Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–75 of 75

71

وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allah before, and He empowered [you] over them. And Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الأسْرى ﴿خِيانَتَكَ﴾ أيْ: نَكَثَ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ بِالرِّدَّةِ، أوْ مَنعِ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ (بَدْرٍ) بِالكُفْرِ بِهِ.

﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ: فَأمْكَنَكَ مِنهم، أيْ: أظْفَرَكَ بِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، كَما رَأيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَيُمَكِّنُ مِنهم إنْ عادُوا إلى الخِيانَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما في بَواطِنِهِمْ مِن إيمانٍ وتَصْدِيقٍ، أوْ خِيانَةٍ ونَقْضِ عَهْدٍ، حَكِيمٌ يُجازِي كُلًّا بِعِلْمِهِ، الخَيْرَ بِالثَّوابِ، والشَّرَّ بِالعِقابِ.

رَوى ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةِ) أنَّ فِداءَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ بِالرَّجُلِ إلى ألْفِ دِرْهَمٍ، إلّا مَن لا شَيْءَ لَهُ، فَمِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ أكْثَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فِداءً العَبّاسُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ رَجُلًا مُوسِرًا، فافْتَدى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ائْذَنْ لَنا، فَنَتْرُكَ لِابْنِ أُخْتِنا عَبّاسٍ فِداءَهُ. قالَ: «لا واللَّهِ ! لا تَذَرُونَ مِنهُ دِرْهَمًا»» .

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ «أنَّ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ يَكُنْ كَما تَقُولُ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، وأمّا ظاهِرُكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، فافْتَدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخِيكَ نَوْفَلًا وعَقِيلًا وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ» . قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ ! قالَ: «فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ»، فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ في سَفَرِي هَذا، فَهَذا المالُ الَّذِي دَفَنْتُهُ لِبْنَيَّ: الفَضْلِ وعَبْدِ اللَّهِ وقُثَمٍ ؟ قالَ: واللَّهِ ! يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ أحَدٌ غَيْرِي وغَيْرَ أمِّ الفَضْلِ، فاحْسُبْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أصَبْتُمْ مِن عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا، ذاكَ شَيْءٌ أعْطانا اللَّهُ تَعالى مِنكَ» .

فَفَدى نَفْسَهُ وابْنِي أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآيَةَ.

قالَ العَبّاسُ: فَأعْطانِي اللَّهُ مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةَ في الإسْلامِ، عِشْرِينَ عَبْدًا كُلَّهم في يَدِهِ مالٌ، يَضْرِبُ بِهِ، مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ».

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أيْضًا أنَّ العَبّاسَ كانَ يَقُولُ: فِيَّ نَزَلَتْ، واللَّهِ ! حِينَ ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إسْلامِي.

ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عَبّاسًا وأصْحابَهُ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنّا بِما جِئْتَ بِهِ، ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآيَةَ. قالَ، فَكانَ العَبّاسُ يَقُولُ: ما أُحِبُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِينا، وأنَّ لِيَ الدُّنْيا، لَقَدْ قالَ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] فَقَدْ أعْطانِي خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنِّي مِائَةَ ضِعْفٍ. وقالَ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] وأرْجُو أنْ قَدْ غَفَرَ لِي». …

Al-Anfaal 8:71Listen in Qur'an →
72

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no guardianship of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allah is Seeing of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِنَصْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طاعَتِهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ أيْ: وطَّنُوا المُهاجِرِينَ وأنْزَلُوهم مَنازِلَهم وبَذَلُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم، وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا في النُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، ويَقُومُ مَقامَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ، ويَكُونُ أحَقَّ بِهِ مِن كُلِّ أحَدٍ، ولِهَذا آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «وآخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَقالَ فِيما بَلَغَنا: «تَآخُوا أخَوَيْنِ أخَوَيْنِ»، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ فَقالَ: «هَذا أخِي»». وكانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولِهِ وعَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ أخَوَيْنِ. وإلَيْهِ أوْصى حَمْزَةُ يَوْمَ (أُحُدٍ)، حِينَ حَضَرَهُ القِتالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حادِثُ المَوْتِ.

