Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

﴿وَإنْ جَنَحُوا﴾ الجُنُوحُ المَيْلُ، ومِنهُ الجَناحُ ويُعَدّى بِاللّامِ وبِإلى، أيْ: إنْ مالُوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أيْ: لِلصُّلْحِ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ وإعْتادِ العَتادِ ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ أيْ: لِلسِّلْمِ، والتَّأْنِيثُ لِحَمْلِهِ عَلى نَقِيضِهِ قالَ:

؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وَقُرِئَ (فاجْنُحْ) بِضَمِّ النُّونِ.

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَخَفْ أنْ يُظْهِرُوا لَكَ السِّلْمَ وجَوانِحُهم مَطْوِيَّةٌ عَلى المَكْرِ والكَيْدِ ﴿إنَّهُ﴾ تَعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ فَيَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في خَلَواتِهِمْ مِن مَقالاتِ الخِداعَ ﴿العَلِيمُ﴾ فَيَعْلَمُ نِيّاتِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ، والآيَةُ خاصَّةٌ بِاليَهُودِ، وقِيلَ: عامَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِإظْهارِ السِّلْمِ وإبْطالِ الحِرابِ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فاعْلَمْ بِأنَّ مُحْسِبَكَ اللَّهُ مِن شُرُورِهِمْ وناصِرُكَ عَلَيْهِمْ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِكِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَإنَّ تَأْيِيدَهُ تَعالى إيّاهُ ﷺ فِيما سَلَفَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَعِيدِ مِنَ الوُقُوعِ مِن دَلائِلِ تَأْيِيدِهِ تَعالى فِيما سَيَأْتِي، أيْ: هو الَّذِي أيَّدَكَ بِإمْدادٍ مِن عِنْدِهِ بِلا واسِطَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أوْ بِالمَلائِكَةِ مَعَ خَرْقِهِ لِلْعاداتِ ﴿وَبِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَصَبِيَّةِ والضَّغِينَةِ والتَّهالُكِ عَلى الِانْتِقامِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَأْتَلِفُ فِيهِمْ قَلْبانِ حَتّى صارُوا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وهَذا مِن أبْهَرِ مُعْجِزاتِهِ ﷺ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لِتَأْلِيفِ ما بَيْنَهم ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، ومُبَيِّنٌ لِعِزَّةِ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ المَأْخَذِ، أيْ: تَناهى التَّعادِي فِيما بَيْنَهم إلى حَدٍّ لَوْ أنَفَقَ مُنْفِقٌ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّأْلِيفِ والإصْلاحِ، وذِكْرُ القُلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ التَّأْلِيفَ بَيْنَها لا يَتَسَنّى، وإنْ أمْكَنَ التَّأْلِيفُ ظاهِرًا.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قَلْبًا وقالَبًا بِقدرته الباهِرَةِ ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ كامِلُ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِ ما يُرِيدُهُ.

وَقِيلَ: الآيَةُ في الأوْسِ والخَزْرَجِ كانَ بَيْنَهم إحَنٌ لا أمَدَ لَها، ووَقائِعُ أفْنَتْ ساداتِهِمْ وأعاظِمَهُمْ، ودَقَّتْ أعْناقَهم وجَماجِمَهم فَأنْسى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَمِيعَ ذَلِكَ، وألَّفَ بَيْنَهم بِالإسْلامِ حَتّى تَصافَوْا وأصْبَحُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وصارُوا أنْصارًا.

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في جَمِيعِ أُمُورِهِ وأُمُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ في الأُمُورِ الواقِعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ كافَّةً إثْرَ بَيانِ كِفايَتِهِ تَعالى إيّاهُ ﷺ في مادَّةٍ خاصَّةٍ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، أوْ فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَفَرَةِ مِنَ الحِرابِ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ اللَّهُ ناصِرًا كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ

وَقِيلَ: في مَوْضِعِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: كافِيكَ وكافِيهِمْ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: كَفاكَ اللَّهُ والمُؤْمِنِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ، وقِيلَ: أسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فَنَزَلَتْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في إسْلامِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ كِفايَتَهُ إيّاهم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ أُمِرَ ﷺ بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ نَصْرِهِ وإمْدادِهِ، وتَكْرِيرُ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ.

﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ: بالِغْ في حَثِّهِمْ عَلَيْهِ وتَرْغِيبِهِمْ فِيهِ بِكُلِّ ما أمْكَنَ مِنَ الأُمُورِ المُرَغِّبَةِ الَّتِي أعْظَمُها تَذْكِيرُ وعْدِهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، وحُكْمُهُ بِكِفايَتِهِ تَعالى، أوْ بِكِفايَتِهِمْ.

وَأصْلُ التَّحْرِيضِ الحَرَضُ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ، وقالَ الرّاغِبُ: كَأنَّهُ في الأصْلِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ، قُلْتُ: فالأوْجَهُ حِينَئِذٍ أنْ يُجْعَلَ الحَرَضُ عِبارَةً عَنْ ضَعْفِ القَلْبِ الَّذِي هو مِن بابِ نَهْكِ المَرَضِ، وقِيلَ: مَعْنى تَحْرِيضِهِمْ تَسْمِيَتُهم حَرَضًا، بِأنْ يُقالَ: إنِّي أراكَ في هَذا الأمْرِ حَرَضًا، أيْ: مُحَرِّضًا فِيهِ لِتَهَيُّجِهِ إلى الإقْدامِ، وقُرِئَ (حَرِّصْ) بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ، وهو واضِحٌ.

﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ مِنهُ تَعالى بِتَغْلِيبِ كُلِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى عَشَرَةِ أمْثالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ الأمْرِ بِتَحْرِيضِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ مَعَ انْفِهامِ مَضْمُونِهِ مِمّا قَبْلَهُ - لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما عِدَّةً بِتَأْيِيدِ الواحِدِ عَلى العَشَرَةِ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ المُفِيدَةِ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ ما لا يُجْرى بَيْنَ الجَمْعَيْنِ الكَثِيرَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّفاوُتَ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ القَلِيلَيْنِ والكَثِيرَيْنِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ، فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ في الصُّورَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَيانٌ لِلْألْفِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ في المِائَتَيْنِ أيْضًا، وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هَهُنا، كَما تُرِكَ قَيْدُ الصَّبْرِ هَهُنا مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا حَتْمًا ثِقَةً بِذِكْرِهِ هُناكَ.

﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْلِبُوا) أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِاليَوْمِ الآخِرِ، لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُؤْمِنُ بِالمِيعادِ، فالسَّعادَةُ عِنْدَهُ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَيَشِحُّ بِها ولا يُعَرِّضُها لِلزَّوالِ بِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، فَيَمِيلُ إلى ما فِيهِ السَّلامَةُ فَيَفِرُّ فَيُغْلَبُ، وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنْ لا سَعادَةَ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ، وإنَّما السَّعادَةُ هي الحَياةُ الباقِيَةُ فَلا يُبالِ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَيَقْدَمُ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ وعَزْمٍ صَحِيحٍ، فَيَقُومُ الواحِدُ مِن مِثْلِهِ مَقامَ الكَثِيرِ - فَكَلامٌ حَقٌّ، لَكِنَّهُ لا يُلائِمُ المَقامَ.

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ لَمّا كانَ الوَعْدُ السّابِقُ مُتَضَمِّنًا لِإيجابِ مُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، وثَباتِهِ لَهم - كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا، ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وقَدْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا، فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، فَهَزَمَهُمْ، ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وضَجُّوا مِنهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَنُسِخَ، وخُفِّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا نَزَلَ التَّخْفِيفُ،» والمُرادُ بِالضَّعْفِ: ضَعْفُ البَدَنِ، وقِيلَ: ضَعْفُ البَصِيرَةِ - وكانُوا مُتَفاوِتِينَ في الِاهْتِداءِ إلى القِتالِ - لا الضَّعْفُ في الدِّينِ، كَما قِيلَ: وقُرِئَ (ضُعْفًا) بِضَمِّ الضّادِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والمَكْثِ والمُكْثِ، وقِيلَ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ ما في الرَّأْيِ والعَقْلِ، وبِالضَّمِّ ما في البَدَنِ، وقُرِئَ (ضُعَفاءَ) جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ بِعلمه تعالى بِضَعْفِهِمْ علمه تعالى بِهِ مِن حَيْثُ هو مُتَحَقِّقٌ بِالفِعْلِ، لا علمه تعالى بِهِ مُطْلَقًا، كَيْفَ لا وهو ثابِتٌ في الأزَلِ؟!

