قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
لَمْ يُعَيِّنْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُرادَ بِأُولِي الأرْحامِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ جاءَ في القُرْآنِ ما يُبَيِّنُ المُرادَ مِنها أوْ لا، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها بَيَّنَتْها آياتُ المَوارِيثِ، كَما قَدَّمْنا نَظِيرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] .
قالُوا: فَلا إرْثَ لِأحَدٍ مِن أُولِي الأرْحامِ غَيْرُ مَن عُيِّنَتْ لَهم حُقُوقُهم في آياتِ المَوارِيثِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم، وقالُوا: الباقِي عَنْ نَصِيبِ الوَرَثَةِ المَنصُوصِ عَلى إرْثِهِمْ لِبَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ حَجَرٍ، ولا يَضْعُفُ بِأنَّ في إسْنادِهِ إسْماعِيلَ بْنَ عَيّاشٍ، لِما قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ رِوايَتَهُ عَنِ الشّامِيِّينَ قَوِيَّةٌ، وشَيْخُهُ في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، وهو شامِيٌّ ثِقَةٌ، وقَدْ صَرَّحَ في رِوايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، مِن رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حَجَرٍ مِن رِوايَةِ أبِي أُمامَةَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ» يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في التَّرِكَةِ حَقٌّ لِغَيْرِ مَن عُيِّنَتْ لَهم أنْصِباؤُهم في آياتِ المَوارِيثِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ هَذا القَوْلِ: المُرادُ بِذَوِي الأرْحامِ العُصْبَةُ خاصَّةً، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ، يَعْنُونَ قَرابَةَ الأبِ دُونَ قَرابَةِ الأُمِّ، ومِنهُ قَوْلُ قَتِيلَةَ بْنِ الحارِثِ، أوْ بِنْتِ النَّضْرِ بِنْتِ الحارِثِ: [ الكامِلُ ]
؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحامٌ هُناكَ تَشَقَّقُ
فَأطْلَقَتِ الأرْحامَ عَلى قَرابَةِ بَنِي أبِيهِ، والأظْهَرُ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ التَّوْرِيثِ، أنَّ المُرادَ بِذَوِي الأرْحامِ القُرَباءُ، الَّذِينَ بُيِّنَتْ حُقُوقُهم بِالنَّصِّ مُطْلَقًا. واحْتَجَّ أيْضًا مَن قالَ: لا يَرِثُ ذَوُو الأرْحامِ، بِما رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ إلى قُباءَ يَسْتَخِيرُ في مِيراثِ العَمَّةِ والخالَةِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ”لا مِيراثَ لَهُما“»، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، في المَراسِيلِ والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءٍ، مُرْسَلًا، وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ في ”سُنَنِهِ“، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَطاءٍ، ورَدَّ المُخالِفُ هَذا بِأنَّهُ مُرْسَلٌ.
وَأُجِيبُ بِأنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ: الِاحْتِجاجُ بِالمُرْسَلِ، وبِأنَّهُ رَواهُ البَيْهَقِيُّ، …