Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 75

51

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allah is not ever unjust to His servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَرَحَ أحْوالَ مَوْتِهِمْ، والعَذابَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”إذْ تَتَوَفّى“ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ المَلائِكَةِ والجَمْعِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا، وأمْرًا فَظِيعًا، وعَذابًا شَدِيدًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ولَوْ تَرى“ ولَوْ عايَنْتَ وشاهَدْتَ؛ لِأنَّ ”لَوْ“ تَرُدُّ المُضارِعَ إلى الماضِي كَما تَرُدُّ ”إنْ“ الماضِيَ إلى المُضارِعِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلائِكَةُ رَفْعُها بِالفِعْلِ، ويَضْرِبُونَ حالٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّى﴾ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ خَبَرٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا يَقْبِضُونَ أرْواحَهم عَلى اسْتِيفائِها وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وأنَّهُ هو الرُّوحُ فَقَطْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى الذّاتَ الكافِرَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ الكافِرَةَ هي الَّتِي اسْتُوفِيَتْ مِن هَذا الجَسَدِ، وهَذا بُرْهانٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا أقْبَلُوا بِوُجُوهِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهم بِالسَّيْفِ، وإذا ولَّوْا ضَرَبُوا أدْبارَهم، فَلا جَرَمَ قابَلَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهِ في وقْتِ نَزْعِ الرُّوحِ، وأقُولُ: فِيهِ مَعْنًى آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّ رُوحَ الكافِرِ إذا خَرَجَ مِن جَسَدِهِ فَهو مُعْرِضٌ عَنْ عالَمِ الدُّنْيا مُقْبِلٌ عَلى الآخِرَةِ، وهو لِكُفْرِهِ لا يُشاهِدُ في عالَمِ الآخِرَةِ إلّا الظُّلُماتِ، وهو لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِلْجُسْمانِيّاتِ، ومُفارَقَتِهِ لَها لا يَنالُ مِن مُباعَدَتِهِ عَنْها إلّا الآلامَ والحَسَراتِ، فَبِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لِعالَمِ الدُّنْيا تَحْصُلُ لَهُ الآلامُ بَعْدَ الآلامِ والحَسَراتِ، وبِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلى الآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ النُّورِ والمَعْرِفَةِ، يَنْتَقِلُ مِن ظُلُماتٍ إلى ظُلُماتٍ، فَهاتانِ الجِهَتانِ هُما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] أيْ ويَقُولانِ: رَبَّنا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ إنَّما صَحَّ لِأنَّهُ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ

صفحة ١٤٣

مَقامِعُ، وكُلَّما ضَرَبُوا بِها التَهَبَتِ النّارُ في الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا تَقُولُهُ المَلائِكَةُ لَهم في الآخِرَةِ، وأقُولُ: أمّا …

Al-Anfaal 8:51Listen in Qur'an →
52

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allah, so Allah seized them for their sins. Indeed, Allah is Powerful and severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَرَحَ أحْوالَ مَوْتِهِمْ، والعَذابَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”إذْ تَتَوَفّى“ بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ المَلائِكَةِ والجَمْعِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا، وأمْرًا فَظِيعًا، وعَذابًا شَدِيدًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ولَوْ تَرى“ ولَوْ عايَنْتَ وشاهَدْتَ؛ لِأنَّ ”لَوْ“ تَرُدُّ المُضارِعَ إلى الماضِي كَما تَرُدُّ ”إنْ“ الماضِيَ إلى المُضارِعِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَلائِكَةُ رَفْعُها بِالفِعْلِ، ويَضْرِبُونَ حالٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَفّى﴾ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى، والمَلائِكَةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، ويَضْرِبُونَ خَبَرٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا يَقْبِضُونَ أرْواحَهم عَلى اسْتِيفائِها وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وأنَّهُ هو الرُّوحُ فَقَطْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى الذّاتَ الكافِرَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذّاتَ الكافِرَةَ هي الَّتِي اسْتُوفِيَتْ مِن هَذا الجَسَدِ، وهَذا بُرْهانٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذا الجَسَدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا أقْبَلُوا بِوُجُوهِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهم بِالسَّيْفِ، وإذا ولَّوْا ضَرَبُوا أدْبارَهم، فَلا جَرَمَ قابَلَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهِ في وقْتِ نَزْعِ الرُّوحِ، وأقُولُ: فِيهِ مَعْنًى آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ، وهو أنَّ رُوحَ الكافِرِ إذا خَرَجَ مِن جَسَدِهِ فَهو مُعْرِضٌ عَنْ عالَمِ الدُّنْيا مُقْبِلٌ عَلى الآخِرَةِ، وهو لِكُفْرِهِ لا يُشاهِدُ في عالَمِ الآخِرَةِ إلّا الظُّلُماتِ، وهو لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِلْجُسْمانِيّاتِ، ومُفارَقَتِهِ لَها لا يَنالُ مِن مُباعَدَتِهِ عَنْها إلّا الآلامَ والحَسَراتِ، فَبِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لِعالَمِ الدُّنْيا تَحْصُلُ لَهُ الآلامُ بَعْدَ الآلامِ والحَسَراتِ، وبِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلى الآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ النُّورِ والمَعْرِفَةِ، يَنْتَقِلُ مِن ظُلُماتٍ إلى ظُلُماتٍ، فَهاتانِ الجِهَتانِ هُما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ وفِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] أيْ ويَقُولانِ: رَبَّنا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] أيْ يَقُولُونَ: رَبَّنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ إنَّما صَحَّ لِأنَّهُ كانَ مَعَ المَلائِكَةِ

