Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 75

51

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allah is not ever unjust to His servants."

﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

لَمّا وُفِّيَ وصْفُ حالِ المُشْرِكِينَ حَقَّهُ، وفُصِّلَتْ أحْوالُ هَزِيمَتِهِمْ بِبَدْرٍ، وكَيْفَ أمْكَنَ اللَّهُ مِنهُمُ المُسْلِمِينَ، عَلى ضَعْفِ هَؤُلاءِ وقُوَّةِ أُولَئِكَ، بِما شاهَدَهُ كُلُّ حاضِرٍ حَتّى لَيُوقِنُ السّامِعُ أنَّ ما نالَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ إنَّما هو خِذْلانٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، وإيذانٌ بِأنَّهم لاقُونَ هَلاكَهم ما دامُوا مُناوِئِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ - انْتُقِلَ إلى وصْفِ ما لَقِيَهُ مِنَ العَذابِ مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، مِمّا هو مُغَيَّبٌ عَنِ النّاسِ، لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ ويَرْتَدِعَ الكافِرُونَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَمامِ الخَبَرِ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ.

صفحة ٤٠

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا: جَمِيعَ الكافِرِينَ حَمْلًا لِلْمَوْصُولِ عَلى مَعْنى العُمُومِ. فَتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا مُسْتَطْرَدًا في خِلالِ القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ وصْفِ ما لَقِيَهُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، الَّذِي عُجِّلَ لَهم فِيهِ عَذابُ المَوْتِ.

وابْتُدِئَ الخَبَرُ بِـ ”ولَوْ تَرى“ مُخاطَبًا بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، أيْ: لَوْ تَرى أيُّها السّامِعُ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهَذا الخَبَرِ خُصُوصَ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى يُحْمَلَ الخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ، بَلْ غَيْرُ النَّبِيءِ أوْلى بِهِ مِنهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يُطْلِعَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ كَما أراهُ الجَنَّةَ في عَرْضِ الحائِطِ.

ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكِي يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ مَضى، يَكُنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولَوْ رَأيْتَ إذْ تَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ. فالإتْيانُ بِالمُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ مَكانَ الماضِي: لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ، وهي حالَةُ ضَرْبِ الوُجُوهِ والأدْبارِ، لِيُخَيَّلَ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُشاهِدُ تِلْكَ الحالَةَ، وإنْ كانَ المُرادُ المُشْرِكِينَ حَيْثُما كانُوا كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجِيبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَوَفّى“ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”تَتَوَفّى“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ رَعْيًا لِصُورَةِ جَمْعِ المَلائِكَةِ.

والتَّوَفِّي: الإماتَةُ سُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأنَّها تُنْهِي حَياةَ المَرْءِ أوْ تَسْتَوْفِيها ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]

وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضَ أرْواحِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ يَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، أيْ: يَزِيدُهُمُ المَلائِكَةُ تَعْذِيبًا عِنْدَ نَزْعِ أرْواحِهِمْ. وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَوَفّى“ إنْ كانَ المُرادُ بِالتَّوَفِّي تَوَفِّيًا يَتَوَفّاهُ المَلائِكَةُ الكافِرِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”يَضْرِبُونَ“ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لا مَوْقِعَ لَها مَعَ الَّتِي قَبْلَها، إلّا أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ ويَقُولُونَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى …

Al-Anfaal 8:51Listen in Qur'an →
52

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allah, so Allah seized them for their sins. Indeed, Allah is Powerful and severe in penalty.

صفحة ٤٣

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾

”كَدَأْبِ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو حَذْفٌ تابِعٌ لِلِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ: فَإنَّ العَرَبَ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أتَوْا بِخَبَرٍ دُونَ مُبْتَدَإٍ عُلِمَ أنَّ المُبْتَدَأ مَحْذُوفٌ فَقُدِّرَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ.

فالتَّقْدِيرُ هُنا: دَأْبُهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِ رَبِّهِمْ، مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ.

