Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ أيِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ قَهْرًا. ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطَ. ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَثابِتٌ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. وقُرِئَ « فَإنَّ» بِالكَسْرِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ . وأنَّ المُرادَ قَسْمُ الخَمُسِ عَلى الخَمْسَةِ المَعْطُوفِينَ ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ يُصْرَفُ إلى هَؤُلاءِ الأخَصِّينَ بِهِ. وحُكْمُهُ بَعْدَهُ، باقٍ غَيْرَ أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يُصْرَفُهُ إلَيْهِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ كَما فَعَلَهُ الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ إلى الإمامِ. وقِيلَ إلى الأصْنافِ الأرْبَعَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَقَطَ سَهْمُهُ وسَهْمُ ذَوِي القُرْبى بِوَفاتِهِ وصارَ الكُلُّ مَصْرُوفًا إلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ. وعَنْ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الإمامِ يَصْرِفُهُ إلى ما يَراهُ أهَمَّ، وذَهَبَ أبُو العالِيَةِ إلى ظاهِرِ الآيَةِ فَقالَ يُقَسَّمُ سِتَّةَ أقْسامٍ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَأْخُذُ قَبْضَةً مِنهُ فَيَجْعَلُها لِلْكَعْبَةِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ.

وَقِيلَ سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ. وقِيلَ هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ . وذَوُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ. لَمّا رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِما فَقالَ لَهُ عُثْمانُ وجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهم، أرَأيْتَ إخْوانَنا مِن بَنِي المُطَّلِبِ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ» .

وَقِيلَ بَنُو هاشِمٍ وحْدَهم. وقِيلَ جَمِيعُ قُرَيْشٍ الغَنِيُّ والفَقِيرُ فِيهِ سَواءٌ. وقِيلَ هو مَخْصُوصٌ بِفُقَرائِهِمْ كَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ. وقِيلَ الخُمُسُ كُلُّهُ لَهم والمُرادُ بِاليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مَن كانَ مِنهم والعَطْفُ لِلتَّخْصِيصِ. والآيَةُ نَزَلَتْ بِبَدْرٍ. وقِيلَ الخُمُسُ كانَ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاعْلَمُوا أنَّهُ جَعَلَ الخُمُسَ لِهَؤُلاءِ فَسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ واقْتَنِعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ العَمَلِيَّ إذا أمَرَ بِهِ لَمْ يُرَدَّ مِنهُ العِلْمُ المُجَرَّدُ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعَرْضِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو العَمَلُ. ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ. وقُرِئَ (عُبُدِنا) بِضَمَّتَيْنِ أيِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ المُسْلِمُونَ والكافِرُونَ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ …

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، والعُدْوَةُ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ شَطُّ الوادِي وقَدْ قُرِئَ بِها، والمَشْهُورُ الضَّمُّ والكَسْرُ وهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ. ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، تَأْنِيثُ الأقْصى وكانَ قِياسُهُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا تَفْرِقَةً بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ فَجاءَ عَلى الأصْلِ كالقَوْدِ وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا. ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ العِيرُ أوْ قُوّادُها. ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكم يَعْنِي السّاحِلَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخَلُّوا مَراكِزَهم ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذَكَرَ مَراكِزَ الفَرِيقَيْنِ فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ ولا يَمْشِي فِيها إلّا بِتَعَبٍ ولَمْ يَكُنْ بِها ماءٌ، بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهم لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم، ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ تَعالى خارِقًا لِلْعادَةِ فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا. ﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ وهو نَصْرُ أوْلِيائِهِ وقَهْرُ أعْدائِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مَفْعُولًا والمَعْنى: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ حُجَّةٍ شاهَدَها لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ. أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، والمُرادُ بِمَن هَلَكَ ومَن حَيَّ المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن هَذا حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ.

وَقُرِئَ « ليَهْلَكَ» بِالفَتْحِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ مَن حَيِيَ بِفَكِّ الإدْغامِ لِلْحَمْلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ. ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.

﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها.

﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿قَلِيلا﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ .

﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ.

﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيمٍ أيْ يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونُ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.

﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ لَجَبُنْتُمْ. ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ في أمْرِ القِتالِ وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم بَيْنَ الثَّباتِ والفِرارِ.

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها وما يُغَيِّرُ أحْوالَها.

﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ الضَّمِيرانِ مَفْعُولا يَرى و ﴿قَلِيلا﴾ حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِمَن إلى جَنْبِهِ أتَراهم سَبْعِينَ فَقالَ أراهم مِائَةً، تَثْبِيتًا لَهم وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ .

﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، وقَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ لِتَفْجَأهُمُ الكَثْرَةُ فَتَبْهَتُهم وتَكْسِرُ قُلُوبَهم، وهَذا مِن عَظائِمَ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ فَإنَّ البَصَرَ وإنْ كانَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي في الشُّرُوطِ.

﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِاكْتِفاءُ عَلى الوَجْهِ المَحْكِيِّ وها هُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ وإذْلالُ الإشْراكِ وحِزْبِهِ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ حارَبْتُمْ جَماعَةً ولَمْ يَصِفْها لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ. ﴿فاثْبُتُوا﴾ لِلِقائِهِمْ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مُواطِنِ الحَرْبِ داعِينَ لَهُ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُقْبِلَ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ فارِغَ البالِ واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابُ النَّهْيِ.

وَقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُرِئَ: « ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾» بِالجَزْمِ، والرِّيحُ مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشْبِهَةٌ بِها في هُبُوبِها ونُفُوذِها. وقِيلَ المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ وفي الحَدِيثِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» .

﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالكَلاءَةِ والنُّصْرَةِ.

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ حارَبْتُمْ جَماعَةً ولَمْ يَصِفْها لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا يَلْقَوْنَ إلّا الكُفّارَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ. ﴿فاثْبُتُوا﴾ لِلِقائِهِمْ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مُواطِنِ الحَرْبِ داعِينَ لَهُ مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ ويُقْبِلَ عَلَيْهِ بِشَراشِرِهِ فارِغَ البالِ واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابُ النَّهْيِ.

وَقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قُرِئَ: « ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾» بِالجَزْمِ، والرِّيحُ مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشْبِهَةٌ بِها في هُبُوبِها ونُفُوذِها. وقِيلَ المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ وفي الحَدِيثِ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» .

﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالكَلاءَةِ والنُّصْرَةِ.

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا مِنها لِحِمايَةِ العِيرِ. ﴿بَطَرًا﴾ فَخْرًا وأشَرًا. ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَلَغُوا الجَحْفَةَ وافاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ أنِ ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكم فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا واللَّهِ حَتّى نَقْدِمَ بَدْرًا ونَشْرَبَ فِيها الخُمُورَ وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمُ بِها مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ، فَوافَوْها ولَكِنْ سُقُوا كَأْسَ المَنايا وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ، فَنَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا أمْثالَهم بَطِرِينَ مُرائِينَ، وأمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا أهْلَ تَقْوى وإخْلاصٍ مِن حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَطَرًا إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ وكَذا إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَهُ لَكِنْ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ. ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ. ﴿أعْمالَهُمْ﴾ في مُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْرَها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ. ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ مَقالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ والمَعْنى: أنَّهُ ألْقى في رَوْعِهِمْ وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتُ مُجِيرٍ لَهم حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الفِئَتَيْنِ وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ولَكم خَبَرُ لا غالِبَ أوْ صِفَتُهُ ولَيْسَ صِلَتُهُ وإلّا لانْتَصَبَ كَقَوْلِكَ: لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا. ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ تَلاقى الفَرِيقانِ. ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى أيْ بَطَلَ كَيْدُهُ وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ. ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ تَبَرَّأ مِنهم وخافَ عَلَيْهِمْ وأيِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ المُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْقُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ وكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ بِصُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ الكِنانِيِّ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ وإنِّي مُجِيرُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالَةِ فَقالَ إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحارِثِ وانْطَلَقَ وانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ قالُوا هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ. وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ إنِّي أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي مَكْرُوهٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ يُهْلِكَنِي ويَكُونُ الوَقْتُ هو الوَقْتُ المَوْعُودُ إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ. ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والَّذِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلى الإيمانِ بَعْدُ وبَقِيَ في قُلُوبِهِمْ شُبْهَةٌ. وقِيلَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ المُنافِقُونَ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ. ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ. ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا يَدِيَ لَهم بِهِ فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ جَوابٌ لَهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مَنِ اسْتَجارَ بِهِ وإنَّ قَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما يَسْتَبْعِدُهُ العَقْلُ ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ.

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿وَلَوْ تَرى﴾ ولَوْ رَأيْتَ فَإنَّ لَوْ تَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا عَكْسَ إنْ. ﴿إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ بِبَدْرٍ، وإذْ ظَرْفُ تَرى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ أوْ حالَهم حِينَئِذٍ، والمَلائِكَةُ فاعِلُ يَتَوَفّى ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتّاءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، واسْتُغْنِيَ فِيهِ بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهم أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى الضَّمِيرَيْنِ. ﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ ظُهُورَهم أوْ أسْتاهَهم، ولَعَلَّ المُرادَ تَعْمِيمُ الضَّرْبِ أيْ يَضْرِبُونَ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ عَلى يَضْرِبُونَ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِتَقْطِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ.

﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرْبُ والعَذابُ. ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو خَبَرٌ لِذَلِكَ. ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عُطِفَ عَلى « ما» لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ. فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ وظَلّامٍ التَّكْثِيرُ لِأجْلِ العَبِيدِ.

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.