صفحة ١٤٣

مَقامِعُ، وكُلَّما ضَرَبُوا بِها التَهَبَتِ النّارُ في الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا تَقُولُهُ المَلائِكَةُ لَهم في الآخِرَةِ، وأقُولُ: أمّا …

Al-Anfaal 8:52Listen in Qur'an →
53

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

That is because Allah would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ الكُفّارِ عاجِلًا وآجِلًا كَما شَرَحْناهُ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ وسُنَّتُهُ في الكُلِّ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والمَعْنى: عادَةُ هَؤُلاءِ في كُفْرِهِمْ كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ في كُفْرِهِمْ، فَجُوزِيَ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ بِالإغْراقِ، وأصْلُ الدَّأْبِ في اللُّغَةِ إدامَةُ العَمَلِ يُقالُ: فُلانٌ يَدْأبُ في كَذا، أيْ يُداوِمُ عَلَيْهِ ويُواظِبُ ويُتْعِبُ نَفْسَهُ، ثُمَّ سُمِّيَتِ العادَةُ دَأْبًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ مُداوِمٌ عَلى عادَتِهِ ومُواظِبٌ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا سِوى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ في العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّما حُذِفَتِ النُّونُ؛ لِأنَّها لَمْ تُشْبِهِ الغُنَّةَ المَحْضَةَ، فَأشْبَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ ووَقَعَتْ طَرَفًا فَحُذِفَتْ تَشْبِيهًا بِها كَما تَقُولُ: لَمْ يَدْعُ ولَمْ يَرْمِ ولَمْ يَلِ، وقالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَزِنْ ولَمْ يَخُنْ فَلَمْ يُسْمَعْ حَذْفُ النُّونِ هَهُنا.

وأجابَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى عَنْهُ فَقالَ: إنَّ كانَ ويَكُونُ أُمُّ الأفْعالِ مِن أجْلِ أنَّ كَلَّ فِعْلٍ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مَعْنى كانَ فَقَوْلُنا: ضَرَبَ مَعْناهُ كانَ ضَرْبٌ، ويَضْرِبُ مَعْناهُ يَكُونُ ضَرْبٌ، وهَكَذا القَوْلُ في الكُلِّ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أُمُّ الأفْعالِ، فاحْتِيجَ إلى اسْتِعْمالِها في أكْثَرِ الأوْقاتِ، فاحْتَمَلَتْ هَذا الحَذْفَ بِخِلافِ قَوْلِنا: لَمْ يَخُنْ ولَمْ يَزِنْ، فَإنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِها كَثِيرًا فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ والقُدْرَةِ وإزالَةِ المَوانِعِ وتَسْهِيلِ السُّبُلِ، والمَقْصُودُ أنْ يَشْتَغِلُوا بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ ويَعْدِلُوا عَنِ الكُفْرِ، فَإذا صَرَفُوا هَذِهِ الأحْوالَ إلى