والدَّأْبُ: العادَةُ والسِّيرَةُ المَأْلُوفَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ وجْهُ تَخْصِيصِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا اخْتِلافُ العِبارَةِ، فَفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [آل عمران: ١١] وهُنا ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾، وهُنالِكَ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١] وهُنا ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ٠ فَأمّا المُخالَفَةُ بَيْنَ ”كَذَّبُوا“ و”كَفَرُوا“ فَلِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ شارَكُوا المُشْرِكِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وفي جَحْدِ دَلالَةِ الآياتِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وعَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، فَذُكِرُوا هُنا ابْتِداءً بِالأفْظَعِ مِنَ الأمْرَيْنِ فَعُبِّرَ بِالكُفْرِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الكُفْرَ أصْرَحُ في إنْكارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

وقَدْ عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالَّتِي بَعْدَها، فَذُكِرَ في الَّتِي بَعْدَها التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، أيِ التَّكْذِيبُ بِآياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجَحْدُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ. فَأمّا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَقَدْ ذُكِرَ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ، أيِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مُتَبادِرٌ في مَعْنى تَكْذِيبِ المُخْبِرِ، لِوُقُوعِ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ وتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَ بِهِ، وإلْحادِ مَن قَصَدَ الفِتْنَةَ بِمُتَشابِهِهِ، فَعُبِّرَ عَنِ الَّذِينَ شابَهُوهم في تَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ بِوَصْفِ التَّكْذِيبِ.

فَأمّا الإظْهارُ هُنا في مَقامِ الإضْمارِ فاقْتَضاهُ أنَّ الكُفْرَ كُفْرٌ بِما يَرْجِعُ إلى صِفاتِ اللَّهِ فَأُضِيفَتِ الآياتُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَدُلَّ عَلى الذّاتِ بِعُنْوانِ الإلَهِ الحَقِّ وهو الوَحْدانِيَّةُ،

صفحة ٤٤

وأمّا الإضْمارُ في آلِ عِمْرانَ فَلِكَوْنِ التَّكْذِيبِ تَكْذِيبًا لِآياتٍ دالَّةٍ عَلى ثُبُوتِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُضِيفَتِ الآياتُ إلى الضَّمِيرِ عَلى الأصْلِ في التَّكَلُّمِ.

وأمّا الِاخْتِلافُ بِذِكْرِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ هُنا، دُونَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلِأنَّهُ قَصَدَ هُنا التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ، وكانُوا يُنْكِرُونَ قُوَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى لازِمِها: وهو إنْزالُ الضُّرِّ بِهِمْ، ويُنْكِرُونَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لَهم، فَأكَّدَ الخَبَرَ بِاعْتِبارِ لازِمِهِ التَّعْرِيضِيِّ الَّذِي هو إبْلاغُ هَذا الإنْذارِ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ لَمْ يُقْصَدْ إلّا الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ اللَّهِ شَدِيدَ العِقابِ إذا عاقَبَ، فَهو تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيَةَ.

وزِيدَ وصْفُ ”قَوِيٌّ“ هُنا مُبالَغَةً في تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ …

Al-Anfaal 8:52Listen in Qur'an →
53

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

That is because Allah would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا إلَخْ. أيْ ذَلِكَ الأخْذُ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الَّتِي تَسَبَّبُوا بِها في زَوالِ نِعْمَتِهِمْ.

صفحة ٤٥

والإشارَةُ تُفِيدُ العِنايَةَ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ، وبِالخَبَرِ. والتَّسْبِيبُ يَقْتَضِي أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا في نِعْمَةٍ فَغَيَّرَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّقْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَسْلُبُ نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا مِن جُمْلَةِ الأقْوامِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَسَبَّبُوا بِأنْفُسِهِمْ في زَوالِ النِّعْمَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨]

وهَذا إنْذارٌ لِقُرَيْشٍ أنْ يَحِلُّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ بَطِرُوا النِّعْمَةَ. فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الكَوْنِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ يَقْتَضِي تَجَدُّدَ النَّفْيِ ومَنفِيِّهِ.

