يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْفالِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالأنْفالِ هُنا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِها خُصُوصُ ما شَذَّ عَنِ الكافِرِينَ إلى المُؤْمِنِينَ، وأُخِذَ بِغَيْرِ حَرْبٍ كالفَرَسِ والبَعِيرِ يَذْهَبُ مِنَ الكافِرِينَ إلى المُسْلِمِينَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُرادُ بِالأنْفالِ هو المُسَمّى عِنْدَ الفُقَهاءِ فَيْئًا، وهو الآتِي بَيانُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦]، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها الخُمُسُ وهو قَوْلُ مالِكٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِها خُمُسُ الخُمُسِ.
الرّابِعُ: أنَّها الغَنِيمَةُ كُلُّها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُ واحِدٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
الخامِسُ: أنَّ المُرادَ بِها أنْفالُ السَّرايا خاصَّةً، ومِمَّنْ قالَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحِ بْنِ حَيٍّ، والمُرادُ بِهَذا القَوْلِ: ما يُنَفِّلُهُ الإمامُ لِبَعْضِ السَّرايا زِيادَةً عَلى قِسْمِهِمْ مَعَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِها الزِّيادَةُ عَلى القَسْمِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وهو ما رَواهُ أحْمَدُ حَيْثُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وقُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ قَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ“ قالَ: فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما جاوَزْتُ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اذْهَبْ فَخُذْ سَلَبَكَ»“، وقالَ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا: حَدَّثَنا أسْوَدُ بْنُ عامِرٍ، أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفانِيَ اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ: ”إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي ضَعْهُ“ قالَ: فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: عَسى أنْ يُعْطى هَذا السَّيْفُ مَن لا يُبْلِي بَلائِي، قالَ: فَإذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي قالَ: قُلْتُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا، قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي السَّيْفَ، ولَيْسَ هو لِي وإنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِيَ فَهو لَكَ، قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾» [الأنفال: ١]، ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ، أخْبَرَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: «سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ: أصَبْتُ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: …