صفحة ١٤٥

الفِسْقِ والكُفْرِ، فَقَدْ غَيَّرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا تَبْدِيلَ النِّعَمِ بِالنِّقَمِ، والمَنحِ بِالمِحَنِ قالَ: وهَذا مِن أوْكَدِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ أحَدًا بِالعَذابِ والمَضَرَّةِ، والَّذِي يَفْعَلُهُ لا يَكُونُ إلّا جَزاءً عَلى مَعاصٍ سَلَفَتْ، ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَهم وخَلَقَ جُسْمانَهم وعُقُولَهُمُ ابْتِداءً لِلنّارِ كَما يَقُولُهُ القَوْمُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، قالَ أصْحابُنا: ظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما قالَهُ القاضِي الإمامُ إلّا أنّا لَوْ حَمَلْنا عَلَيْهِ لَزِمَ …

Al-Anfaal 8:53Listen in Qur'an →
54

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ الكُفّارِ عاجِلًا وآجِلًا كَما شَرَحْناهُ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ وسُنَّتُهُ في الكُلِّ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والمَعْنى: عادَةُ هَؤُلاءِ في كُفْرِهِمْ كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ في كُفْرِهِمْ، فَجُوزِيَ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ بِالإغْراقِ، وأصْلُ الدَّأْبِ في اللُّغَةِ إدامَةُ العَمَلِ يُقالُ: فُلانٌ يَدْأبُ في كَذا، أيْ يُداوِمُ عَلَيْهِ ويُواظِبُ ويُتْعِبُ نَفْسَهُ، ثُمَّ سُمِّيَتِ العادَةُ دَأْبًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ مُداوِمٌ عَلى عادَتِهِ ومُواظِبٌ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا سِوى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ في العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّما حُذِفَتِ النُّونُ؛ لِأنَّها لَمْ تُشْبِهِ الغُنَّةَ المَحْضَةَ، فَأشْبَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ ووَقَعَتْ طَرَفًا فَحُذِفَتْ تَشْبِيهًا بِها كَما تَقُولُ: لَمْ يَدْعُ ولَمْ يَرْمِ ولَمْ يَلِ، وقالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَزِنْ ولَمْ يَخُنْ فَلَمْ يُسْمَعْ حَذْفُ النُّونِ هَهُنا.

وأجابَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى عَنْهُ فَقالَ: إنَّ كانَ ويَكُونُ أُمُّ الأفْعالِ مِن أجْلِ أنَّ كَلَّ فِعْلٍ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مَعْنى كانَ فَقَوْلُنا: ضَرَبَ مَعْناهُ كانَ ضَرْبٌ، ويَضْرِبُ مَعْناهُ يَكُونُ ضَرْبٌ، وهَكَذا القَوْلُ في الكُلِّ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أُمُّ الأفْعالِ، فاحْتِيجَ إلى اسْتِعْمالِها في أكْثَرِ الأوْقاتِ، فاحْتَمَلَتْ هَذا الحَذْفَ بِخِلافِ قَوْلِنا: لَمْ يَخُنْ ولَمْ يَزِنْ، فَإنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِها كَثِيرًا فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ والقُدْرَةِ وإزالَةِ المَوانِعِ وتَسْهِيلِ السُّبُلِ، والمَقْصُودُ أنْ يَشْتَغِلُوا بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ ويَعْدِلُوا عَنِ الكُفْرِ، فَإذا صَرَفُوا هَذِهِ الأحْوالَ إلى

صفحة ١٤٥

الفِسْقِ والكُفْرِ، فَقَدْ غَيَّرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا تَبْدِيلَ النِّعَمِ بِالنِّقَمِ، والمَنحِ بِالمِحَنِ قالَ: وهَذا مِن أوْكَدِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ أحَدًا بِالعَذابِ والمَضَرَّةِ، والَّذِي يَفْعَلُهُ لا يَكُونُ إلّا جَزاءً عَلى مَعاصٍ سَلَفَتْ، ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَهم وخَلَقَ جُسْمانَهم وعُقُولَهُمُ ابْتِداءً لِلنّارِ كَما يَقُولُهُ القَوْمُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، قالَ أصْحابُنا: ظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما قالَهُ القاضِي الإمامُ إلّا أنّا لَوْ حَمَلْنا عَلَيْهِ لَزِمَ …