والتَّغْيِيرُ تَبْدِيلُ شَيْءٍ بِما يُضادُّهُ فَقَدْ يَكُونُ تَبْدِيلَ صُورَةِ جِسْمٍ كَما يُقالُ: غَيَّرْتُ دارِي، ويَكُونُ تَغْيِيرَ حالٍ وصِفَةٍ ومِنهُ تَغْيِيرُ الشَّيْبِ أيْ صِباغُهُ وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الغَيْرِ وهو المُخالِفُ، فَتَغْيِيرُ النِّعْمَةِ إبْدالُها بِضِدِّها وهو النِّقْمَةُ وسُوءُ الحالِ، أيْ تَبْدِيلُ حالَةٍ حَسَنَةٍ بِحالَةٍ سَيِّئَةٍ.

ووَصْفُ النِّعْمَةِ بِـ ﴿أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ أصْلَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ.

و”ما بِأنْفُسِهِمْ“ مَوْصُولٌ وصِلَةٌ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ ما اسْتَقَرَّ وعَلِقَ بِهِمْ. وماصَدَقُ (ما) النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ والمُرادُ بِهَذا التَّغْيِيرِ تَغْيِيرُ سَبَبِهِ وهو الشُّكْرُ بِأنْ يُبَدِّلُوهُ بِالكُفْرانِ.

ذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ تَكُونُ صالِحَةً ثُمَّ تَتَغَيَّرُ أحْوالُها بِبَطَرِ النِّعْمَةِ فَيَعْظُمُ فَسادُها، فَذَلِكَ تَغْيِيرُ ما كانُوا عَلَيْهِ؛ فَإذا أرادَ اللَّهُ إصْلاحَهم أرْسَلَ إلَيْهِمْ هُداةً لَهم فَإذا أصْلَحُوا اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ مِثْلَ قَوْمِ يُونُسَ وهم أهْلُ نِينَوى، وإذا كَذَّبُوا وبَطِرُوا النِّعْمَةَ غَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ إلى عَذابٍ ونِقْمَةٍ. فالغايَةُ المُسْتَفادَةُ مِن ”حَتّى“ لِانْتِفاءِ تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الأقْوامِ، هي غايَةٌ مُتَّسِعَةٌ لِأنَّ الأقْوامَ إذا غَيَّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن هُدًى أمْهَلَهُمُ اللَّهُ زَمَنًا ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَإذا أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَقَدْ نَبَّهَهم إلى اقْتِرابِ المُؤاخَذَةِ ثُمَّ أمْهَلَهم مُدَّةً لِتَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ والنَّظَرِ فَإذا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ غَيَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإبْدالِها بِالعَذابِ أوِ الذُّلِّ أوِ الأسْرِ كَما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أفْسَدُوا في الأرْضِ فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأشُورِيِّينَ.

صفحة ٤٦

﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ …

Al-Anfaal 8:53Listen in Qur'an →
54

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ .

تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المَذْكُورِ قَبْلَهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ والتَّسْمِيعِ، تَقْرِيرٌ لِلْإنْذارِ والتَّهْدِيدِ، وخُولِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَفَنُّنًا في الأُسْلُوبِ، وزِيادَةً لِلْفائِدَةِ بِذِكْرِ التَّكْذِيبِ هُنا بَعْدَ ذِكْرِ الكُفْرِ هُناكَ، وهُما سَبَبانِ لِلْأخْذِ والإهْلاكِ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا.

وذِكْرُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنا دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى اللَّهِ مَعَ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ رَبًّا لِلْمُجْتَرِئِ، يَزِيدُ جَراءَتَهُ قُبْحًا لِإشْعارِهِ بِأنَّها جَراءَةٌ في مَوْضِعِ الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الرَّبَّ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ.