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلتَّخْفِيفِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، وقُرِئَ (تَكُنْ) هَهُنا وفِيما سَبَقَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ.

﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيما سَبَقَ مِن غَلَبَةِ المِائَةِ المِائَتَيْنِ والألِفِ وغَلَبَةِ العِشْرِينَ المِائَتَيْنِ، كَما أنَّ قَيْدَ الصَّبْرِ مُعْتَبَرٌ هَهُنا، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِما مَرَّ، وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِحالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخِذْلانِ - كَما لَمْ يَتَعَرَّضْ هُناكَ لِحالِ المُؤْمِنِينَ - مَعَ أنَّ مَدارَ الغَلَبَةِ في الصُّورَتَيْنِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ - أعْنِي نَصْرَ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانَ الكَفَرَةِ - اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَقامٍ عَمّا تُرِكَ في المَقامِ الآخَرِ، وما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ مَدْخُولِها لِأصالَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ كَما مَرَّ مِرارًا.

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ وقُرِئَ (لِلنَّبِيِّ) عَلى العَهْدِ، والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ ما يُذْكَرُ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ، وأُسارى أيْضًا ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يُكْثِرَ القَتْلَ ويُبالِغَ فِيهِ؛ حَتّى يَذِلَّ الكُفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ، ويَعِزَّ الإسْلامُ، ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، مِن أثْخَنَهُ المَرَضُ والجُرْحُ إذا أثْقَلَهُ، وجَعَلَهُ بِحَيْثُ لا حَراكَ بِهِ ولا بِراحَ، وأصْلُهُ الثَّخانَةُ الَّتِي هي الغِلَظُ والكَثافَةُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْعِتابِ، أيْ: تُرِيدُونَ حُطامَها بِأخْذِكُمُ الفِداءَ، وقُرِئَ (يُرِيدُونَ) بِالياءِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ، الَّذِي لا مِقْدارَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها، أوْ يُرِيدُ سَبَبَ نَيْلِ الآخِرَةِ مِن إعْزازِ دِينِهِ وقِمْعِ أعْدائِهِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ المُضافِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا

﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغَلِّبُ أوْلِيائَهُ عَلى أعْدائِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ، ويَخُصُّهُ بِها، كَما أمَرَ بِالإثْخانِ، ونَهى عَنْ أخْذِ الفِداءِ حِينَ كانَتِ الشَّوْكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً) لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ وصارَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ، فاسْتَشارَ فِيهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي أصْحابَكَ، وقالَ عُمَرُ: اضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، واللَّهُ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ، ومَكِّنِي مِن فُلانٍ نَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ، قالَ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومَثَلَكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ، قالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا»» فَخَيَّرَ أصْحابَهُ، فَأخَذُوا الفِداءَ، فَنَزَلَتْ، فَدَخَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ وإلّا تَباكَيْتُ، فَقالَ: «أبْكِي عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ».

وَرُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««لَوْ نَزَلَ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ لَما نَجا غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ»» وكانَ هو أيْضًا مِمَّنْ أشارَ بِالإثْخانِ.

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أيْ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ أوْ قَوْمًا لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ، وأمّا أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم فَلا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ، فَإنَّ الحِلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةَ، كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ - كَما في الخَمْرِ مَثَلًا - لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ.

قالُوا: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ، فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، والأظْهَرُ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: دَعُوهُ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، وقِيلَ: "ما" عِبارَةٌ عَنِ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ، ويَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ التَّرْغِيبُ في أكْلِها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ صِفَةٌ لِـ(حَلالًا) مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ وُرُودِ الإذْنِ فِيهِ، ويَرْحَمُكم ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: في مِلْكَتِكم كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الأسْرى﴾ وَقُرِئَ (مِنَ الأُسارى) ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ خُلُوصَ إيمانٍ وصِحَّةَ نِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ، وقُرِئَ (أخَذَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ، كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ عَقِيلَ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلَ بْنِ الحَرْثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ ﷺ: ««فَأيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ ؟ وقُلْتَ لَها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكَ، ولِعَبْدِ اللَّهِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، والفَضْلِ؟ فَقالَ العَبّاسُ: ما يُدْرِيكَ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ»» قالَ العَبّاسُ بَعْدَ حِينٍ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيُضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي يَتَأوَّلُ بِهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ مُؤَكَّدٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.