وجَعْفَرٌ ذُو الجَناحَيْنِ الطَّيّارُ في الجَنَّةِ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخَوَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخَوَيْنِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعِتْبانُ بْنُ مالِكٍ أخَوَيْنِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخَوَيْنِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ أخَوَيْنِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وسَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ أخَوَيْنِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأوْسُ بْنُ ثابِتٍ أخَوَيْنِ وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ أخَوَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أخَوَيْنِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ أخَوَيْنِ، وأبُو حُذَيْفَةَ وعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ أخَوَيْنِ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أخَوَيْنِ، وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ والمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو أخَوَيْنِ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وأبُو الدَّرْداءِ أخَوَيْنِ، وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ وعُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ أخَوَيْنِ، وبِلالٌ الحَبَشِيُّ وأبُو رُوَيْحَةَ الخَثْعَمِيُّ أخَوَيْنِ.

ولَمّا خَرَجَ بِلالٌ إلى الشّامِ، وأقامَ فِيها مُجاهِدًا، قالَ لَهُ عُمَرُ: إلى مَن نَجْعَلُ دِيوانَكَ ؟ قالَ: مَعَ أبِي رُوَيْحَةَ، لا أُفارِقُهُ أبَدًا، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ بَيْنَهُ وبَيْنِي. فَضُمَّ إلَيْهِ، وضُمَّ دِيوانُ الحَبَشَةِ إلى خَثْعَمٍ، لِمَكانِ بِلالٍ مِنهم.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَهَؤُلاءِ مَن سَمّى لَنا مِمَّنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بَيْنَهم مِن أصْحابِهِ:

تَنْبِيهٌ:

نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوِلايَةِ، هي الوِلايَةُ في المِيراثِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا تَآخَوْا كانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ إرْثًا مُقَدَّمًا عَلى القَرابَةِ، حَتّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالمَوارِيثِ، ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحِيحِالبُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ …

Al-Anfaal 8:72Listen in Qur'an →
73

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ

And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so, there will be fitnah on earth and great corruption.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: فَلا يَتَوَلّاهم إلّا مَن كانَ مِنهم، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ، وإيجابِ مُباعَدَتِهِمْ ومُصارَمَتِهِمْ، وإنْ كانُوا أقْرَبَ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَوارُثَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ.

رَوى الحاكِمُ في (" مُسْتَدْرَكِهِ ") عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ،» رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْهُ بِلَفْظِ: ««لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: إلّا تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ مِنَ التَّواصُلِ، وتَوَلِّي بَعْضِكم بَعْضًا، ومِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَصِيرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الشِّرْكِ، كانَ الشَّرْطُ ظاهِرًا، والفَسادُ زائِدًا، في الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْمِيثاقِ أوْ حِفْظِهِ أوِ النَّصْرِ أوِ الإثْباتِ. وقِيلَ إنَّهُ لِلِاسْتِنْصارِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، والفِتْنَةُ: إهْمالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَنْصِرِينَ بِنا، حَتّى يُسَلَّطَ عَلَيْنا الكُفّارُ، إذْ فِيهِ وهَنٌ لِلدِّينِ. ؟

قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَكَلُّفٌ، أيْ: فالأوْجَهُ عَوْدُهُ لِلتَّوَلِّي والتَّواصُلِ - كَما بَيَّنّا - .

قالَ الرّازِيُّ: بَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ عَنْ وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكَفّارِ.

الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَدِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ، ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:73Listen in Qur'an →
74

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ عَوْدٌ لِذِكْرِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةِ لَهم، مَعَ المَوْعِدِ الكَرِيمِ، فَلا تَكْرارَ، لِما أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِإيجابِ التَّواصُلِ بَيْنَهم، فَذِكْرُهم هاهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ، وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هاهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، وقَدْ كانُوا كَذَلِكَ، لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ، لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ، ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ، ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ والتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ، أيْ: مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. انْتَهى.

