Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–75 of 75

71

وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allah before, and He empowered [you] over them. And Allah is Knowing and Wise.

﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الضَّمِيرُ في ”يُرِيدُوا“ عائِدٌ إلى مَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى. وهَذا كَلامٌ خاطَبَ بِهِ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ اطْمِئْنانًا لِنَفْسِهِ، ولِيُبَلِّغَ مَضْمُونَهُ إلى الأسْرى، لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَغْلِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ الَّتِي أفادَها قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، فَكَمُلَ ذَلِكَ الإذْنُ والتَّطْيِيبُ بِالتَّهْنِئَةِ والطَّمْأنَةِ بِأنْ ضُمِنَ لَهم، إنْ خانَهُمُ الأسْرى بَعْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ ونَكَثُوا عَهْدَهم وعادُوا إلى القِتالِ، بِأنَّ اللَّهَ يُمَكِّنُ المُسْلِمِينَ مِنهم مَرَّةً أُخْرى، كَما أمْكَنَهم مِنهم في هَذِهِ المَرَّةِ، أيْ: أنْ يَنْوُوا مِنَ العَهْدِ بِعَدَمِ العَوْدِ إلى الغَزْوِ خِيانَتَكَ، وإنَّما وعَدُوا بِذَلِكَ لِيَنْجُوا مِنَ القَتْلِ والرِّقِّ، فَلا يَضُرُّكم ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ ثانِيَ مَرَّةٍ. والخِيانَةُ نَقْضُ العَهْدِ وما في مَعْنى العَهْدِ كالأمانَةِ.

صفحة ٨٢

فالعَهْدُ، الَّذِي أعْطَوْهُ، هو العَهْدُ بِأنْ لا يَعُودُوا إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ عادَةٌ مَعْرُوفَةٌ في أسْرى الحَرْبِ إذا أطْلَقُوهم فَمِنَ الأسْرى مَن يَخُونُ العَهْدَ ويَرْجِعُ إلى قِتالِ مَن أطْلَقُوهُ.

وخِيانَتُهُمَ اللَّهَ، الَّتِي ذُكِرَتْ في الآيَةِ، يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الشِّرْكُ؛ فَإنَّهُ خِيانَةٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي آدَمَ فِيما حَكاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ. فَإنَّ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ في الفِطْرَةِ، وما مِن نَفْسٍ إلّا وهي تَشْعُرُ بِهِ، ولَكِنَّها تُغالِبُها ضَلالاتُ العاداتِ واتِّباعُ الكُبَراءِ مِن أهْلِ الشِّرْكِ كَما تَقَدَّمَ.

وأنْ يُرادَ بِها العَهْدُ المُجْمَلُ المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [الأعراف: ١٨٩] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَهْدِ ما نَكَثُوا مِنَ التِزامِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الإسْلامِ مِن تَصْدِيقِهِ إذا جاءَهم بِبَيِّنَةٍ، فَلَمّا تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ كَفَرُوا بِهِ وكابَرُوا.

وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ . وتَقْدِيرُهُ: فَلا تَضُرُّكَ خِيانَتُهم، أوْ لا تَهْتَمَّ بِها، فَإنَّهم إنْ فَعَلُوا أعادَهُمُ اللَّهُ إلى يَدِكَ كَما أمْكَنَكَ مِنهم مِن قَبْلُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ سَكَتَ مُعْظَمُ التَّفاسِيرِ وكُتُبُ اللُّغَةِ عَنْ تَبْيِينِ حَقِيقَةِ هَذا التَّرْكِيبِ وبَيانِ اشْتِقاقِهِ وألَمَّ بِهِ بَعْضُهم إلْمامًا خَفِيفًا بِأنْ فَسَّرُوا أمْكَنَ بِـ ”أقْدَرَ“ فَهَلْ هو مُشْتَقٌّ مِنَ المَكانِ أوْ مِنَ الإمْكانِ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ أوْ مِنَ المَكانَةِ بِمَعْنى الظَّفَرِ. ووَقَعَ في الأساسِ: أمْكَنَنِي الأمْرُ، مَعْناهُ: أمْكَنَنِي مِن نَفْسِهِ وفي المِصْباحِ: مَكَّنْتُهُ مِنَ الشَّيْءِ تَمْكِينًا وأمْكَنْتُهُ: جَعَلْتُ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةً.