وعُبِّرَ بِالإهْلاكِ عِوَضَ الأخْذِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لِيُفَسِّرَ الأخْذَ بِأنَّهُ آلَ إلى الإهْلاكِ، وزِيدَ الإهْلاكُ بَيانًا بِالنِّسْبَةِ إلى آلِ فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ إهْلاكُ الغَرَقِ.

وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ لِلتَّعْوِيضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وكُلُّ المَذْكُورِينَ، أيْ: آلُ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

Al-Anfaal 8:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe -

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الكَلامِ عَلى عُمُومِ المُشْرِكِينَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ. وهَؤُلاءِ عاهَدُوا

صفحة ٤٧

النَّبِيءَ ﷺ وهم عَلى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم، وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما وصَفَهم بِشَرِّ الدَّوابِّ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ أظْهَرُ مِن دَعْوَةِ الأدْيانِ السّابِقَةِ، ومُعْجِزَةَ الرَّسُولِ ﷺ أسْطَعُ، ولِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى أحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَن يَجْحَدُهُ فَهو أشْبَهُ بِما لا عَقْلَ لَهُ، وقَدِ انْدَرَجَ الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ في جِنْسِ شَرَّ الدَّوابِّ

وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] الآيَةَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَنْهم بِأنَّهم شَرُّ الدَّوابِّ.

والفاءُ في ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَطَفَتْ صِلَةً عَلى صِلَةٍ، فَأفادَتْ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الصِّلَةِ، وأنَّها تَمامُ الصِّلَةِ المَقْصُودَةِ لِلْإيماءِ، أيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِ الإسْلامِ فاسْتَمَرَّ كُفْرُهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ هو الَّذِي جَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ عَطَفَ هُنا بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سَبَبَ إجْراءِ ذَلِكَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ هو مَجْمُوعُ الوَصْفَيْنِ، وأتى بِصِلَةِ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وأنَّهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنهُمُ الإيمانُ.

فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ مَعَ عَدَمِ إيلاءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إفادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، أيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الإيمانُ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ انْتِفاءً قَوِيًّا فَهم بُعَداءُ عَنْهُ أشَدَّ الِابْتِعادِ.

ولَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لا أثَرَ لَهُ في الصِّلَةِ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ، إذا لَمْ يَقَعِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أنْ لا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إلّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو الأكْثَرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] إذْ لا يُرادُ وأنْتُمْ دُونَ غَيْرِكم لا تُظْلَمُونَ.

فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلًا مُطابِقًا، فالَّذِينَ عاهَدَهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وتَعْدِيَةُ عاهَدْتَ بِـ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَهْدَ كانَ يَتَضَمَّنُ التِزامًا مِن جانِبِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أخَذْتُ مِنهُ عَهْدًا، أيِ التِزامًا،

صفحة ٤٨

فَلَمّا ذُكِرَ فِعْلُ المُفاعَلَةِ، الدّالُّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُعاهَدَةِ التِزامُهم بِأنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ولَيْسَتْ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتانَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إلى بَعْضِ …

Al-Anfaal 8:55Listen in Qur'an →
56

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allah.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الكَلامِ عَلى عُمُومِ المُشْرِكِينَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ. وهَؤُلاءِ عاهَدُوا

صفحة ٤٧

النَّبِيءَ ﷺ وهم عَلى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم، وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما وصَفَهم بِشَرِّ الدَّوابِّ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ أظْهَرُ مِن دَعْوَةِ الأدْيانِ السّابِقَةِ، ومُعْجِزَةَ الرَّسُولِ ﷺ أسْطَعُ، ولِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى أحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَن يَجْحَدُهُ فَهو أشْبَهُ بِما لا عَقْلَ لَهُ، وقَدِ انْدَرَجَ الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ في جِنْسِ شَرَّ الدَّوابِّ

وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] الآيَةَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَنْهم بِأنَّهم شَرُّ الدَّوابِّ.

