Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١ ] ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أيْ: مالُوا وانْقادُوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، لُغَتانِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، أيِ: الصُّلْحُ والِاسْتِسْلامُ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ، بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ، وإعْتادِ العَتادِ ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ أيْ: فَمِلْ إلى مُوافَقَتِهِمْ وصالِحْهم وعاهِدْهم، وإنْ قَدَرْتَ عَلى مُحارَبَتِهِمْ، لِأنَّ المُوافَقَةَ أدْعى لَهم إلى الإيمانِ.

ولِهَذا لَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةَ الصُّلْحَ، ووَضْعَ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، أجابَهم إلى ذَلِكَ، مَعَ ما اشْتَرَطُوا مِنَ الشُّرُوطِ الأُخَرِ. و(السَّلْمُ) يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، كَما في _" القامُوسِ "_ .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (السَّلْمُ) تُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ نَقِيضِها، وهي الحَرْبُ.

قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

؎السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَخَفْ في الصُّلْحِ مَكْرَهم، فَإنَّهُ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ، ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِأحْوالِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَ ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ.

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ أيْ: بِالصُّلْحِ لِتَكُفَّ عَنْهم ظاهِرًا، وفي نِيَّتِهِمُ الغَدْرُ: ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ بِنْصِرِهِ ومَعُونَتِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ.

ثُمَّ عَلَّلَ كِفايَتَهُ لَهُ، بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ مِن تَأْيِيدِهِ ﷺ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ الضَّعْفِ، مِن غَيْرِ إعْدادِ قُوَّةٍ ولا رِباطٍ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٣ ] ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: جَمَعَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وكَلِمَتِهِمْ، بِالهُدى الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ، بَعْدَ ما كانَ فِيها العَصَبِيَّةُ والضَّغِينَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ إذْ لا يَدْخُلُ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ، لِكَوْنِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِدِينِهِ الَّذِي جَمَعَهم إلَيْهِ، ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ عَلى كُلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ ذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن تَأْيِيدِ دِينِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ـ: التَّأْلِيفُ بَيْنَ قُلُوبِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، لِأنَّ العَرَبَ لِما فِيهِمْ مِنَ الحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ والِانْطِواءِ عَلى الضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، وإلْقائِهِ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ، وإلى أنْ يَنْتَقِمُوا، لا يَكادُ يَأْتَلِفُ مِنهم قَلْبانِ، ثُمَّ ائْتَلَفَتْ قُلُوبُهم عَلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واتَّحَدُوا وأنْشَأُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِما نَظَّمَ اللَّهُ مِن أُلْفَتِهِمْ، وجَمَعَ مِن كَلِمَتِهِمْ، وأحْدَثَ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّوادِّ، وأماطَ عَنْهم مِنَ التَّباغُضِ والتَّماقُتِ، وكَلَّفَهم مِنَ الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ في اللَّهِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَهو يُقَلِّبُها كَما شاءَ، ويَصْنَعُ فِيها ما أرادَ.

وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ والوَقائِعِ ما أهْلَكَ سادَتَهم ورُؤَساءَهم، ودَقَّ جَماجِمَهم، ولَمْ يَكُنْ لِبَغْضائِهِمْ أمَدٌ ومُنْتَهًى، وبَيْنَهُما التَّجاوُرُ الَّذِي يُهَيِّجُ الضَّغائِنَ، ويُدِيمُ التَّحاسُدَ والتَّنافُسَ.

وعادَةُ كُلِّ طائِفَتَيْنِ كانَتا بِهَذِهِ المَثابَةِ أنْ تَتَجَنَّبَ هَذِهِ ما آثَرَتْهُ أُخْتُها، وتَكْرَهَهُ وتَنْفِرَ عَنْهُ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ، حَتّى اتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ، وتَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا وعادُوا أعْوانًا

وما ذاكَ إلّا بِلَطِيفِ صُنْعِهِ، وبَلِيغِ قُدْرَتِهِ. انْتَهى.

وإنَّما ضَعَّفَ القَوْلَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَيْسَ في السِّياقِ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .

أقُولُ: لَكِنَّ شُهْرَةَ ما كُنَّ بَيْنَ هَذَيْنَ البَطِنَيْنِ مِنَ التَّعادِي الَّذِي تَطاوَلَ أمَدُهُ، واسْتَحالَ قَبْلَ البَعْثَةِ نُضُوبُ مائِهِ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَرِينَةً. ونَقَلَ عُلَماءُ السِّيرَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا لَقِيَ في المَوْسِمِ الرَّهْطَ مِنَ الخَزْرَجِ، ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى. فَأجابُوهُ وصَدَّقُوهُ، قالُوا لَهُ: إنّا قَدْ تَرَكْنا قَوْمَنا، ولا قَوْمَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ والشَّرِّ ما بَيْنَهم، وعَسى أنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنُقْدِمَ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهم إلى أمْرِكَ، نَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أجَبْناكَ إلَيْهِ مِن هَذا الدِّينِ، فَإنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلا رَجُلَ أعَزُّ مِنكَ. رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَطَبَ الأنْصارَ في شَأْنِ غَنائِمِ (حُنَيْنٍ)، قالَ لَهم: «يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ! ألَمْ أجِدْكم ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بِي ؟ وعالَةً …

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٤ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (" زادِ المَعادِ ") في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيِ اللَّهُ وحْدَهُ كافِيكَ، وكافِي أتْباعَكَ، فَلا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى أحَدٍ.

ثُمَّ قالَ: وهاهُنا تَقْدِيرانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِـ (مَن) عَلى الكافِ المَجْرُورَةِ، ويَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، عَلى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ وشُبَهُ المَنعِ مِنهُ واهِيَةٌ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ (مَعَ)، وتَكُونُ (مَن) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ فَإنَّ (حَسَبَكَ) في مَعْنى كافِيكَ، أيِ: اللَّهُ يَكْفِيكَ، ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ، كَما يَقُولُ العَرَبُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

وهَذا أصَحُّ التَّقْدِيرَيْنِ. وفِيها تَقْدِيرٌ ثالِثٌ، أنْ تَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَسْبُهُمُ اللَّهُ.

وفِيها تَقْدِيرٌ رابِعٌ، وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وهو أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، ويَكُونُ المَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وأتْباعَكَ.

وهَذا، وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ، فَهو خَطَأٌ مَحْضٌ، لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ الحَسْبَ والكِفايَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ، كالتَّوَكُّلِ والتَّقْوى والعِبادَةِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] فَفَرَّقَ بَيْنَ الحَسْبِ والتَّأْيِيدِ، فَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ وجَعَلَ التَّأْيِيدَ لَهُ بِنَصْرِهِ وبِعِبادِهِ، وأثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِن عِبادِهِ، حَيْثُ أفْرَدُوهُ بِالحَسْبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]

ولَمْ يَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإذا كانَ هَذا قَوْلَهم، ومَدَحَّ الرَّبُّ تَعالى لَهم بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَسُولِهِ: اللَّهُ وأتْباعُكَ حَسْبَكَ ؟ وأتْباعُهُ، قَدْ أفْرَدُوا الرَّبَّ تَعالى بِالحَسْبِ، ولَمْ يُشْرِكُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِهِ ؟ هَذا مِن أمْحَلِ المُحالِ، وأبْطَلِ الباطِلِ. ونَظِيرُ هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ الإيتاءَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، بَلْ جَعَلَهُ خالِصَ حَقِّهِ، كَما قالَ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ولَمْ يَقُلْ وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ، والنَّذْرَ والحَلِفَ لا يَكُونُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَظِيرُ …

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٥ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حِثَّهم: ﴿عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٦ ] ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: مَشْرُوعِيَّةُ الحَضِّ عَلى القِتالِ، والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَرِّضُ أصْحابَهُ عِنْدَ صَفِّهِمْ، ومُواجَهَةِ العَدُوِّ، كَما «قالَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ أقْبَلَ المُشْرِكُونَ في عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ: «قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ»، فَقالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ: عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» ! فَقالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقالَ: «ما يَحْمِلُكَ عَلى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ» ؟ قالَ: رَجاءَ أنْ أكُونَ مِن أهْلِها. قالَ: «فَإنَّكَ مِن أهْلِها» . فَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ، فَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وأخْرَجَ تَمَراتٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ ألْقى بَقِيَّتَهُنَّ مِن يَدِهِ، وقالَ: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حَتّى آكُلَهُنَّ، إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».