والَّذِي أفْهَمُهُ مِن تَصارِيفِ كَلامِهِمْ أنَّ هَذا الفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَكانِ وأنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلْجَعْلِ وأنَّ مَعْنى أمْكَنَهُ مِن كَذا: جَعَلَ لَهُ مِنهُ مَكانًا أيْ مَقَرًّا وأنَّ المَكانَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في تَصَرُّفِهِ كَما يَكُونُ المَكانُ مَجالًا …

Al-Anfaal 8:71Listen in Qur'an →
72

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no guardianship of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allah is Seeing of what you do.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هَذِهِ الآياتُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْإعْلامِ بِأحْكامِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، نَشَأ عَنْ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ أنَّهُ مُسْلِمٌ وأنَّ المُشْرِكِينَ أكْرَهُوهُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، ولَعَلَّ بَعْضَ الأسْرى غَيْرَهُ قَدْ قالَ ذَلِكَ وكانُوا صادِقِينَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِمْ وظَنُّوهم أوْلِياءَ لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِحُكْمِ مَن آمَنَ واسْتَمَرَّ عَلى البَقاءِ بِدارِ الشِّرْكِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها تَبْيِينُ مَنازِلِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا والكُفّارِ، والمُهاجِرِينَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وذِكْرُ نِسَبِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.

وتَعَرَّضَتِ الآيَةُ إلى مَراتِبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا فابْتَدَأتْ بِبَيانِ فَرِيقَيْنِ اتَّحَدَتْ أحْكامُهم في الوِلايَةِ والمُؤاساةِ حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ واحِدٍ وهَؤُلاءِ هم فَرِيقا المُهاجِرِينَ والأنْصارِ

صفحة ٨٤

الَّذِينَ امْتازُوا بِتَأْيِيدِ الدِّينِ. فالمُهاجِرُونَ امْتازُوا بِالسَّبْقِ إلى الإسْلامِ وتَكَبَّدُوا مُفارَقَةَ الوَطَنِ. والأنْصارُ امْتازُوا بِإيوائِهِمْ. وبِمَجْمُوعِ العَمَلَيْنِ حَصَلَ إظْهارُ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وأهْلِهِ وقَدِ اشْتَرَكَ الفَرِيقانِ في أنَّهم آمَنُوا وأنَّهم جاهَدُوا، واخْتُصَّ المُهاجِرُونَ بِأنَّهم هاجَرُوا واخْتُصَّ الأنْصارُ بِأنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا، وكانَ فَضْلُ المُهاجِرِينَ أقْوى لِأنَّهم فَضَّلُوا الإسْلامَ عَلى وطَنِهِمْ وأهْلِيهِمْ، وبادَرَ إلَيْهِ أكْثَرُهم، فَكانُوا قُدْوَةً ومِثالًا صالِحًا لِلنّاسِ.

والمُهاجَرَةُ هَجْرُ البِلادِ، أيِ الخُرُوجُ مِنها وتَرْكُها. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:

إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجَـرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ

وأصْلُ الهِجْرَةِ التَّرْكُ واشْتُقَّ مِنهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِخُصُوصِ تَرْكِ الدّارِ والقَوْمِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَهم كانَ أنَّهم يَتْرُكُونَ قَوْمَهم ويَتْرُكُهم قَوْمُهم إذْ لا يُفارِقُ أحَدٌ قَوْمَهُ إلّا لِسُوءِ مُعاشَرَةٍ تَنْشَأُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

وقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ مِن أشْهَرِ أحْوالِ المُخالِفِينَ لِقَوْمِهِمْ في الدِّينِ فَقَدْ هاجَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . وهاجَرَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهاجَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمِهِ، وهاجَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهاجَرَ المُسْلِمُونَ بِإذْنِهِ إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ إلى المَدِينَةِ يَثْرِبَ، ولَمّا اسْتَقَرَّ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِالمَدِينَةِ غَلَبَ عَلَيْهِمْ وصْفُ المُهاجِرِينَ وأصْبَحَتِ الهِجْرَةُ صِفَةَ مَدْحٍ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في مَقامِ التَّفْضِيلِ «لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» «وقالَ لِلْأعْرابِيِّ: ويْحَكَ إنَّ شَأْنَها شَدِيدٌ. وقالَ: لا …

Al-Anfaal 8:72Listen in Qur'an →
73

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ

And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so, there will be fitnah on earth and great corruption.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .

