يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.
قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ الآية.
فاعل: يَسْأل يعوُد على معلومٍ، وهم من حَضَرَ بَدْراً، وسَألَ تارةٌ تكون لاقتضاءِ معنى في نفسِ المسئول فتتعدَّى ب «عَنْ» كهذه الآية؛ وكقول الشاعر: [الطويل]
2668 - سَلِي - إنْ جَهلْتِ - النَّاسَ عنَّا وعنْهُم ... فَليْسَ سواءً عالمٌ وجَهُولُ
وقد تكُون لاقتضاءِ مالٍ ونحوه؛ فتتعدَّى لاثنين، نحو: سألتُ زيداً مالاً، وقد ادَّعَى بعضهم: أنَّ السُّال هنابهذا المعنى.
وزعم أنَّ «عَنْ» زائدةٌ، والتقدير: يَسْألونك الأنفالَ، وأيَّد قوله بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين، وزيد ولده، ومحمد الباقر ولده أيضاً، وولده جعفر الصَّادق، وعكرمة وعطاء «يَسألونكَ الأنفالَ» دون «عَنْ» .
والصحيح أنَّ هذه القراءة على إرادة حرف الجرِّ، وقال بعضهم: «عَنْ» بمعنى «مِنْ» . وهذا لا ضرورة تدعو إليه.
وقرأ ابنُ محيصنِ «عَلَّنْفَالِ» والأصل، أنَّه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتدَّ بالحركةِ العارضة، فأدغمَ النُّونَ في اللاَّم كقوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [العنكبوت: 28] وقد تقدم ذلك في قوله ﴿عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: 189] .
والأنفالُ: جمع: نَفَل، وهي الزِّيادةُ على الشيءِ الواجب، وسُمِّيت الغنيمة نفلاً، لزيادتها على الحوزة.
قال لبيدٌ: [الرمل]
2669 - إنَّ تَقْوَى ربَّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وبإذْنِ اللَّهِ ريثي وعَجَلْ
وقال آخر: [الكامل]
2670 - إنَّا إذا أحْمَرَّ الوغَى نروي القَنَا ... ونَعِفُّ عند تقاسُم الأنفالِ
وقيل: سُمِّيت الأنفال؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم.
وقال الزمخشريُّ: والنَّفَل ما ينفلُهُ الغازي، أي: يعطاه، زيادةً على سهمه من المغنم، وقال الأزهريُّ «النَّفَل، والنَّافلة ما كان زيادةً على الأصلِ، وسُمِّيت الغنائمُ أنفالاً؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم، وصلاةُ التطوع نافلةٌ؛ لأنَّها زيادةٌ على الفرض» وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: 72] أي: زيادة على ما سأل.
قال القرطبي: النَّفَلُ - بتحريك الفاءِ - والنَّفْل: اليمينُ، ومنه النَّفَل في الحديث «فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم» والنَّفل: الانتفاءُ، ومنه الحديث فانتفلَ من ولده. والنَّفلُ: نبت معروف.
فصل
في هذا السؤال قولان:
أحدهما: أنَّهم سألوا عن حكم النفال، كيف تُصرفُ؟ ومن المستحقُّ لها؟ نظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض﴾ [البقرة: 222] و ﴿عَنِ اليتامى﴾ [البقرة: 220] فقال في المحيض: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض﴾ [البقرة: 222] وقال في التيامى ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] . فأجابهم بالحكم المعيَّن في كل واقعةٍ فدلَّ الجواب المعيَّن على أنَّ السؤال كان عن مخالطة النساء في المحيض، وعن التصرُّفِ في مال اليتامى ومخالطتهم في المؤاكلة.
الثاني: هذا سؤال استعطاء، و «عَنْ» بمعنى «مِنْ» ، وهذا قول عكرمة كما تقدم في قراءته.
فأمَّا القولُ الأولُ: وهو أنَّ السؤال كان عن حكم الأنفال ومصرفها، فهو قول أكثر المفسرين لأنَّ قوله ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: 1] يدُلُّ على أنَّ المقصود منه منع القومِ عن المخاصمة والمنازعة.
وقوله: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ السُّؤال كان بعد وقوع الخصومة بينهم، وقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ يدلُّ على ذلك أيضاً. وإذا عرف ذلك فيحتمل أن يكون المراد بهذه الأنفال قسمة الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً، ويحتمل أن يكون المراد غيرها.
أما الأوَّلُ ففيه وجوه:
أحدها: أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوامٍ لم يحضرُوا أيضاً، وهم ثمانيةُ أنفسٍ: ثلاثةُ من المهاجرين، …