الثّانِيَةُ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥] شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِوُجُوبِ مُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ أيْ: بِألّا يَفِرَّ مِنهم.

رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] كُتِبَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، ولا عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَكُتِبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العُدَّةِ، نَقَّصَ عَنْهم مِنَ الصَّبْرِ، بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.

قالَ في (" اللُّبابِ "): فَظاهِرُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ناسِخٌ لِما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ هَذا الأمْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الرَّجُلِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتالَ عَشَرَةٍ مِنَ الكافِرِينَ، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ يَعْنِي في قِتالِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ، فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ. فَرَدَّ العَشْرَةَ إلى الِاثْنَيْنِ، فَإذا كانَ المُسْلِمُونَ عَلى قَدْرِ النِّصْفِ مِن عَدُوِّهِمْ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَفِرُّوا، فَأيُّما رَجُلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ. انْتَهى.

قالَ في (" العِنايَةِ "): وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ لا ناسِخَةٌ، كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ لِلْمُسافِرِ. وثَمَرَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ قاتَلَ واحِدٌ …

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٧ ] ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ في الأسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم»، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَقالَتِهِ وقالَ: «إنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ»، وعادَ عُمَرُ لِمَقالَتِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ ﷺ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهم، وأنَّ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ. قالَ فَذَهَبَ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كانَ فِيهِ مِنَ الغَمِّ، فَعَفا عَنْهم، وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في (أفْرادِهِ) مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا أسَرُوا الأُسارى. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: «ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى» ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! هم بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ، أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهم فِدْيَةً تَكُونُ لَنا قُوَّةً عَلى الكُفّارِ، فَعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم إلى الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ» ؟ قالَ: قُلْتُ لا، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما أرى الَّذِي رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنِّي أرى أنَّ تُمَكِّنَنا فَنَضْرِبُ أعْناقَهم، فَتُمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنْ حَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنُنِي مِن فُلانٍ - نَسِيبٍ لِعُمِرِ - فَأضْرِبُ عُنُقَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وصَنادِيدُهُ. فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ.

فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْكِي عَلى أصْحابِكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ»، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةَ».

ذَكَرَهُ الحُمَيْدِيُّ في (" مُسْنَدِهِ ") عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، مِن أفْرادِ مُسْلِمٍ بِزِيادَةٍ فِيهِ.

ومَعْنى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ وقُرِئَ (لِلنَّبِيِّ) عَلى العَهْدِ، والمُرادُ عَلى كُلٍّ، نَبِيُّنا ﷺ، وإنَّما نُكِّرَ تَلَطُّفًا بِهِ، حَتّى لا يُواجَهَ بِالعِقابِ. وقُرِئَ (أُسارى) .

ومَعْنى: ﴿يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يُكْثِرُ القَتْلَ ويُبالِغُ فِيهِ، حَتّى يَذِلَّ الكُفْرَ، ويَقِلَّ حِزْبُهُ، ويَعِزَّ الإسْلامُ، ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ. يُقالُ: أثْخَنَ في العَدُوِّ، بالَغَ في قِلَّتِهِمْ. كَما في (" الأساسِ ")، وأثْخَنَ في الأرْضِ قَتْلًا إذا بالَغَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أثْخَنَ إذا غَلَبَ وقَهَرَ.

قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما حَمَلَهُ الأكْثَرُونَ عَلى القَتْلِ، لِأنَّ الدَّوْلَةَ إنَّما تَقْوى بِهِ.

قالَ المُتَنَبِّي:

؎لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ

ولِأنَّهُ يُوجِبُ قُوَّةَ الرُّعْبِ، وشِدَّةُ المَهابَةِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ …

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٨ ] ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ، وهو الفِداءُ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ، بِقِدْرِ إبْطالِكُمُ الحِكْمَةَ العَظِيمَةَ، وهي قَتْلُهُمُ، الَّذِي هو أعَزُّ لِلْإسْلامِ، وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمْ. والمُرادُ بِ (الكِتابِ) الحُكْمُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ.

ولِأئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أقْوالٌ في تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُ قَوْمًا إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ النَّهْيِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ، وقِيلَ: هو كَوْنُ أهْلِ بَدْرٍ مَغْفُورًا لَهم. وقِيلَ: هو حِلُّ المَغانِمِ.