وقَدْ أثْنى تَعالى عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ في كِتابِهِ الكَرِيمِ - واللَّهُ أعْلَمُ ـ.

Al-Anfaal 8:74Listen in Qur'an →
75

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allah. Indeed, Allah is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِكم، أيِ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، في اسْتِحْقاقِ ما اسْتَحَقَّيْتُمُوهُ مِنَ المُوالاةِ والمُناصَرَةِ، وكَمالِ الإيمانِ والمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ.

وهَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (مِن بَعْدُ) هو مِن بَعْدِ الهِجْرَةِ الأُولى، أوْ مِن بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ. وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، أوْ مِن بَعْدِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، أوْ مِن بَعْدِ يَوْمِ بَدْرٍ ؟ أقُولُ:

واللَّفْظُ الكَرِيمُ يَعُمُّها كُلَّها، والتَّخْصِيصُ بِأحَدِهِما تَخْصِيصٌ بِلا مُخَصِّصٍ.

﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في حِكْمَتِهِ وقِسْمَتِهِ، أوْ في اللَّوْحِ، أوْ في القُرْآنِ، لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنها ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَقْضِي بَيْنَ عِبادِهِ بِما شاءَ مِن أحْكامِهِ، الَّتِي هي مُنْتَهى الصَّوابِ والحِكْمَةِ والصَّلاحِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِلْمِيراثِ بِالمُوالاةِ والمُناصَرَةِ عِنْدَ مَن فَسَّرَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ وما بَعْدَهُ بِالتَّوارُثِ.

أخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ، لَيْسَ بَيْنَهُما نَسَبٌ، فَيَرِثُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، فَنَسَخَ ذَلِكَ آيَةَ الأنْفالِ فَقالَ:

﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ إلَخْ، إلّا أنَّ في إسْنادِهِ مَن فِيهِ مَقالٌ.

وأمّا مَن فَسَّرَ المُوالاةَ المُتَقَدِّمَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّعْظِيمِ، فَيَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّ القَراباتِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ، لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا أوْلى، لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وحاجَةٍ، لا يَجُوزُ.

الثّانِي: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ورَّثَ ذَوِي الأرْحامِ، وهم مَن لَيْسُوا بِعَصَباتٍ، ولا ذَوِي سِهامٍ. قالَ: ويُعَضِّدُهُ حَدِيثُ: ««الخالُ وارْثُ مَن لا وارِثَ لَهُ»»، وأجابَ مَن مَنَعَ تَوْرِيثَهم بِأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ مِن ذَوِي السِّهامِ والعَصَباتِ، ومِنَ الحَدِيثِ: ««مَن كانَ وارِثُهُ الخالَ فَلا وارِثَ لَهُ»»، ورَدَ بِأنَّها عامَّةٌ فَلا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ، وبِأنَّ مَعْنى الحَدِيثِ: مَن كانَ لا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، لِحَدِيثِ: ««أنا عِمادُ مَن لا عِمادَ لَهُ»» .

ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ أثْبَتُوا مِيراثَهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهم هَلْ يَرِثُونَ بِالقُرْبِ، أوْ بِالتَّنْزِيلِ، وهَلْ يَرِثُ القَرِيبُ مَعَ البَعِيدِ، وهَلْ يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى أوْ لا ؟ والآيَةُ مُحْتَمَلَةٌ. أفادَهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ خُصُوصِيَّةَ ما يُطْلِقُهُ عُلَماءُ الفَرائِضِ عَلى القَرابَةِ الَّذِينَ لا فَرْضَ لَهم ولا عُصْبَةَ، بَلْ يُدْلُونَ بِوارِثٍ كالخالَةِ والخالِ، والعَمَّةِ وأوْلادِ البَناتِ وأوْلادِ الأخَواتِ ونَحْوِهِمْ، كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُهم، …

Al-Anfaal 8:75Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.