Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 61–70 of 75

61

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allah. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ

ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ

يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ.

قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) .

وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ.

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. …

Al-Anfaal 8:61Listen in Qur'an →
62

وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allah. It is He who supported you with His help and with the believers

الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ

ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ

يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ.

قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) .

وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ.

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. …

Al-Anfaal 8:62Listen in Qur'an →
63

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allah brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

الجُنُوحُ: المَيْلُ، يُقالُ: جَنَحَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ: مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأضالِعِ جَوانِحُ لِأنَّها مالَتْ إلى الحَنْوَةِ، وجَنَحَتِ الإبِلُ: إذا مالَتْ أعْناقُها في السَّيْرِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎إذا ماتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتُ رُوحَهُ بِذِكْراكَ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ

ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎جَوانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ∗∗∗ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلَ غالِبٍ

يَعْنِي الطَّيْرَ، والسَّلْمُ: الصُّلْحُ.

قَرَأ الأعْمَشُ وأبُو بَكْرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والمُفَضَّلُ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

وقَرَأ العُقَيْلِيُّ " فاجْنُحْ " بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والأُولى لُغَةُ قَيْسٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولُغَةُ قَيْسٍ هي القِياسُ، والسَّلْمُ تُؤَنَّثُ كَما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ، أوْ هي مُؤَوَّلَةٌ بِالخَصْلَةِ، أوِ الفِعْلَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ مُحْكَمَةٌ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها قَبُولُ الجِزْيَةِ، وقَدْ قَبِلَها مِنهُمُ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم، فَتَكُونُ خاصَّةً بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ إنْ دَعَوْا إلى الصُّلْحِ جازَ أنْ يُجابُوا إلَيْهِ، وتَمَسَّكَ المانِعُونَ مِن مُصالَحَةِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٣٥ ) .

وقَيَّدُوا عَدَمَ الجَوازِ بِما إذا كانَ المُسْلِمُونَ في عِزَّةٍ وقُوَّةٍ لا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، فَهو جائِزٌ كَما وقَعَ مِنهُ ﷺ مِن مُهادَنَةِ قُرَيْشٍ، وما زالَتِ الخُلَفاءُ والصَّحابَةُ عَلى ذَلِكَ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في جُنُوحِكَ لِلسَّلْمِ ولا تَخَفْ مِن مَكْرِهِمْ، فَ إنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو السَّمِيعُ لِما يَقُولُونَ العَلِيمُ بِما يَفْعَلُونَ.

﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بِالصُّلْحِ، وهم مُضْمِرُونَ الغَدْرَ والخَدْعَ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ كافِيَكَ ما تَخافُهُ مِن شُرُورِهِمْ بِالنَّكْثِ والغَدْرِ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ لا تَخَفْ مِن خَدْعِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي قَوّاكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ فِيما مَضى، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، هو الَّذِي سَيَنْصُرُكَ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ حُدُوثِ الخَدْعِ والنَّكْثِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ.

ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ كانَ تَأْيِيدُهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وظاهِرُهُ العُمُومُ وأنَّ ائْتِلافَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ هو مِن أسْبابِ النَّصْرِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَقَدْ كانَ بَيْنَهم عَصَبِيَّةٌ شَدِيدَةٌ وحُرُوبٌ عَظِيمَةٌ فَألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: أرادَ التَّأْلِيفَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ يَأْكُلُ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَحْتَرِمُ مالَهُ ولا دَمَهُ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَصارُوا يَدًا واحِدَةً، وذَهَبَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَصَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. …

Al-Anfaal 8:63Listen in Qur'an →
64

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

O Prophet, sufficient for you is Allah and for whoever follows you of the believers.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ.

والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم.

وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ …

Al-Anfaal 8:64Listen in Qur'an →
65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are] steadfast, they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ.

والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم.

وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ …

Al-Anfaal 8:65Listen in Qur'an →
66

ٱلْـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

Now, Allah has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allah. And Allah is with the steadfast.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لَيْسَ هَذا تَكْرِيرًا لِما قَبْلَهُ فَإنَّ الأوَّلَ مُقَيَّدٌ بِإرادَةِ الخَدْعِ ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ( الأنْفالِ: ٦٢ ) فَهَذِهِ كِفايَةٌ خاصَّةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كِفايَةٌ عامَّةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ في كُلِّ حالٍ.

والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُكَ المُؤْمِنُونَ: أيْ كافِيكَ اللَّهُ وكافِيكَ المُؤْمِنُونَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى " مَعَ " كَما تَقُولُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، والمَعْنى: كافِيكَ وكافِي المُؤْمِنِينَ اللَّهُ؛ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْتَنِعٌ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وأجازَهُ الكُوفِيُّونَ.

قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ بِكَثِيرٍ في كَلامِهِمْ أنْ تَقُولَ حَسْبُكَ وأخِيكَ، بَلِ المُسْتَعْمَلُ أنْ يُقالَ: حَسْبُكَ وحَسْبُ أخِيكَ بِإعادَةِ الجارِّ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مَجْرُورًا لَقِيلَ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، واخْتارَ النَّصْبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ النَّحّاسُ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُهُمُ اللَّهُ فَحَذَفَ الخَبَرَ.