ولِلرّازِيِّ مُناقَشَةٌ في هَذِهِ الأقْوالِ، واخْتارَ أنَّ (الكِتابَ) هو حُكْمُهُ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، لِأنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ.

أقُولُ: لَعَلَّ الأمَسَّ في تَهْوِيلِ ما اكْتَسَبُوهُ، تَفْسِيرُ (الكِتابِ) بِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] واللَّهُ أعْلَمُ ـ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ _ قالَ الرّازِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الحاكِمُ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا وقَوِيَ سُلْطانُهم، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في الأُسارى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [محمد: ٤]

وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] يُرِيدُ حُكْمَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَوافِقَتانِ، فَإنَّ كِلْتَيْهِما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الإثْخانِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أخْذُ الفِداءِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُهم: لا تَظْهَرُ دَعْوى النَّسْخِ مِن أصْلِها، إذِ النَّهْيُ الضِّمْنِيُّ كَما هُنا مُقَيَّدٌ ومُغَيًّا بِالإثْخانِ، أيْ: كَثْرَةُ القِتالِ اللّازِمَةُ لَها قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزَّتُهُ، وما في سُورَةِ القِتالِ مِنَ التَّخْيِيرِ، مَحَلُّهُ بَعْدَ ظُهُورِ شَوْكَةِ الإسْلامِ بِكَثْرَةِ القِتالِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، إذْ ما هُناكَ بَيانٌ لِلْغايَةِ الَّتِي هُنا. نَقَلَهُ في (" الفَتْحِ ") .

الثّانِي: قالَ القاضِي: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْتَهِدُونَ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً، ولَكِنْ لا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَمَرَّ الحُكْمُ في الأسْرى عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ، إنْ شاءَ قَتَلَ، كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ، وإنْ شاءَ فادى بِمالٍ، كَما فَعَلَ بِأسْرى بَدْرٍ، بِمَن أُسِرَ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الجارِيَةِ وابْنَتِها اللَّتَيْنِ كانَتا في سَبْيِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُما وأخَذَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ المُشْرِكِينَ.

وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّ مَن أسَرَ، هَذا مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٌ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ آخَرُ بَيْنَ الأئِمَّةِ، مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ …

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ: كُلُوا بَعْضَهُ بَعْدَ إخْراجِ الخُمْسِ حَلالًا، أيْ: مُطْلَقًا عَنِ العِتابِ والعِقابِ، مِن (حَلِّ العِقالِ) .

﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: لَذِيذًا هَنِيئًا، أوْ حَلالًا بِالشَّرْعِ، طَيِّبًا بِالطَّبْعِ.

قِيلَ: هَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِحِلِّ المَغْنَمِ، لِأنَّهُ عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ، وإشارَةً لِانْدِراجِ مالِ الفِداءِ في عُمُومِها، فَ (ما غَنِمْتُمْ) هُنا، إمّا الفِدْيَةُ، لِأنَّها غَنِيمَةٌ، أوْ مُطْلَقُ الغَنائِمِ.

والمُرادُ بَيانُ حُكْمِ ما انْدَرَجَ فِيها مِنَ الفِدْيَةِ وجَعَلَ الفاءَ عاطِفَةً عَلى سَبَبٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ، فَكَلُّوا قَدْ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِعَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ بِمَعْناهُ، أيْ: لا أُؤاخِذُكم بِما أُخِذَ مِنَ الفِداءِ فَكُلُوهُ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .

قالَ أبُو السُّعُودِ: والأظْهَرُ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: دَعُوهُ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ. ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: (ما) عِبارَةٌ عَنِ الفِدْيَةِ، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ، ويَأْباهُ اتِّساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ. انْتَهى. وهو مُتَّجِهٌ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ويَرْحَمُكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ أيْ: لِمَن في مِلْكَتِكم، كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ تَخْلِيصًا لَهم مِن أسْرِ الضَّلالِ بِضَعْفِ الإيمانِ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ أيْ: قُوَّةَ إيمانٍ وإخْلاصًا فِيهِ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الفِداءِ، إمّا أنْ يُخَلِّفَكم في الدُّنْيا أضْعافَهُ، أوْ يُثِيبَكم في الآخِرَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.