءِ والقَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتْلِ الحاصِلِ يَوْمَ بَدْرٍ مَزِيَّةٌ عَلى أيِّ قَتْلٍ يَقَعُ بِالحَقِّ أوْ بِالباطِلِ، في جاهِلِيَّةٍ أوْ إسْلامٍ، وذَلِكَ سِياقُ الآيَةِ الَّذِي هو تَكْرِيمُ المُسْلِمِينَ وتَعْلِيلُ نَهْيِهِمْ عَنِ الفِرارِ إذا لَقُوا.

ولَيْسَ السِّياقُ لِتَعْلِيمِ العَقِيدَةِ الحَقِّ.

وأصْلُ الخَبَرِ المَنفِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ صُدُورِ المُسْنَدِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، لا أنْ يَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ المُسْنَدِ أصْلًا فَلِذَلِكَ صَحَّ النَّفْيُ في قَوْلِهِ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾“ مَعَ كَوْنِ القَتْلِ حاصِلًا، وإنَّما المَنفِيُّ كَوْنُهُ صادِرًا عَنْ أسْبابِهِمْ.

ووَجْهُ الِاسْتِدْراكِ المُفادِ بِ ”لَكِنَّ“ أنَّ …

Al-Anfaal 8:17Listen in Qur'an →
18

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ

That [is so], and [also] that Allah will weaken the plot of the disbelievers.

﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ الإشارَةُ بِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ وهَذِهِ الإشارَةُ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنَ البَلاءِ الحَسَنِ وأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ عِلَّةٌ لِلتَّوْهِينِ.

واسْمُ الإشارَةِ يُفْتَتَحُ بِهِ الكَلامُ لِمَقاصِدَ يَجْمَعُها التَّنْبِيهُ عَلى أهَمِّيَّةِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَئابٍ﴾ [ص: ٥٥]“ ويَجِيءُ في الكَلامِ الوارِدِ تَعْلِيلًا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١]“ .

وعَلَيْهِ فاسْمُ الإشارَةِ هُنا مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ وعُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾“ .

وقَوْلُهُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ﴾“ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، فَما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ولِتَوْهِينِ كَيْدِ الكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكم إلى الأمْرَيْنِ، وهو ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ”﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧]“ مِن تَعْلِيلِ الرَّمْيِ بِخَذْلِ المُشْرِكِينَ وهَزْمِهِمْ وإبْلاءِ المُؤْمِنِينَ البَلاءَ الحَسَنَ.

وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ مَعَ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ اثْنَيْنِ عَلى تَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”كَيْدِ الكافِرِينَ“ هو قَصْدُهُمُ الإضْرارَ بِالمُسْلِمِينَ في صُورَةٍ لَيْسَتْ ظاهِرُها بِمُضِرَّةٍ، وذَلِكَ أنَّ جَيْشَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جاءُوا لِإنْقاذِ العِيرِ لَمّا عَلِمُوا بِنَجاةِ عِيرِهِمْ، وظَنُّوا خْيَبَةَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِها، أبَوْا أنْ يَرْجِعُوا إلى مَكَةَ وأقامُوا عَلى بَدْرٍ لِيَنْحَرُوا ويَشْرَبُوا الخَمْرَ ويَضْرِبُوا الدُّفُوفَ فَرَحًا وافْتِخارًا بِنَجاةِ عِيرِهِمْ

صفحة ٢٩٨

ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ، ولَكِنْ لِيَتَسامَعَ العَرَبُ فَيَتَساءَلُوا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَيُخْبِرُوا بِأنَّهم غَلَبُوا المُسْلِمِينَ فَيَصْرِفُهم ذَلِكَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ فَأرادَ اللَّهُ تَوْهِينَهم بِهَزْمِهِمْ تِلْكَ الهَزِيمَةَ الشَّنْعاءَ فَهو مُوهِنُ كَيْدِهِمْ في الحالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكَيْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ”مُوَهِّنٌ“ بِفَتْحِ الواوِ وبِتَشْدِيدِ الهاءِ وبِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”كَيْدَ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، ”مُوهِنٌ“ بِتَسْكِينِ الواوِ وتَخْفِيفِ الهاءِ ونَصْبٍ ”كَيْدَ“ - والمَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ سَواءٌ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِإضافَةِ ”مُوهِنِ“ إلى ”كَيْدِ“، والمَعْنى وهي إضافَةٌ لَفْظِيَّةٌ مُساوِيَةٌ لِلتَّنْكِيرِ.

Al-Anfaal 8:18Listen in Qur'an →
19

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you [disbelievers] seek the victory - the defeat has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allah is with the believers.

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهْوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾

جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الخِطابَ مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اعْتِراضًا خُوطِبَ بِهِ المُشْرِكُونَ في خِلالِ خُطَباتِ المُسْلِمِينَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ”﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ والخِطابُ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ أبا جَهْلٍ وأصْحابَهُ لَمّا أزْمَعُوا الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ تُجاهَ الكَعْبَةِ، وأنَّهم قَبْلَ أنْ يَشْرَعُوا في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ أيْضًا وقالُوا: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَخُوطِبُوا بِأنْ قَدْ جاءَهُمُ الفَتْحُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أيِ الفَتْحُ الَّذِي هو نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.

وإنَّما كانَ تَهَكُّمًا لِأنَّ في مَعْنى ”﴿جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ اسْتِعارَةَ المَجِيءِ لِلْحُصُولِ عِنْدَهم تَشْبِيهًا بِمَجِيءِ المُنْجِدِ لِأنَّ جَعْلَ الفَتْحِ جاءِيًا إيّاهم يَقْتَضِي أنَّ النَّصْرَ كانَ في جانِبِهِمْ ولِمَنفَعَتِهِمْ، والواقِعُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِقَرِينَةِ مُخالَفَتِهِ الواقِعَ بِمَسْمَعِ المُخاطَبِينَ ومَرْآهم.

وحَمَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلَ جاءَكم عَلى مَعْنى: فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمُ النَّصْرُ ورَأيْتُمُوهُ أنَّهُ

صفحة ٢٩٩

عَلَيْكم لا لَكم، وعَلى هَذا يَكُونُ المَجِيءُ بِمَعْنى الظُّهُورِ: مِثْلِ ”﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]“ ومِثْلِ ”﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]“ ولا يَكُونُ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ.

وصِيغَ ”﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ أنَّ الفِعْلَ مَضى لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ مِن تَكْرِيرِهِمُ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُناسِبَةُ عَطْفِ ”﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾“ إلى قَوْلِهِ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾“ أيْ تَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِكم بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ في جانِبِ المُسْلِمِينَ.

وعُطِفَ الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾“ أيْ: إنْ تَعُودُوا إلى العِنادِ والقِتالِ نَعُدْ، أيْ نَعُدْ إلى هَزْمِكم كَما فَعَلْنا بِكم يَوْمَ بَدْرٍ.

ثُمَّ أيْأسَهم مِنَ الِانْتِصارِ في المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ”﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ﴾“ أيْ لا تَنْفَعُكم جَماعَتُكم عَلى كَثْرَتِها كَما لَمْ تُغْنِ عَنْكم يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ واثِقِينَ بِالنَّصْرِ عَلى المُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ”إنْ“ ”﴿وإنْ تَعُودُوا﴾“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وهي ”﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ .

ولَوِ اتِّصالِيَّةٌ أيْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ كانَتْ في حالِ كَثْرَةٍ عَلى فِئَةِ أعْدائِكم، وصاحِبُ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بَلَوِ الِاتِّصالِيَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِمَضْمُونِها، وقَدْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِنَقِيضِهِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ العَوْدِ في قَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَعُودُوا﴾“ العَوْدَ إلى طَلَبِ النَّصْرِ لِلْمُحِقِّ فالمَعْنى واضِحٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ العَوْدَ إلى مُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ فَقَدْ يُشْكِلُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ انْتَصَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ …

Al-Anfaal 8:19Listen in Qur'an →
20

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ

O you who have believed, obey Allah and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

صفحة ٣٠٢

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾

لَمّا أراهُمُ اللَّهُ آياتِ لُطْفِهِ وعِنايَتِهِ بِهِمْ، ورَأوْا فَوائِدَ امْتِثالِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، وقَدْ كانُوا كارِهِينَ الخُرُوجَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ النَّصْرِ، واعْتِبارًا بِأنَّ ما يَأْمُرُهم بِهِ خَيْرٌ عَواقِبُهُ، وحَذَّرَهم مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .

وفِي هَذا رُجُوعٌ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ في قَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ رُجُوعُ الخَطِيبِ إلى مُقَدِّمَةِ كَلامِهِ ودَلِيلِهِ لِيَأْخُذَها بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ في صُورَةِ نَتِيجَةٍ أسْفَرَ عَنْها احْتِجاجُهُ، لِأنَّ مَطْلُوبَ القِياسِ هو عَيْنُ النَّتِيجَةِ، فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ فَأمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَقَوْلِهِ ”﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]“ في سِياقِ تَرْجِيحِ ما أمَرَهم بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِذَلِكَ بِحادِثَةِ كَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ في بَدْءِ الأمْرِ ومُجادَلَتِهِمْ لِلرَّغْبَةِ في عَدَمِهِ، ثُمَّ حادِثَةِ اخْتِيارِهِمْ لِقاءَ العِيرِ دُونَ لِقاءِ النَّفِيرِ خَشْيَةَ الهَزِيمَةِ، وما نَجَمَ عَنْ طاعَتِهِمُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومُخالَفَتِهِمْ هَواهم ذَلِكَ مِنَ النَّصْرِ العَظِيمِ والغُنْمِ الوَفِيرِ لَهم مَعَ نَزارَةِ الرَّزْءِ، ومِنَ التَّأْيِيدِ المُبِينِ لِلرَّسُولِ ﷺ، والتَّأْسِيسِ لِإقْرارِ دِينِهِ ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ”وكَيْفَ أمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ العَجِيبِ لَمّا أطاعُوهُ وانْخَلَعُوا عَنْ هَواهم، وكَيْفَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. والمُشاقَّةُ ضِدُّ الطّاعَةِ تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ بِوُجُوبِ التَّبَرُّؤِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ عِصْيانِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِأمْرٍ شَدِيدٍ عَلى النُّفُوسِ ألا وهو“ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ”وأظْهَرَ لَهم ما كانَ مِن عَجِيبِ النَّصْرِ لَمّا ثَبَتُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ“ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ”، وضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ إنْ هم أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعادَةِ أمْرِهِمْ بِأنْ

صفحة ٣٠٣

يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا يَتَوَلَّوْا عَنْهُ، فَذْلَكَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ المَوْعِظَةِ الواقِعَةِ بِطُولِها عَقِبَ قَوْلِهِ“ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] ”وذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي فَصْلَ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِينَ قَصْدًا لِإحْضارِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ ما سَيُقالُ لَهم، فَنَزَّلَ الحاضِرَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَطَلَبَ حُضُورَهُ بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِطَلَبِ الإقْبالِ. …

Al-Anfaal 8:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.