Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 75

51

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allah is not ever unjust to His servants."

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِهِما في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الضَّرْبُ والعَذابُ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومَحَلُّ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مَن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا - عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بالِغًا - قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ - إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ - فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِما أنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ - بَلْ وُقُوعُهُ - لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يُحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى كَوْنَ جَمِيعِ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ لاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ.

Al-Anfaal 8:51Listen in Qur'an →
52

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allah, so Allah seized them for their sins. Indeed, Allah is Powerful and severe in penalty.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لا بِشَيْءٍ آخَرَ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ المَعْرُوفِينَ بِالإهْلاكِ بِسَبَبِ جَرائِمِهِمْ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِمّا فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأخْذِ "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ" المَشْهُورِينَ بِقَباحَةِ الأعْمالِ وفَظاعَةِ العَذابِ والنَّكالِ.

﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي ما فَعَلُوا ولَقَوْا مِنَ العِقابِ ما لَقَوْا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ مِن أهْلِ الكُفْرِ والعِنادِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ، لا لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ونَحْوِهِمْ - كَما قِيلَ - فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنهُ بِقَضِيَّةِ التَّشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ، والفاءُ لِبَيانِ كَوْنِهِ مِن لَوازِمِ جِناياتِهِمْ وتَبِعاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ الفاءُ مِنَ السَّبَبِيَّةِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ ذُنُوبًا أُخَرَ لَها دَخْلٌ في اسْتِتْباعِ العِقابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ "بِذُنُوبِهِمْ" مَعاصِيَهُمُ المُتَفَرِّعَةَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: فَأخَذَهم مُلْتَبِسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، فَدَأْبُهم مَجْمُوعُ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ لا ما فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما قِيلَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنْ آلَ فِرْعَوْنَ أيْقَنُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيُّ اللَّهِ، فَكَذَّبُوهُ كَذَلِكَ هَؤُلاءِ، جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالصِّدْقِ فَكَذَّبُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ عُقُوبَتَهُ، كَما أنْزَلَ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وجَعْلُ العَذابِ مِن جُمْلَةِ دَأْبِهِمْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُتَصَوَّرُ مُداوَمَتُهم عَلَيْهِ واعْتِيادُهم إيّاهُ - كَما هو المُعْتَبَرُ في مَدْلُولِ الدَّأْبِ - إمّا لِتَغْلِيبِ ما فَعَلُوهُ عَلى ما فُعِلَ بِهِمْ، أوْ لِتَنْزِيلِ مُداوَمَتِهِمْ عَلى ما يُوجِبُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَنزِلَةَ مُداوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ التّامَّةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:52Listen in Qur'an →
53

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

That is because Allah would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿ذَلِكَ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُ النَّظْمَ الكَرِيمَ مِن كَوْنِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مَنُوطًا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، غَيْرَ واقِعٍ بِلا سابِقَةِ ما يَقْتَضِيهِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ لا نَفْسُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والِانْتِقامِ - كَما قِيلَ - فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَلَّلًا - بِما ذُكِرَ مِن كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ - لا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيلُهُ بِجَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى عَدَمِ تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِ عَلى قَوْمٍ قَبْلَ تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وتَوَهُّمُ أنَّ السَّبَبَ لَيْسَ ما ذُكِرَ - كَما هو مَنطُوقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ ما يُسْتَفادُ مِن مَفْهُومِ الغايَةِ مِن جَرَيانِ عادَتِهِ تَعالى عَلى تَغْيِيرِ نِعْمَتِهِمْ عِنْدَ تَغْيِيرِ حالِهِمْ، بِناءً عَلى تَخَيُّلِ أنَّ المُعَلَّلَ تُرَتُّبُ عِقابِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ عَنْهُ - رُكُوبُ شَطَطٍ هائِلٍ، وإبْعادٌ عَنِ الحَقِّ بِمُراحِلَ، وتَهْوِينٌ لِأمْرِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ، وإسْقاطٌ لَهُ عَنْ رُتْبَةِ إيجابِ العِقابِ في مَقامِ تَهْوِيلِهِ والتَّحْذِيرِ مِنهُ، فالمَعْنى ذَلِكَ، أيْ: تَرَتَّبَ العِقابُ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ دُونَ أنْ يَقَعَ ابْتِداءً مَعَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ.

﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى ﴿لَمْ يَكُ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ﴿مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها﴾ أيْ: لَمْ يَنْبَغِ لَهُ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَصِحَّ في حِكْمَتِهِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ نِعْمَةً أنْعَمَ بِها ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ مِنَ الأقْوامِ، أيَّ نِعْمَةٍ كانَتْ جَلَّتْ أوْ هانَتْ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وقْتَ مُلابَسَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ، ويَتَّصِفُوا بِما يُنافِيها، سَواءٌ كانَتْ أحْوالُهُمُ السّابِقَةُ مَرَضِيَّةً صالِحَةً، أوْ قَرِيبَةً مِنَ الصَّلاحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحادِثَةِ، كَدَأْبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، حَيْثُ كانُوا قَبْلَ البَعْثَةِ كَفَرَةً، عَبَدَةَ أصْنامٍ، مُسْتَمِرِّينَ عَلى حالَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِإفاضَةِ نِعْمَةِ الإمْهالِ وسائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيِّناتِ غَيَّرُوها إلى أسْوَأ مِنها وأسْخَطَ، حَيْثُ كَذَّبُوهُ ﷺ وعادُوهُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ يَبْغُونَهُمُ الغَوائِلَ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ، وعاجَلَهم بِالعَذابِ والنَّكالِ، وأصْلُ "يَكُ" يَكُنْ فَحُذِفَتِ النُّونُ تَخْفِيفًا؛ لِشَبَهِها بِالحُرُوفِ اللَّيِّنَةِ.

﴿وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (أنَّ اللَّهَ)... إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، أيْ: وبِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ ويَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَلِيقُ بِها مِن إبْقاءِ النِّعْمَةِ وتَغْيِيرِها، وقُرِئَ (وَإنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:53Listen in Qur'an →
54

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ تَغْيِيرًا كائِنًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: كَتَغْيِيرِهِمْ عَلى أنَّ دَأْبَهم عِبارَةٌ عَمّا فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما هو الأنْسَبُ بِمَفْهُومِ الدَّأْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ بِتَمامِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ إخْبارٌ بِتَرَتُّبِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِ، لا أنَّهُ مِن تَمامِ تَفْسِيرِهِ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ قَوْلِهِ تَعالى: "وَأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" بَيْنَهُما كَما مَرَّ نَظِيرُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، حَيْثُ جَوَّزُوا انْتِصابَ مَحَلِّ الكافِ بِـ(لْنَ تُغْنِيَ) مَعَ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اعْتِراضًا فَلا غُبارَ في تَوَسُّطِها قَطْعًا، وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما قَبْلَهُ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سِيقَ لَهُ الِاسْتِئْنافُ الأوَّلُ بِتَشْبِيهِ دَأْبِهِمْ بِدَأْبِ المَذْكُورِينَ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ المَحْضِ بَلْ بِتَغْيِيرِ العُنْوانِ، وجَعْلِ الدَّأْبِ في الجانِبَيْنِ عِبارَةً عَمّا يُلازِمُ مَعْناهُ الأوَّلَ مِن تَغْيِيرِ الحالِ وتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ أخْذًا مِمّا نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآيَةَ، أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ وشَأْنُهُمُ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّغْيِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - كَدَأْبِ أُولَئِكَ حَيْثُ غَيَّرُوا حالَهم فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ مِن تَغْيِيرِهِمْ لِحالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأهْلَكْناهُمْ) تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ مِن تَغْيِيرِهِ تَعالى ما بِهِمْ مِن نِعْمَتِهِ، وأمّا دَأْبُ قُرَيْشٍ فَمُسْتَفادٌ مِنهُ بِحُكْمِ التَّشْبِيهِ، فَلِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، حَيْثُ اكْتَفى في كُلٍّ مِنَ التَّشْبِيهَيْنِ بِتَفْسِيرِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ (هُمْ) لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّكْذِيبِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في (أهْلَكْنا) جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، والكَلامُ في الفاءِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كالَّذِي مَرَّ، وعَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ عَلى (أهْلَكْنا) مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ هَوْلِ الإغْراقِ وفَظاعَتِهِ، كَعِطْفِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلائِكَةِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلٌّ مِنَ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ، أوْ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ وأُولَئِكَ، أوْ كُلٌّ مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي، حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْهَلاكِ، أوْ واضِعِينَ لِلْكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَكانَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، ولِذَلِكَ أصابَهم ما أصابَهم.