والفاءُ في ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَطَفَتْ صِلَةً عَلى صِلَةٍ، فَأفادَتْ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الصِّلَةِ، وأنَّها تَمامُ الصِّلَةِ المَقْصُودَةِ لِلْإيماءِ، أيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِ الإسْلامِ فاسْتَمَرَّ كُفْرُهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ هو الَّذِي جَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ عَطَفَ هُنا بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سَبَبَ إجْراءِ ذَلِكَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ هو مَجْمُوعُ الوَصْفَيْنِ، وأتى بِصِلَةِ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وأنَّهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنهُمُ الإيمانُ.

فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ مَعَ عَدَمِ إيلاءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إفادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، أيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الإيمانُ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ انْتِفاءً قَوِيًّا فَهم بُعَداءُ عَنْهُ أشَدَّ الِابْتِعادِ.

ولَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لا أثَرَ لَهُ في الصِّلَةِ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ، إذا لَمْ يَقَعِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أنْ لا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إلّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو الأكْثَرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] إذْ لا يُرادُ وأنْتُمْ دُونَ غَيْرِكم لا تُظْلَمُونَ.

فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلًا مُطابِقًا، فالَّذِينَ عاهَدَهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وتَعْدِيَةُ عاهَدْتَ بِـ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَهْدَ كانَ يَتَضَمَّنُ التِزامًا مِن جانِبِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أخَذْتُ مِنهُ عَهْدًا، أيِ التِزامًا،

صفحة ٤٨

فَلَمّا ذُكِرَ فِعْلُ المُفاعَلَةِ، الدّالُّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُعاهَدَةِ التِزامُهم بِأنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ولَيْسَتْ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتانَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إلى بَعْضِ …

Al-Anfaal 8:56Listen in Qur'an →
57

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الكَلامِ عَلى عُمُومِ المُشْرِكِينَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ. وهَؤُلاءِ عاهَدُوا

صفحة ٤٧

النَّبِيءَ ﷺ وهم عَلى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهم، وهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وإنَّما وصَفَهم بِشَرِّ الدَّوابِّ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ أظْهَرُ مِن دَعْوَةِ الأدْيانِ السّابِقَةِ، ومُعْجِزَةَ الرَّسُولِ ﷺ أسْطَعُ، ولِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى أحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَن يَجْحَدُهُ فَهو أشْبَهُ بِما لا عَقْلَ لَهُ، وقَدِ انْدَرَجَ الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ في جِنْسِ شَرَّ الدَّوابِّ

وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] الآيَةَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَنْهم بِأنَّهم شَرُّ الدَّوابِّ.

والفاءُ في ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَطَفَتْ صِلَةً عَلى صِلَةٍ، فَأفادَتْ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الصِّلَةِ، وأنَّها تَمامُ الصِّلَةِ المَقْصُودَةِ لِلْإيماءِ، أيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِ الإسْلامِ فاسْتَمَرَّ كُفْرُهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ هو الَّذِي جَعَلَهم شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ عَطَفَ هُنا بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ سَبَبَ إجْراءِ ذَلِكَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ هو مَجْمُوعُ الوَصْفَيْنِ، وأتى بِصِلَةِ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ وأنَّهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنهُمُ الإيمانُ.

فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ مَعَ عَدَمِ إيلاءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إفادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، أيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الإيمانُ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ انْتِفاءً قَوِيًّا فَهم بُعَداءُ عَنْهُ أشَدَّ الِابْتِعادِ.

ولَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لا أثَرَ لَهُ في الصِّلَةِ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ المَنفِيِّ، إذا لَمْ يَقَعِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أنْ لا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إلّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو الأكْثَرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] إذْ لا يُرادُ وأنْتُمْ دُونَ غَيْرِكم لا تُظْلَمُونَ.

فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَدَلًا مُطابِقًا، فالَّذِينَ عاهَدَهم هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وتَعْدِيَةُ عاهَدْتَ بِـ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العَهْدَ كانَ يَتَضَمَّنُ التِزامًا مِن جانِبِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ أخَذْتُ مِنهُ عَهْدًا، أيِ التِزامًا،

صفحة ٤٨

فَلَمّا ذُكِرَ فِعْلُ المُفاعَلَةِ، الدّالُّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُعاهَدَةِ التِزامُهم بِأنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ولَيْسَتْ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتانَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إلى بَعْضِ …

Al-Anfaal 8:57Listen in Qur'an →
58

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾

عَطْفُ حُكْمٍ عامٍّ لِمُعامَلَةِ جَمِيعِ الأقْوامِ الخائِنِينَ بَعْدَ الحُكْمِ الخاصِّ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ الَّذِينَ تَلُوحُ مِنهم بَوارِقُ الغَدْرِ والخِيانَةِ، بِحَيْثُ يَبْدُو مِن أعْمالِهِمْ ما فِيهِ مُخَيِّلَةٌ بِعَدَمِ وفائِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ إذْ هم يَنْتَفِعُونَ مِن مُسالَمَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم، ولا يَنْتَفِعُ المُؤْمِنُونَ مِن مُسالَمَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ.

والخَوْفُ تَوَقُّعُ ضُرٍّ مِن شَيْءٍ، وهو الخَوْفُ الحَقُّ المَحْمُودُ. وأمّا تَخَيُّلُ الضُّرِّ بِدُونِ أمارَةٍ فَلَيْسَ مِنَ الخَوْفِ وإنَّما هو الهَوَسُ والتَّوَهُّمُ. وخَوْفُ الخِيانَةِ ظُهُورُ بَوارِقِها وبُلُوغُ إضْمارِهِمْ إيّاها بِما يَتَّصِلُ بِالمُسْلِمِينَ مِن أخْبارِ أُولَئِكَ وما يَأْتِي بِهِ تَجَسُّسُ أحْوالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء: ٣]

وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و”قَوْمٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَتُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلُّ قَوْمٍ تَخافُ مِنهم خِيانَةً. والخِيانَةُ: ضِدُّ الأمانَةِ، وهي، هُنا: نَقْضُ العَهْدِ؛ لِأنَّ الوَفاءَ مِنَ الأمانَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الخِيانَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ٥٢

والنَّبْذُ: الطَّرْحُ وإلْقاءُ الشَّيْءِ. وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما رُتِّبَ نَبْذُ العَهْدِ عَلى خَوْفِ الخِيانَةِ، دُونَ وُقُوعِها: لِأنَّ شُئُونَ المُعامَلاتِ السِّياسِيَّةِ والحَرْبِيَّةِ تَجْرِي عَلى حَسَبِ الظُّنُونِ ومَخائِلِ الأحْوالِ ولا يُنْتَظَرُ تَحَقُّقُ وُقُوعِ الأمْرِ المَظْنُونِ لِأنَّهُ إذا تَرَيَّثَ وُلاةُ الأُمُورِ في ذَلِكَ يَكُونُونَ قَدْ عَرَّضُوا الأُمَّةَ لِلْخَطَرِ، أوْ لِلتَّوَرُّطِ في غَفْلَةٍ وضَياعِ مَصْلَحَةٍ، ولا تُدارُ سِياسَةُ الأُمَّةِ بِما يُدارُ بِهِ القَضاءُ في الحُقُوقِ؛ لِأنَّ الحُقُوقَ إذا فاتَتْ كانَتْ بَلِيَّتُها عَلى واحِدٍ، وأمْكَنَ تَدارُكُ فائِتِها. ومَصالِحُ الأُمَّةِ إذا فاتَتْ تَمَكَّنَ مِنها عَدُوُّها، فَلِذَلِكَ عُلِّقَ نَبْذُ العَهْدِ بِتَوَقُّعِ خِيانَةِ المُعاهِدِينَ مِنَ الأعْداءِ، ومِن أمْثالِ العَرَبِ: خُذِ اللِّصَّ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَكَ، أيْ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لِصٌّ.