هَذا بَيانٌ لِحُكْمِ القِسْمِ المُقابِلِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وما عُطِفَ عَلَيْهِ. والواوُ لِلتَّقْسِيمِ والإخْبارِ عَنْهم بِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ. خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَدْلُولِهِ الكِنائِيِّ: وهو أنَّهم لَيْسُوا بِأوْلِياءَ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ ولايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ صَرِيحَةً مِمّا يُهِمُّ المُسْلِمِينَ لَوْلا أنَّ القَصْدَ النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ إيّاهم، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ أيْ: إنْ لا تَفْعَلُوا قَطْعَ الوَلايَةِ مَعَهم، فَضَمِيرُ ”تَفْعَلُوهُ“ عائِدٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ بِتَأْوِيلِ: المَذْكُورَ، لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ تَكْلِيفَ المُسْلِمِينَ بِأنْ يُنْفِذُوا ولايَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لَوْلا أنَّ المَقْصُودَ لازِمُ ذَلِكَ وهو عَدَمُ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ إيّاهم.

صفحة ٨٨

والفِتْنَةُ اخْتِلالُ أحْوالِ النّاسِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقَوْلِهِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.

والفِتْنَةُ تَحْصُلُ مِن مُخالَطَةِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ، وكانَتْ لَهم مَعَ المُشْرِكِينَ أواصِرُ قَرابَةٍ ووَلاءٌ ومَوَدَّةٌ ومُصاهَرَةٌ ومُخالَطَةٌ، وقَدْ كانَ إسْلامُ مَن أسْلَمَ مُثِيرًا لِحَنَقِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَنْقَطِعِ المُسْلِمُونَ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ يُخْشى عَلى ضُعَفاءِ النُّفُوسِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ تَجْذِبَهم تِلْكَ الأواصِرُ وتَفْتِنَهم قُوَّةُ المُشْرِكِينَ وعِزَّتُهم، ويَقْذِفَ بِها الشَّيْطانُ في نُفُوسِهِمْ، فَيَحِنُّوا إلى المُشْرِكِينَ ويَعُودُوا إلى الكُفْرِ. فَكانَ إيجابُ مُقاطَعَتِهِمْ لِقَصْدِ قَطْعِ نُفُوسِهِمْ عَنْ تَذَكُّرِ تِلْكَ الصِّلاتِ، وإنْسائِهِمْ تِلْكَ الأحْوالِ، بِحَيْثُ لا يُشاهِدُونَ إلّا حالَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، ولا يَشْتَغِلُوا إلّا بِما يُقَوِّيها، ولِيَكُونُوا في مُزاوَلَتِهِمْ أُمُورَ الإسْلامِ عَنْ تَفَرُّغِ بالٍ مِن تَحَسُّرٍ أوْ تَعَطُّفٍ عَلى المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الوَسائِلَ قَدْ يَسْرِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ فَتُفْضِي وسائِلُ الرَّأْفَةِ والقَرابَةِ إلى وسائِلِ المُوافَقَةِ في الرَّأْيِ فَلِذا كانَ هَذا حَسْمًا لِوَسائِلِ الفِتْنَةِ.

والتَّعْرِيفُ في ”الأرْضِ“ لِلْعَهْدِ والمُرادُ أرْضُ المُسْلِمِينَ.

والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والكَبِيرُ حَقِيقَتُهُ العَظِيمُ الجِسْمِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ القَوِيِّ مِن نَوْعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] والمُرادُ بِالفَسادِ هُنا: ضِدُّ صَلاحِ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ إذا لَمْ يَظْهَرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى أهْلِ الكُفْرِ لَمْ تَظْهَرْ شَوْكَتُهم، ولِأنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ مِن جَرّاءِ اخْتِلافِهِمْ في مِقْدارِ مُواصَلَتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ، ويَرْمِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالكُفْرِ أوِ النِّفاقِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَفَرُّقِ جَماعَتِهِمْ، وهَذا فَسادٌ كَبِيرٌ، ولِأنَّ …

Al-Anfaal 8:73Listen in Qur'an →
74

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.

صفحة ٨٩

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٥]: الآيَةُ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وبَيانِ جَزائِهِمْ وثَوابِهِمْ، بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ ولايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] فَلَيْسَتْ هَذِهِ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، وإنْ تَشابَهَتْ ألْفاظُها: فالأُولى لِبَيانِ ولايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهَذِهِ وارِدَةٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ والشَّهادَةِ لَهم بِصِدْقِ الإيمانِ مَعَ وعْدِهِمْ بِالجَزاءِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٤] لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي جِيءَ بِهِ لِأجْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] كَما تَقَدَّمَ.

وهَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ، أيْ قَصْرِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُهاجِرُوا، والقَصْرُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالحالِ في قَوْلِهِ: حَقًّا. فَقَوْلُهُ: ”حَقًّا“ حالٌ مِنَ المُؤْمِنُونَ وهو مَصْدَرٌ جُعِلَ مِن صِفَتِهِمْ، فالمَعْنى: أنَّهم حاقُّونَ، أيْ مُحَقِّقُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ عَضَّدُوهُ بِالهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ، ولَيْسَ الحَقُّ هُنا بِمَعْنى المُقابِلِ لِلْباطِلِ، حَتّى يَكُونَ إيمانُ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُهاجِرُوا باطِلًا؛ لِأنَّ قَرِينَةَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ، إذْ قَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ ونَفى عَنْهُمُ اسْتِحْقاقَ ولايَةِ المُؤْمِنِينَ.