Al-Anfaal 8:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allah are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe -

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ بَعْدَما شَرَحَ أحْوالَ المُهْلَكِينَ مِن شِرارِ الكَفَرَةِ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ الباقِينَ مِنهُمْ، وتَفْصِيلِ أحْكامِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَجُّوا فِيهِ، جُعِلُوا شَرَّ الدَّوابِّ لا شَرَّ النّاسِ؛ إيماءً إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن مُجانَسَتِهِمْ، وإنَّما هم مِن جِنْسِ الدَّوابِّ، ومَعَ ذَلِكَ شَرٌّ مِن جَمِيعِ أفْرادِها حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ ورُسُوخِهِمْ فِيهِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ مِن أصْلِ الطَّبْعِ، لا يَلْوِيهِمْ صارِفٌ، ولا يَثْنِيهِمْ عاطِفٌ أصْلًا، جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ، لا أنَّهُ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الَّتِي لا حُكْمَ فِيها بِالفِعْلِ وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:55Listen in Qur'an →
56

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allah.

﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ، أيْ: عاهَدْتَهُمْ، ومِن لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعاهَدَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ العَهْدِ وأخْذِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ هَهُنا مِن حَيْثُ أخْذُهُ ﷺ عَهْدَهُمْ، إذْ هو المَناطُ لِقَباحَةِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّقْضِ لا إعْطاؤُهُ ﷺ إيّاهم عَهْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ أخَذَتْ مِنهم عَهْدَهُمْ، وقِيلَ: هي لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُباشِرَ بِالذّاتِ لِلْعَهْدِ بَعْضُهم لا كُلُّهم.

﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (عاهَدْتَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ النَّقْضِ وتَعَدُّدِهِ، وكَوْنِهِمْ عَلى نِيَّتِهِ في كُلِّ حالٍ، أيْ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمُ الَّذِي أخَذْتَهُ مِنهم ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ أيْ: مِن مَرّاتِ المُعاهَدَةِ، إذْ هي الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، ويُسْتَقْبَحُ وُجُودُهُ، لا مِن مَرّاتِ المُحارِبَةِ - كَما قِيلَ - إذْ لا يُتَوَقَّعُ فِيها عَدَمُ النَّقْضِ، بَلْ لا يُتَصَوَّرُ أصْلًا حَتّى يُسْتَقْبَحَ فِيها وجُودُهُ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِعَدَمِهِ، فَلا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ النَّقْضِ بِالوُقُوعِ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِها، بَلْ لا صِحَّةَ لَهُ قَطْعًا؛ لِأنَّ النَّقْضَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المَرَّةِ الوارِدَةِ عَلى المُعاهَدَةِ، لا في المَرّاتِ الواقِعَةِ بَعْدَها بِلا مُعاهَدَةٍ، ولَئِنْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ هي المَرّاتُ الواقِعَةُ إثْرَ المُعاهَدَةِ يَبْقى النَّقْضُ الواقِعُ بِلا مُحارَبَةٍ - كَبَيْعِ السِّلاحِ ونَحْوِهِ - خارِجًا مِنَ البَيانِ، ولَئِنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المُحارَبَةِ فَلا مَحِيصَ مِن لُزُومِ خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ بِالمَرَّةِ؛ لِأنَّ المُحارَبَةَ بِهَذا المَعْنى عَيْنُ النَّقْضِ، فَيَؤُولُ الأمْرُ إلى أنْ يُقالَ: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ النَّقْضِ، وحَمْلُ المُحارِبَةِ عَلى مُحارَبَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ المَعْنى: يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرّاتِ مُحارَبَةِ الأعْداءِ - مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ والرَّكاكَةِ - يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ بَدْئِهِمْ بِالنَّقْضِ مِنَ البَيانِ.