و”عَلى سَواءٍ“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ نَبْذًا عَلى سَواءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”انْبِذْ“ أيْ حالَةَ كَوْنِكَ عَلى سَواءٍ.

و”عَلى“ فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ فَهي تُؤْذِنُ بِأنَّ مَدْخُولَها مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُعْتَلى عَلَيْهِ. و”سَواءٍ“ وصْفٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما يَصْلُحُ لِلِاسْتِواءِ مَعَ مَعْنى ”عَلى“ الطَّرِيقُ، فَعُلِمَ أنَّ ”سَواءٍ“ وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣]، أيْ سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ. وقَوْلُ النّابِغَةِ:

كَما لَقِيَتْ ذاتُ الصَّفا مِن حَلِيفِها

أيِ: الحَيَّةُ ذاتُ الصَّفا. …

Al-Anfaal 8:58Listen in Qur'an →
59

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾

تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما بَدَأهُ بِهِ أعْداؤُهُ مِنَ الخِيانَةِ مِثْلَ ما فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ، وما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أِبَيِّ ابْنِ سَلُولَ وغَيْرُهم مِن فُلُولِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَجَوْا يَوْمَ بَدْرٍ، وطَمْأنَةٌ لَهُ ولِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم سَيُدالُونَ مِنهم، ويَأْتُونَ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لِلْعَدُوِّ بِأنَّ اللَّهَ سَيُمَكِّنُ مِنهُمُ المُسْلِمِينَ.

والسَّبْقُ مُسْتَعارٌ لِلنَّجاةِ مِمَّنْ يَطْلُبُ، والتَّفَلُّتِ مِن سُلْطَتِهِ. شَبَّهَ المُتَخَلِّصَ مِن طالِبِهِ بِالسّابِقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] وقالَ بَعْضُ بَنِي فَقْعَسٍ:

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْـرِ مَـرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ

صفحة ٥٤

أيْ: كَأنَّكَ لَمْ يَفُتْكَ ما فاتَكَ إذا أدْرَكْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ السَّبْقُ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: هم وإنْ ظَهَرَتْ نَجاتُهُمُ الآنَ، فَما هي إلّا نَجاةٌ في وقْتٍ قَلِيلٍ، فَهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ، أوْ لا يُعْجِزُونَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يُصَيِّرُونَ مَن أفْلَتُوا مِنهُ عاجِزًا عَنْ نَوالِهِمْ، كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ ∗∗∗ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يُعْجِزُونَ“ لِظُهُورِ المَقْصُودِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، (ولا يَحْسَبَنَّ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ لِعَدَمِ وُجُودِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ ”حَسِبَ“ فَزَعَمَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنًا وهَذا اجْتِراءٌ مِنهُ عَلى أُولَئِكَ الأئِمَّةِ وصِحَّةِ رِوايَتِهِمْ، واحْتَجَّ لَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِإضْمارِ مَفْعُولٍ أوَّلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم سَبَقُوا، واحْتَجَّ لَها الزَّجّاجُ بِتَقْدِيرِ (أنْ) قَبْلَ ”سَبَقُوا“ فَيَكُونُ المَصْدَرُ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: حُذِفَ الفاعِلُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّهُمُ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ تُثِيرُهُ جُمْلَةُ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (أنَّهم) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ فالجُمْلَةُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ هو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، أيْ لِأنَّهم لا يُعْجِزُونَ، قالَ في الكَشّافِ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ المَكْسُورَةِ والمَفْتُوحَةِ تَعْلِيلٌ إلّا أنَّ المَكْسُورَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ والمَفْتُوحَةَ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ.