والرِّزْقُ الكَرِيمُ هو الَّذِي لا يُخالِطُ النَّفْعَ بِهِ ضُرٌّ ولا نَكَدٌ، فَهو نَفْعٌ مَحْضٌ لا كَدَرَ فِيهِ.

Al-Anfaal 8:74Listen in Qur'an →
75

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ

And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allah. Indeed, Allah is Knowing of all things.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مَنَعَ اللَّهُ ولايَةَ المُسْلِمِينَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا بِالصَّراحَةِ، ابْتِداءً ونَفى عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا تَحْقِيقَ الإيمانِ، وكانَ ذَلِكَ مُثِيرًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا

صفحة ٩٠

هَلْ لِأُولَئِكَ تَمَكُّنٌ مِن تَدارُكِ أمْرِهِمْ بِرَأْبِ هَذِهِ الثُّلْمَةِ عَنْهم، فَفَتَحَ اللَّهُ بابَ التَّدارُكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾

فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تَكُونَ مَفْصُولَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنِ الفَصْلِ إلى العَطْفِ تَغْلِيبًا لِمَقامِ التَّقْسِيمِ الَّذِي اسْتَوْعَبَتْهُ هَذِهِ الآياتُ.

ودُخُولُ الفاءِ عَلى الخَبَرِ وهو فَأُولَئِكَ مِنكم لِتَضْمِينِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ مِن جِهَةِ أنَّهُ جاءَ كالجَوابِ عَنْ سُؤالِ السّائِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا إلَخْ، أيْ: مَهْما يَكُنْ مِن حالِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، ومِن حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا، فَـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ وبِذَلِكَ صارَ فِعْلُ آمَنُوا تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن هاجَرُوا وجاهَدُوا لِأنَّ قَوْلَهُ: مِن بَعْدُ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ: إذا حَصَلَ مِنهم ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في وقْتِ نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ، لِيَكُونَ أصْحابُ هَذِهِ الصِّلَةِ قِسْمًا مُغايِرًا لِلْأقْسامِ السّابِقَةِ. فَلَيْسَ المَعْنى أنَّهم آمَنُوا مِن بَعْدِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ مِن بَعْدُ لا حاجَةَ إلى بَيانِ حُكْمِ الِاعْتِدادِ بِإيمانِهِمْ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنَّما المَقْصُودُ: بَيانُ أنَّهم إنْ تَدارَكُوا أمْرَهم بِأنْ هاجَرُوا قُبِلُوا وصارُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ المَحْذُوفَ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ بِناءُ ”بَعْدُ“ عَلى الضَّمِّ، أنَّ تَقْدِيرَهُ: مِن بَعْدِ ما قُلْناهُ في الآياتِ السّابِقَةِ، وإلّا صارَ هَذا الكَلامُ إعادَةً لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ، وبِذَلِكَ تَسْقُطُ الِاحْتِمالاتُ الَّتِي تَرَدَّدَ فِيها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَقْدِيرِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ ”بَعْدُ“

وفِي قَوْلِهِ: ”مَعَكم“ إيذانٌ بِأنَّهم دُونَ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَقِرُّوا بِدارِ الكُفْرِ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِنها المُؤْمِنُونَ وأنَّهم فَرَّطُوا في الجِهادِ مُدَّةً.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا، دُونَ الضَّمِيرِ، لِلِاعْتِناءِ بِالخَبَرِ وتَمْيِيزِهِمْ بِذَلِكَ الحُكْمِ.

و”مِن“ في قَوْلِهِ: ”مِنكم“ تَبْعِيضَيَّةٌ، ويُعْتَبَرُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”مِن“، جَماعَةُ المُهاجِرِينَ أيْ فَقَدْ صارُوا مِنكم، أيْ مِن جَماعَتِكم وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ ولايَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ.

* * *

صفحة ٩١

﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ مِثْلُكم في النَّصْرِ والمُوالاةِ. قالَ مالِكٌ: إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في المَوارِيثِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ يَعْنِي في المُوالاةِ والمِيراثِ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، أيِ اخْتِلافِ القائِلِينَ في أنَّ المُهاجِرَ يَرِثُ …

Al-Anfaal 8:75Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.