﴿وَهم لا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْقُضُونَ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّقْضِ، والحالُ أنَّهم لا يَتَّقُونَ سُبَّةَ الغَدْرِ، ولا يُبالُونَ بِما فِيهِ مِنَ العارِ والنّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:56Listen in Qur'an →
57

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

So if you, [O Muhammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.

﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِهِمْ بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فَإذا كانَ حالُهم كَما ذُكِرَ فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ ﴿فِي الحَرْبِ﴾ أيْ: في تَضاعِيفِها.

﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أيْ: فَفَرِّقْ عَنْ مُناصِبَتِكَ تَفْرِيقًا عَنِيفًا مُوجِبًا لِلِاضْطِرارِ والِاضْطِرابِ، ونَكِّلْ عَنْها بِأنْ تَفْعَلَ بِهِمْ مِنَ النِّكايَةِ والتَّعْذِيبِ ما يُوجِبُ أنْ تُنَكِّلَ.

﴿مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: مَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم بِصَدَدِ الحَرْبِ قَرِيبٌ مِن هَؤُلاءِ، وقُرِئَ (شَرِّذْ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَعَلَّهُ مَقْلُوبُ (شَذِّرْ) بِمَعْنى فَرِّقْ، وقُرِئَ (مِن خَلْفِهِمْ) أيِ: افْعَلِ التَّشْرِيدَ مِن ورائِهِمْ، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ إيقاعَ التَّشْرِيدِ في الوَراءِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَشْرِيدِ مَن وراءَهم.

﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِما شاهَدُوا مِمّا نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ، فَيَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ، أوْ عَنِ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:57Listen in Qur'an →
58

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms. Indeed, Allah does not like traitors.

﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ، إثْرَ بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ، والخَوْفُ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مِنَ المُعاهَدِينَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي - بِما لاحَ لَكَ مِنهم مِن دَلائِلِ الغَدْرِ، ومَخايِلِ الشَّرِّ - ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ قَصْدٍ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ، وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ، ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ؛ كَيْلا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا.

فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ النّابِذِ، أيْ: فانْبِذْ إلَيْهِمْ ثابِتًا عَلى سَواءٍ، وقِيلَ: عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِنَقْضِ العَهْدِ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي فِيهِ أقْصاهم وأدْناهُمْ، أوْ تَسْتَوِي فِيهِ أنْتَ وهُمْ، فَهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنَ المَنبُوذِ إلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي مِنَ الجانِبَيْنِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُناجَزَةِ الَّتِي هي خِيانَةٌ، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنها، وإمّا بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ بِالآخِرَةِ فَيَكُونُ حَثًّا لَهُ ﷺ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا، وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قاتِلْهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ لِما عَلِمْتَ مِن حالِهِمْ.

Al-Anfaal 8:58Listen in Qur'an →
59

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allah].