Al-Anfaal 8:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ مِنَ الكُفّارِ عاجِلًا وآجِلًا كَما شَرَحْناهُ أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ وسُنَّتُهُ في الكُلِّ، فَقالَ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والمَعْنى: عادَةُ هَؤُلاءِ في كُفْرِهِمْ كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ في كُفْرِهِمْ، فَجُوزِيَ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ بِالإغْراقِ، وأصْلُ الدَّأْبِ في اللُّغَةِ إدامَةُ العَمَلِ يُقالُ: فُلانٌ يَدْأبُ في كَذا، أيْ يُداوِمُ عَلَيْهِ ويُواظِبُ ويُتْعِبُ نَفْسَهُ، ثُمَّ سُمِّيَتِ العادَةُ دَأْبًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ مُداوِمٌ عَلى عادَتِهِ ومُواظِبٌ عَلَيْها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا سِوى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى العِلَّةِ في العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّما حُذِفَتِ النُّونُ؛ لِأنَّها لَمْ تُشْبِهِ الغُنَّةَ المَحْضَةَ، فَأشْبَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ ووَقَعَتْ طَرَفًا فَحُذِفَتْ تَشْبِيهًا بِها كَما تَقُولُ: لَمْ يَدْعُ ولَمْ يَرْمِ ولَمْ يَلِ، وقالَ الواحِدِيُّ: وهَذا يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَزِنْ ولَمْ يَخُنْ فَلَمْ يُسْمَعْ حَذْفُ النُّونِ هَهُنا.

وأجابَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى عَنْهُ فَقالَ: إنَّ كانَ ويَكُونُ أُمُّ الأفْعالِ مِن أجْلِ أنَّ كَلَّ فِعْلٍ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مَعْنى كانَ فَقَوْلُنا: ضَرَبَ مَعْناهُ كانَ ضَرْبٌ، ويَضْرِبُ مَعْناهُ يَكُونُ ضَرْبٌ، وهَكَذا القَوْلُ في الكُلِّ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أُمُّ الأفْعالِ، فاحْتِيجَ إلى اسْتِعْمالِها في أكْثَرِ الأوْقاتِ، فاحْتَمَلَتْ هَذا الحَذْفَ بِخِلافِ قَوْلِنا: لَمْ يَخُنْ ولَمْ يَزِنْ، فَإنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِها كَثِيرًا فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ والقُدْرَةِ وإزالَةِ المَوانِعِ وتَسْهِيلِ السُّبُلِ، والمَقْصُودُ أنْ يَشْتَغِلُوا بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ ويَعْدِلُوا عَنِ الكُفْرِ، فَإذا صَرَفُوا هَذِهِ الأحْوالَ إلى

صفحة ١٤٥

الفِسْقِ والكُفْرِ، فَقَدْ غَيَّرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا تَبْدِيلَ النِّعَمِ بِالنِّقَمِ، والمَنحِ بِالمِحَنِ قالَ: وهَذا مِن أوْكَدِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ أحَدًا بِالعَذابِ والمَضَرَّةِ، والَّذِي يَفْعَلُهُ لا يَكُونُ إلّا جَزاءً عَلى مَعاصٍ سَلَفَتْ، ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَهم وخَلَقَ جُسْمانَهم وعُقُولَهُمُ ابْتِداءً لِلنّارِ كَما يَقُولُهُ القَوْمُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، قالَ أصْحابُنا: ظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما قالَهُ القاضِي الإمامُ إلّا أنّا لَوْ حَمَلْنا عَلَيْهِ لَزِمَ …

Al-Anfaal 8:55Listen in Qur'an →
56

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allah.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ كُلَّ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ أفْرَدَ بَعْضَهم بِمَزِيَّةٍ في الشَّرِّ والعِنادِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ وعِلْمِهِ مَن حَصَلَتْ لَهُ صِفَتانِ:

صفحة ١٤٦

الصِّفَةُ الأُولى: الكافِرُ الَّذِي يَكُونُ مُسْتَمِرًّا عَلى كُفْرِهِ مُصِرًّا عَلَيْهِ لا يَتَغَيَّرُ عَنْهُ البَتَّةَ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ ناقِضًا لِلْعَهْدِ عَلى الدَّوامِ فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم شَرُّ الدَّوابِّ وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ فَإنَّ المُعاهَدَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ أشْرافِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما عُطِفَ المُسْتَقْبَلُ عَلى الماضِي لِبَيانِ أنَّ مِن شَأْنِهِمْ نَقْضَ العَهْدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْظَةُ فَإنَّهم نَقَضُوا عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأعانُوا عَلَيْهِ المُشْرِكِينَ بِالسِّلاحِ في يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ قالُوا: أخْطَأْنا فَعاهَدَهم مَرَّةً أُخْرى فَنَقَضُوهُ أيْضًا يَوْمَ الخَنْدَقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ عادَةَ مَن رَجَعَ إلى عَقْلٍ وحَزْمٍ أنْ يَتَّقِيَ نَقْضَ العَهْدِ حَتّى يَسْكُنَ النّاسُ إلى قَوْلِهِ ويَثِقُوا بِكَلامِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ الكُفْرِ الدّائِمِ وبَيْنَ نَقْضِ العَهْدِ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ شَرَّ الدَّوابِّ.

Al-Anfaal 8:56Listen in Qur'an →
57

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُرْشِدُ رَسُولَهُ إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وتارَةً يُرْشِدُ إلى التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، بَيَّنَ ما يَجِبُ أنْ يُعامَلُوا بِهِ فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: ثَقِفْنا فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا، أيْ أخَذْناهُ وظَفِرْنا بِهِ، والتَّشْرِيدُ عِبارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ مَعَ الِاضْطِرابِ، يُقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ شُرُودًا، وشَرَّدَهُ تَشْرِيدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنْ ظَفِرْتَ في الحَرْبِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ فافْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا يُفَرِّقُ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ عَطاءٌ: تُثْخِنُ فِيهِمُ القَتْلَ حَتّى يَخافَكَ غَيْرُهم، وقِيلَ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ النَّكالَ فَيَمْنَعُهم ذَلِكَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَشَرِّذْ“ بِالذّالِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ بِمَعْنى فَفَرِّقْ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ ”شَذِّرْ“، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”مِن خَلْفِهِمْ“، والمَعْنى: فَشَرِّدْ تَشْرِيدًا مُتَلَبِّسًا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَ العَسْكَرَيْنِ إذا كَسَرُوا الثّانِيَ، فالكاسِرُونَ يَعْدُونَ خَلْفَ المَكْسُورِينَ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُشَرِّدَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ يَعْنِي مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ خِيانَةً ونَكْثًا بِأماراتٍ ظاهِرَةٍ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنْ تُظْهِرَ لَهم نَبْذَ العَهْدِ وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أنَّكَ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم، ولا تُبادِرْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيانَةً مِنكَ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ في العُهُودِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِنَبْذِ مَن يَنْقُضُ العَهْدَ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وأمَرَهُ أنْ يَتَباعَدَ عَلى أقْصى الوُجُوهِ مَن كُلِّ ما يُوهِمُ نَكْثَ العَهْدِ ونَقْضَهُ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: آثارُ نَقْضِ العَهْدِ إذا ظَهَرَتْ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُحْتَمَلًا أوْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ الإعْلامُ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أجابُوا أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مُظاهَرَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَحَصَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَوْفُ الغَدْرِ مِنهم بِهِ وبِأصْحابِهِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عُهُودَهم عَلى سَواءٍ ويُؤْذِنَهم بِالحَرْبِ، أمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَهَهُنا لا حاجَةَ

صفحة ١٤٧

إلى نَبْذِ العَهْدِ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ وهم مِن ذِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وصَلَ إلَيْهِمْ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، …