قَوْلُهُ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ أيْ حِثَّهم وحُضَّهم، والتَّحْرِيضُ في اللُّغَةِ: المُبالَغَةُ في الحَثِّ وهو كالتَّحْضِيضِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَضِ، وهو أنْ يُنْهِكَهُ المَرَضُ ويَتَبالَغَ فِيهِ حَتّى يُشْفِيَ عَلى المَوْتِ كَأنَّهُ يَنْسُبُهُ إلى الهَلاكِ لَوْ تَخَلَّفَ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ بَشَّرَهم تَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ بِأنَّ الصّابِرِينَ مِنهم في القِتالِ يَغْلِبُونَ عَشْرَةً أمْثالَهم مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ثُمَّ زادَ هَذا إيضاحًا مُفِيدًا لِعَدَمِ اخْتِصاصِ هَذِهِ البِشارَةِ بِهَذا العَدَدِ، بَلْ هي جارِيَةٌ في كُلِّ عَدَدٍ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَماعَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَلِيلًا كانُوا أوْ كَثِيرًا لا يَغْلِبُهم عَشْرَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ وُجِدَ في الخارِجِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَكَمْ مِن طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ يَغْلِبُونَ مَن هو مِثْلُ عُشْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ مِثْلُ نِصْفِهِمْ بَلْ مِثْلُهم.

وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ وُجُودَ هَذا في الخارِجِ لا يُخالِفُ ما في الآيَةِ لِاحْتِمالِ أنْ لا تَكُونَ الطّائِفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَّصِفَةً بِصِفَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ الواقِعَ في الآيَةِ هو في مَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٣٣ ) ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٢٨ ) فالمُؤْمِنُونَ كانُوا مَأْمُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَثْبُتَ الجَماعَةُ مِنهم لِعَشَرَةِ أمْثالِهِمْ، ثُمَّ لَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ واسْتَعْظَمُوهُ خَفَّفَ عَنْهم ورَخَّصَ لَهم لِما عَلِمَهُ - سُبْحانَهُ - مِن وُجُودِ الضَّعْفِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأوْجَبَ عَلى الواحِدِ أنْ يَثْبُتَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ عَنْ عاصِمٍ " ضَعْفًا " بِفَتْحِ الضّادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ …

Al-Anfaal 8:66Listen in Qur'an →
67

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allah 's enemies] in the land. Some Muslims desire the commodities of this world, but Allah desires [for you] the Hereafter. And Allah is Exalted in Might and Wise.

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ.

ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ.

ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى:

؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا.

والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ.

فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ.

أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ.

وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم.

القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) .

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا.

القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ.

وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ …

Al-Anfaal 8:67Listen in Qur'an →
68

لَّوْلَا كِتَٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

If not for a decree from Allah that preceded, you would have been touched for what you took by a great punishment.

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ.

ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ.

ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى:

؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا.

والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ.

فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ.

أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ.

وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم.

القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) .

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا.

القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ.

وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ …

Al-Anfaal 8:68Listen in Qur'an →
69

فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

هَذا حُكْمٌ آخَرُ مِن أحْكامِ الجِهادِ.

ومَعْنى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وسُهَيْلٌ ويَعْقُوبُ ويَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أنْ تَكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ أيْضًا يَزِيدُ والمُفَضَّلُ " أُسارى " وقَرَأ الباقُونَ " أسْرى " والأسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، مِثْلَ قَتْلى وقَتِيلٍ، وجَرْحى وجَرِيحٍ.

ويُقالُ في جَمْعِ أسِيرٍ أيْضًا أُسارى بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ، وهو القَدُّ، لِأنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ بِهِ الأسِيرَ، فَسُمِّيَ كُلُّ أخِيذٍ وإنْ لَمْ يُشَدَّ بِالقَدِّ أسِيرًا، قالَ الأعْشى:

؎وقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَما قَيَّدَتِ الأسَراتُ الحِمارا

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى هم غَيْرُ المُوَثَّقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ، والأُسارى هُمُ المُوَثَّقُونَ رِقًّا.

والإثْخانُ: كَثْرَةُ القَتْلِ والمُبالَغَةُ فِيهِ، تَقُولُ العَرَبُ: أثْخَنَ فُلانٌ في هَذا الأمْرِ: أيْ بالَغَ فِيهِ.

فالمَعْنى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ الكافِرِينَ ويَسْتَكْثِرَ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْنى الإثْخانِ: التَّمَكُّنُ، وقِيلَ: هو القُوَّةُ.

أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ قَتْلَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أوْلى مِن أسْرِهِمْ وفِدائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ المُسْلِمُونَ رَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ ( مُحَمَّدٍ: ٤ ) كَما يَأْتِي في سُورَةِ القِتالِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ﴾ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نَفْعَها ومَتاعَها بِما قَبَضْتُمْ مِنَ الفِداءِ، وسُمِّيَ عَرَضًا لِأنَّهُ سَرِيعُ الزَّوالِ كَما تَزُولُ الأعْراضُ الَّتِي هي مُقابِلُ الجَواهِرِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ يُرِيدُ لَكُمُ الدّارَ الآخِرَةَ بِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الثَّوابِ في الإثْخانِ بِالقَتْلِ.

وقُرِئَ " يُرِيدُ الآخِرَةِ " بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وهو المَذْكُورُ قَبْلَهُ: أيْ واللَّهُ يُرِيدُ عَرَضَ الآخِرَةِ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ حَكِيمٌ في كُلِّ أفْعالِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الكِتابِ الَّذِي سَبَقَ ما هو ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ سَيُحِلُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الغَنائِمَ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والثّانِي: أنَّهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِأهْلِ بَدْرٍ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ» فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم.

القَوْلُ الثّالِثُ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٣ ) .

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِذَنْبٍ فَعَلَهُ جاهِلًا لِكَوْنِهِ ذَنْبًا.

القَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ ما قَضاهُ اللَّهُ مِن مَحْوِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.

القَوْلُ السّادِسُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَقْدِيمِ النَّهْيِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ.

وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اللَّفْظِ وأنَّهُ يَعُمُّها. لَمَسَّكم أيْ لَحَلَّ بِكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ …

Al-Anfaal 8:69Listen in Qur'an →
70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allah knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allah is Forgiving and Merciful."

اخْتِلافُ القُرّاءِ في أسْرى والأُسارى هو هُنا كَما سَبَقَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، خاطَبَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا: أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ الأسْرى الَّذِينَ هم في أيْدِيكم أسَرْتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ وأخَذْتُمْ مِنهُمُ الفِداءَ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ مِن حُسْنِ إيمانٍ، وصَلاحِ نِيَّةٍ، وخُلُوصِ طَوِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ: أيْ يُعَوِّضْكم في هَذِهِ الدُّنْيا رِزْقًا خَيْرًا مِنهُ، وأنْفَعَ لَكم، أوْ في الآخِرَةِ بِما يَكْتُبُهُ لَكم مِنَ المَثُوبَةِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَأْنُهُ المَغْفِرَةُ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةُ لَهم.

ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَهُ مِنَ العِوَضِ لِمَن عَلِمَ في قَلْبِهِ خَيْرًا ذَكَرَ مَن هو عَلى ضِدِّ ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بِما قالُوهُ لَكَ بِألْسِنَتِهِمْ مِن أنَّهم قَدْ آمَنُوا بِكَ وصَدَّقُوكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم عَنْ عَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ، بَلْ هو مُماكَرَةٌ ومُخادَعَةٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ مِنهم فَإنَّهم قَدْ فَعَلُوا ما هو أعْظَمُ مِنهُ، وهو أنَّهم خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلِ أنْ تَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَفَرُوا بِهِ وقاتَلُوا رَسُولَهُ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ بِأنْ نَصَرَكَ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ فَقَتَلْتَ مِنهم مَن قَتَلْتَ وأسَرْتَ مَن أسَرْتَ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في ضَمائِرِهِمْ حَكِيمٌ في أفْعالِهِ بِهِمْ.

وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ» في فِداءِ أسْراهم بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في فِداءِ أبِي العاصِ وبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلادَةٍ فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ رِقَّةً مُباشَرَةً وقالَ: إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها، وقالَ العَبّاسُ: إنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ تَكُنْ كَما تَقُولُ فاللَّهُ يَجْزِيكَ، فافْدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخَوَيْكَ نَوْفَلَ بْنَ الحارِثِ وعَقِيلَ بْنَ أبِي طالِبٍ وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ ؟ فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ فَهَذا المالُ لَبَنِيَّ ؟ فَقالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ غَيْرِي وغَيْرُها، فاحْسِبْ لِي ما أصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي، قالَ: لا أفْعَلُ، فَفَدى نَفْسَهُ وابْنَيْ أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ الآيَةَ، فَأعْطانِي مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةِ في الإسْلامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلَّهم في يَدِهِ مالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي مُوسى «أنَّ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرِينِ ثَمانِينَ ألْفًا، فَما أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالٌ أكْثَرُ مِنهُ، فَنُشِرَ عَلى حَصِيرٍ، وجاءَ النّاسُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِيهِمْ، وما كانَ يَوْمَئِذٍ عَدَدٌ ولا وزْنٌ، فَجاءَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أعْطَيْتُ فِدائِي وفِداءَ عَقِيلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أعْطِنِي مِن هَذا المالِ، فَقالَ: خُذْ، فَحَثا في خُمَيْصَتِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يَنْصَرِفُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ارْفَعْ عَلَيَّ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَهَبَ وهو يَقُولُ: أمّا أحَدُ اللَّذَيْنِ وعَدَ اللَّهُ …

Al-Anfaal 8:70Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.