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ لِلتَّكْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقُوا﴾ - أيْ: فاتُوا وأفْلَتُوا مِن أنْ يُظْفَرَ بِهِمْ - مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَحْسَبَنَّ)، والمُرادُ: إقْناطُهم مِنَ الخَلاصِ، وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالنَّبْذِ والِاقْتِصارِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ، مَعَ أنَّ مُقاوَمَةَ المُؤْمِنِينَ - بَلِ الغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ أيْضًا - مِمّا تَتَعَلَّقُ بِهِ أمانِيهِمُ الباطِلَةُ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ وهْمُهم وحُسْبانُهُمْ، وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَدُورَ في خَلَدِهِمْ حُسْبانُ المَناصِ فَقَطْ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى أحَدٍ، أوْ إلى (مَن خَلْفَهُمْ) والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولُ المُتَناوِلُ لَهم أيْضًا، وقِيلَ: هو الفاعِلُ، وأنْ مَحْذُوفَةٌ مِن (سَبَقُوا) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (أنَّهم سَبَقُوا) ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمن آياته يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ الآيَةَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهي قِراءَةٌ واضِحَةٌ، وقُرِئَ (وَلا تَحْسَبِ الَّذِينَ) بِكَسْرِ الباءِ وبِفَتْحِها عَلى حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُونَ ولا يَجِدُونَ طالَبَهم عاجِزًا عَنْ إدْراكِهِمْ؛ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، وقِيلَ: الفِعْلُ واقِعٌ عَلَيْهِ، و"لا" زائِدَةٌ، وسَبَقُوا حالٌ بِمَعْنى سابِقِينَ، أيْ: مُفْلِتِينَ هارِبِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ لِإزاحَةِ ما عَسى يُحْذَرُ مِن عاقِبَةِ النَّبْذِ، لِما أنَّهُ إيقاظٌ لِلْعَدُوِّ وتَمْكِينٌ لَهم مِنَ الهَرَبِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ نَفْيٌ لِقدرتهمْ عَلى المُقاوَمَةِ والمُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن أفْلَتَ مِن فَلِّ المُشْرِكِينَ، وقُرِئَ (لا يُعْجِزُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، و(لا يُعَجِّزُونِ) بِالتَّشْدِيدِ.

Al-Anfaal 8:59Listen in Qur'an →
60

وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war by which you may terrify the enemy of Allah and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allah knows. And whatever you spend in the cause of Allah will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِن وظائِفِ الكُلِّ، كَما أنَّ تَوْجِيهَهُ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكَوْنِ ما في حَيِّزِهِ مِن وظائِفِهِ ﷺ أيْ: أعِدُّوا لِقِتالِ الَّذِينَ نُبِذَ إلَيْهِمُ العَهْدُ وهَيِّئُوا لِحِرابِهِمْ، أوْ لِقِتالِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ كائِنًا ما كانَ.

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: ««ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»» قالَها ثَلاثًا، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ إيّاهُ بِالذِّكْرِ لِإنافَتِهِ عَلى نَظائِرِهِ مِنَ القُوى.

﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ الرِّباطُ: اسْمٌ لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَتْ هي بِهِ، يُقالُ رَبَطَ رَبْطًا ورِباطًا ورابَطَ مُرابِطَةً ورِباطًا، أوْ جَمْعُ رَبِيطٍ كَفَصِيلٍ وفِصالٍ، أوْ جَمْعُ رَبْطٍ كَكَعْبٍ وكَعابٍ، وكَلْبٍ وكِلابٍ، وقُرِئَ (رُبُطِ الخَيْلِ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِها، جَمْعُ رِباطٍ، وعَطْفُها عَلى القُوَّةِ - مَعَ كَوْنِها مِن جُمْلَتِها - لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِها، كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ.

﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ، وقُرِئَ (تُرَهِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ (تُخْزُونَ بِهِ) والضَّمِيرُ لِما اسْتَطَعْتُمْ، أوْ لِلْإعْدادِ، وهو الأنْسَبُ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أعِدُّوا) أيْ: أعِدُّوا مُرَهِّبِينَ بِهِ، أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: أعِدُّوا ما اسْتَطَعْتُمُوهُ مُرَهِّبًا بِهِ.

﴿عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُفّارِ - مَعَ كَوْنِ الكُلِّ كَذَلِكَ - لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحَدَّ في العَداوَةِ ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وقِيلَ: الفُرْسُ ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ أيْ: لا تَعْرِفُونَهم بِأعْيانِهِمْ، أوْ لا تَعْلَمُونَهم كَما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ، فَإنَّ أعْيانَهم مَعْلُومَةٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أيْضًا.

﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ لِإعْدادِ العَتادِ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الَّذِي أوْضَحُهُ الجِهادُ ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ كامِلًا ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ بِتَرْكِ الإثابَةِ، أوْ بِنَقْضِ الثَّوابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِها بِالظُّلْمِ - مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَكُونَ تَرْكُ تَرْتِيبِهِ عَلَيْها ظُلْمًا - لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾

Al-Anfaal 8:60Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.