Al-Anfaal 8:57Listen in Qur'an →
58

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُرْشِدُ رَسُولَهُ إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] وتارَةً يُرْشِدُ إلى التَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، بَيَّنَ ما يَجِبُ أنْ يُعامَلُوا بِهِ فَقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: ثَقِفْنا فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا، أيْ أخَذْناهُ وظَفِرْنا بِهِ، والتَّشْرِيدُ عِبارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ مَعَ الِاضْطِرابِ، يُقالُ: شَرَدَ يَشْرُدُ شُرُودًا، وشَرَّدَهُ تَشْرِيدًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّكَ إنْ ظَفِرْتَ في الحَرْبِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ فافْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا يُفَرِّقُ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ عَطاءٌ: تُثْخِنُ فِيهِمُ القَتْلَ حَتّى يَخافَكَ غَيْرُهم، وقِيلَ: نَكِّلْ بِهِمْ تَنْكِيلًا يُشَرِّدُ غَيْرَهم مِن ناقِضِي العَهْدِ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن خَلْفَهم يَذْكُرُونَ ذَلِكَ النَّكالَ فَيَمْنَعُهم ذَلِكَ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَشَرِّذْ“ بِالذّالِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ بِمَعْنى فَفَرِّقْ وكَأنَّهُ مَقْلُوبُ ”شَذِّرْ“، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”مِن خَلْفِهِمْ“، والمَعْنى: فَشَرِّدْ تَشْرِيدًا مُتَلَبِّسًا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ؛ لِأنَّ أحَدَ العَسْكَرَيْنِ إذا كَسَرُوا الثّانِيَ، فالكاسِرُونَ يَعْدُونَ خَلْفَ المَكْسُورِينَ فَأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُشَرِّدَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ يَعْنِي مِن قَوْمٍ مُعاهِدِينَ خِيانَةً ونَكْثًا بِأماراتٍ ظاهِرَةٍ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ فاطْرَحْ إلَيْهِمُ العَهْدَ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ ظاهِرٍ، وذَلِكَ أنْ تُظْهِرَ لَهم نَبْذَ العَهْدِ وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بَيِّنًا أنَّكَ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم، ولا تُبادِرْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيانَةً مِنكَ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ في العُهُودِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِنَبْذِ مَن يَنْقُضُ العَهْدَ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ وأمَرَهُ أنْ يَتَباعَدَ عَلى أقْصى الوُجُوهِ مَن كُلِّ ما يُوهِمُ نَكْثَ العَهْدِ ونَقْضَهُ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: آثارُ نَقْضِ العَهْدِ إذا ظَهَرَتْ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ ظُهُورًا مُحْتَمَلًا أوْ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ الإعْلامُ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْظَةَ عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ أجابُوا أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مُظاهَرَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَحَصَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ خَوْفُ الغَدْرِ مِنهم بِهِ وبِأصْحابِهِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلى الإمامِ أنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عُهُودَهم عَلى سَواءٍ ويُؤْذِنَهم بِالحَرْبِ، أمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَهَهُنا لا حاجَةَ

صفحة ١٤٧

إلى نَبْذِ العَهْدِ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِأهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ وهم مِن ذِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وصَلَ إلَيْهِمْ جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، …

Al-Anfaal 8:58Listen in Qur'an →
59

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَفْعَلُ الرَّسُولُ في حَقِّ مَن يَجِدُهُ في الحَرْبِ ويَتَمَكَّنُ مِنهُ، وذَكَرَ أيْضًا ما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَهُ فِيمَن ظَهَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، بَيَّنَ أيْضًا حالَ مَن فاتَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، لِئَلّا يَبْقى حَسْرَةً في قَلْبِهِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن بَلَغَ في أذِيَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَبْلَغًا عَظِيمًا فَقالَ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا سَبَقُوا فَقَدَ فاتُوكَ ولَمْ تَقْدِرْ عَلى إنْزالِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ بِهِمْ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّ أنَّهُمُ انْفَلَتُوا مِنكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُظْفِرُكَ بِعِيرِهِمْ.

والثّانِي: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم لَمّا تَخَلَّصُوا مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ أنَّهم قَدْ تَخَلَّصُوا مِن عِقابِ اللَّهِ ومِن عَذابِ الآخِرَةِ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ أنَّهم بِهَذا السَّبْقِ لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ فِيمَن فاتَهُ ولَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّشَفِّي والِانْتِقامِ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لا يَحْسَبَنَّ“ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ، وفي تَصْحِيحِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَسْبِقُونا؛ لِأنَّها في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم سَبَقُونا فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَسِبْتُ أنْ أقُومَ، وحَسِبْتُ أقُومُ وحَذْفُ أنْ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٤]، والمَعْنى: أنْ أعْبُدَ.

الثّانِي: أنْ نُضْمِرَ فاعِلًا لِلْحُسْبانِ ونَجْعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولَ الأوَّلَ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ الَّذِينَ كَفَرُوا.

والثّالِثُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُضْمَرَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا أوْ إيّاهم سَبَقُوا، وأمّا أكْثَرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ عَلى مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا المَفْعُولُ الأوَّلُ، وسَبَقُوا المَفْعُولُ الثّانِي ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ، والمَعْنى: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سابِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ وهو الوَجْهُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤ ] وتَمَّ الكَلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ فَكَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أنَّهم“ بِفَتْحِ الألِفِ، وجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ الأُولى، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّهم سَبَقُوا؛ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَ فَهم يُجْزَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَجْعَلُ ”لا“ صِلَةً، والتَّقْدِيرُ: لا تَحْسَبَنَّ أنَّهم يُعْجِزُونَ.

Al-Anfaal 8:59Listen in Qur'an →
60

وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ عَلى رَسُولِهِ أنْ يُشَرِّدَ مَن صَدَرَ مِنهُ نَقْضُ العَهْدِ، وأنْ يَنْبِذَ العَهْدَ إلى مَن خافَ مِنهُ النَّقْضَ، أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإعْدادِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا اتَّفَقَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ بَدْرٍ أنْ قَصَدُوا الكُفّارَ بِلا آلَةٍ ولا عُدَّةٍ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ وأنْ يَعُدُّوا لِلْكُفّارِ ما يُمْكِنُهم مِن آلَةٍ وعُدَّةٍ وقُوَّةٍ، والمُرادُ بِالقُوَّةِ هَهُنا: ما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُوَّةِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ القُوَّةِ أنْواعُ الأسْلِحَةِ.

الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ وقالَ: ”«ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» “ قالَها ثَلاثًا.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القُوَّةُ هي الحُصُونُ.

الرّابِعُ: قالَ أصْحابُ المَعانِي: الأوْلى أنْ يُقالَ: هَذا عامٌّ في كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ عَلى حَرْبِ العَدُوِّ، وكُلُّ ما هو آلَةٌ لِلْغَزْوِ والجِهادِ فَهو مِن جُمْلَةِ القُوَّةِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«القُوَّةُ هي الرَّمْيُ» “ لا يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مُعْتَبَرًا، كَما أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ و”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ لا يَنْفِي اعْتِبارَ غَيْرِهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَذْكُورَ جُزْءٌ شَرِيفٌ مِنَ المَقْصُودِ فَكَذا هَهُنا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعْدادَ لِلْجِهادِ بِالنَّبْلِ والسِّلاحِ وتَعْلِيمِ الفُرُوسِيَّةِ والرَّمْيِ فَرِيضَةٌ، إلّا أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ الرِّباطُ المُرابَطَةُ أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ، كَفِصالٍ وفَصِيلٍ، ولا شَكَّ أنَّ رَبْطَ الخَيْلِ مِن أقْوى آلاتِ الجِهادِ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ سِيرِينَ: إنَّ فُلانًا أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِلْحُصُونِ، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُشْتَرى بِهِ الخَيْلُ فَتُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُغْزى عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما أوْصى لِلْحُصُونِ، فَقالَ: هي الخَيْلُ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الشّاعِرِ:

ولَقَدْ عَلِمْتُ عَلى تَجَنُّبِيَ الرَّدى أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرى

قالَ عِكْرِمَةُ: ومِن رِباطِ الخَيْلِ: الإناثُ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخَيْلَ إذا رُبِطَتْ في الأفْنِيَةِ وعُلِفَتْ رُبُطًا واحِدُها رَبِيطٌ، ويُجْمَعُ رُبُطٌ عَلى رِباطٍ وهو جَمْعُ الجَمْعِ، فَمَعْنى الرِّباطِ هَهُنا الخَيْلُ المَرْبُوطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بِالإناثِ لِأنَّها أوْلى ما يُرْبَطُ لِتَناسُلِها ونَمائِها بِأوْلادِها، فارْتِباطُها أوْلى مِنَ ارْتِباطِ الفُحُولِ، هَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: بَلْ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى الفُحُولِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن رِباطِ الخَيْلِ المُحارَبَةُ عَلَيْها، ولا شَكَّ أنَّ الفُحُولَ أقْوى عَلى الكَرِّ والفَرِّ والعَدْوِ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ عَلَيْها أسْهَلَ، فَوَجَبَ تَخْصِيصُ هَذا اللَّفْظِ بِها، ولَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ، وهو كَوْنُهُ خَيْلًا مَرْبُوطًا، سَواءٌ كانَ مِنَ الفُحُولِ أوْ مِنَ الإناثِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ …

Al-Anfaal 8:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.