Al-Anfaal 8:59Listen in Qur'an →
60

وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ”وأعِدُّوا“ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] فَتُفِيدُ مَفادَ الِاحْتِراسِ عَنْ مُفادِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ:

صفحة ٥٥

﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] يُفِيدُ تَوْهِينًا لِشَأْنِ المُشْرِكِينَ، فَتَعْقِيبُهُ بِالأمْرِ بِالِاسْتِعْدادِ لَهم: لِئَلّا يَحْسَبَ المُسْلِمُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ صارُوا في مُكْنَتِهِمْ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاحْتِراسِ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لَهم هو سَبَبُ جَعْلِ اللَّهِ إيّاهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَيَّأ أسْبابَ اسْتِئْصالِهِمْ ظاهِرَها وباطِنَها.

والإعْدادُ: التَّهْيِئَةُ والإحْضارُ، ودَخَلَ في ”ما اسْتَطَعْتُمْ“ كُلُّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ النّاسِ اتِّخاذُهُ مِنَ العُدَّةِ.

والخِطابُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ووُلاةِ الأمْرِ مِنهم؛ لِأنَّ ما يُرادُ مِنَ الجَماعَةِ إنَّما يَقُومُ بِتَنْفِيذِهِ وُلاةُ الأُمُورِ الَّذِينَ هم وُكَلاءُ الأُمَّةِ عَلى مَصالِحِها.

والقُوَّةُ كَمالُ صَلاحِيَةِ الأعْضاءِ لِعَمَلِها وقَدْ تَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] . وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِ شَيْءِ ذِي أثَرٍ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى سَبَبِ شِدَّةِ التَّأْثِيرِ، فَقُوَّةُ الجَيْشِ شِدَّةُ وقْعِهِ عَلى العَدُوِّ، وقُوَّتُهُ أيْضًا سِلاحُهُ وعَتادُهُ، وهو المُرادُ هُنا، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِواسِطَتَيْنِ فاتِّخاذُ السُّيُوفِ والرِّماحِ والأقْواسِ والنِّبالِ مِنَ القُوَّةِ في جُيُوشِ العُصُورِ الماضِيَةِ، واتِّخاذُ الدَّبّاباتِ والمَدافِعِ والطَّيّاراتِ والصَّوارِيخِ مِنَ القُوَّةِ في جُيُوشِ عَصْرِنا. وبِهَذا الِاعْتِبارِ يُفَسَّرُ ما رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ ثُمَّ قالَ: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثًا»، أيْ: أكْمَلُ أفْرادِ القُوَّةِ آلَةُ الرَّمْيِ، أيْ: في ذَلِكَ العَصْرِ. ولَيْسَ المُرادُ حَصْرَ القُوَّةِ في آلَةِ الرَّمْيِ.

وعَطْفُ ”﴿رِباطِ الخَيْلِ﴾“ عَلى القُوَّةِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الخاصِّ.

(والرِّباطُ) صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ أُتِيَ بِها هُنا لِلْمُبالَغَةِ لِتَدُلَّ عَلى قَصْدِ الكَثْرَةِ مِن رَبْطِ الخَيْلِ لِلْغَزْوِ، أيِ احْتِباسُها ورَبْطُها انْتِظارًا لِلْغَزْوِ عَلَيْها، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ رَوَثُها وبَوْلُها حَسَناتٍ لَهُ» الحَدِيثَ. يُقالُ: رَبَطَ الفَرَسَ إذا شَدَّهُ في مَكانِ حِفْظِهِ، وقَدْ سَمَّوُا المَكانَ الَّذِي تُرْتَبَطُ فِيهِ الخَيْلُ

صفحة ٥٦

رِباطًا؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْرُسُونَ الثُّغُورَ المَخُوفَةَ راكِبِينَ عَلى أفْراسِهِمْ، كَما وصَفَ ذَلِكَ لَبِيدٌ في قَوْلِهِ:

ولَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمُلُ شِكَّتِي فُرُطٌ وِشاحِيَ إنْ رَكَبْتُ زِمامُها

إلى أنْ قالَ:

حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كَـافِـرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها

أسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنِيفَةٍ ∗∗∗ جَرْداءَ يَحْصَرُ دُونَها جُرّامُها

ثُمَّ أُطْلِقَ …

Al-Anfaal 8:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.