Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

(سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ، وهي خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ النَّفْلُ: الغَنِيمَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى زائِدَةٌ عَلى ما هو أصْلُ الأجْرِ في الجِهادِ مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى ما يُعْطى بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ زِيادَةً عَلى السَّهْمِ مِنَ المَغْنَمِ، وقُرِئَ (عَلَنْفالِ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْغامِ نُونِ عَنْ في اللّامِ.

رُوِيَ «أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في غَنائِمِ بَدْرٍ وفي قِسْمَتِها فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تُقَسَّمُ؟ ولِمَنِ الحُكْمُ فِيها ألِلْمُهاجِرِينَ أمْ لِلْأنْصارِ أمْ لَهم جَمِيعًا؟ وقِيلَ: إنَّ الشَّبابَ قَدْ أبْلَوْا يَوْمَئِذٍ بَلاءً حَسَنًا، فَقَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، فَقالُوا: نَحْنُ المُقاتِلُونَ ولَنا الغَنائِمُ، وقالَ الشُّيُوخُ والوُجُوهُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ الرّاياتِ: كُنّا رِدْءًا لَكم وفِئَةً تَنْحازُونَ إلَيْها، حَتّى قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "واللَّهِ ما مَنَعَنا أنْ نَطْلُبَ ما طَلَبَ هَؤُلاءِ زَهادَةٌ في الأجْرِ ولا جُبْنٌ مِنَ العَدُوِّ، ولَكِنْ كَرِهْنا أنْ نُعَرِّيَ مَصافَّكَ فَيَعْطِفَ عَلَيْكَ خَيْلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ".»

وَقِيلَ: " «كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ شَرَطَ لِمَن كانَ لَهُ بَلاءٌ أنْ يُنَفِّلَهُ، ولِذَلِكَ فَعَلَ الشُّبّانُ ما فَعَلُوا مِنَ القَتْلِ والأسْرِ فَسَألُوهُ ﷺ ما شَرَطَهُ لَهُمْ؟ فَقالَ الشُّيُوخُ: المَغْنَمُ قَلِيلٌ والنّاسُ كَثِيرٌ وإنْ تُعْطِ هَؤُلاءِ ما شَرَطْتَ لَهم حَرَمْتَ أصْحابَكَ، فَنَزَلَتْ".»

والأوَّلُ هو الظّاهِرُ لِما أنَّ السُّؤالَ اسْتِعْلامٌ لِحُكْمِ الأنْفالِ بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ "عَنْ" لا اسْتِعْطاءٌ لِنَفْسِها، كَما نَطَقَ بِهِ الوَجْهُ الأخِيرُ، وادِّعاءُ زِيادَةِ "عَنْ" تَعَسُّفٌ ظاهِرٍ، والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وزَيْدٍ، ومُحَمَّدٍ الباقِرِ، وجَعْفَرٍ الصّادِقِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ: (يَسْألُونَكَ الأنْفالَ) غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، فَإنَّ مَبْناها - كَما قالُوا - عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ: حُكْمُها مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى يُقَسِّمُها الرَّسُولُ ﷺ كَيْفَما أُمِرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ رَأْيُ أحَدٍ، ولَوْ كانَ السُّؤالُ اسْتِعْطاءً لَما كانَ هَذا جَوابًا لَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ حُكْمِ ما شُرِطَ لَهم مِنَ الأنْفال بِاللَّهِ والرَّسُولِ لا يُنافِي إعْطاءَها إيّاهُمْ، بَلْ يُحَقِّقُهُ؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَها بِمُوجِبِ شَرْطِ الرَّسُولِ ﷺ الصّادِرِ عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا بِحُكْمِ سَبْقِ أيْدِيهِمْ إلَيْها، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالِاخْتِصاصِ المَذْكُورِ، وحَمْلُ الجَوابِ عَلى مَعْنى أنَّ الأنْفالَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مُخْتَصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا حَقَّ فِيها لِلْمُنَفَّلِ كائِنًا مَن كانَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقاقِ بِالتَّنْفِيلِ، وادِّعاءُ أنَّ ثُبُوتَهُ بِدَلِيلٍ مُتَأخِّرٍ التِزامٌ لِتَكَرُّرِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالنّاسِخِ الأخِيرِ، ولا مُساغَ لِلْمَصِيرِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ؛ مِن أنَّ الأنْفالَ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، لَيْسَ لِأحَدٍ فِيها شَيْءٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ لِما أنَّ …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مَن أُرِيدَ بِالمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ أوْصافِهِمُ الجَلِيلَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الخِصالِ الثَّلاثِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لَهم في الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ المَذْكُورَةِ، أيْ: إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ المُخْلِصُونَ فِيهِ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتْ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُذْكَرَ هُناكَ ما يُوجِبُ الفَزَعَ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ اسْتِعْظامًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ وتَهَيُّبًا مِنهُ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ يُهِمُّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَيَنْزِعُ عَنْها خَوْفًا مِن عِقابِهِ، وقُرِئَ (وَجَلَتْ) بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (فَرِقَتْ) أيْ: خافَتْ.

﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيَّ آيَةٍ كانْتْ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: يَقِينًا وطُمَأْنِينَةَ نَفْسٍ، فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَعاضُدَ الحُجَجِ والبَراهِينِ مُوجِبٌ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ وقُوَّةِ اليَقِينِ، وقِيلَ: إنَّ نَفْسَ الإيمانِ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وإنَّما زِيادَتُهُ بِاعْتِبارِ زِيادَةِ المُؤْمَنِ بِهِ، فَإنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ صَدَّقَ بِها المُؤْمِنُ فَزادَ إيمانُهُ عَدَدًا، وأمّا نَفْسُ الإيمانِ فَهو بِحالِهِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّ الأعْمالَ تُجْعَلُ مِنَ الإيمانِ فَيَزِيدُ بِزِيادَتِها، والأصْوَبُ أنَّ نَفْسَ التَّصْدِيقِ يَقْبَلُ القُوَّةَ، وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالزِّيادَةِ لِلْفَرْقِ النَّيِّرِ بَيْنَ يَقِينِ الأنْبِياءِ وأرْبابِ المُكاشَفاتِ ويَقِينِ آحادِ الأُمَّةِ، وعَلَيْهِ مَبْنى ما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا، وكَذا بَيْنَ ما قامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واحِدٌ وما قامَتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ.

﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِهِمْ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِمْ خاصَّةً ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم لا إلى أحَدٍ سِواهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ وقَوْلُهُ تَعالى:

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ المُنْبِئِ عَنِ المَدْحِ، ذَكَرَ أوَّلًا مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أعْمالَ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، ثُمَّ عَقَّبَ بِأعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ.

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الحَمِيدَةُ، مِن حَيْثُ إنَّهم مُتَّصِفُونَ بِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمَيُّزٍ، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ ما فُصِّلَ مَن أفاضِلِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.

وَ"حَقًّا" صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقًّا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا، كَقَوْلِكَ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا.

﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ مِنَ الكَرامَةِ والزُّلْفى، وقِيلَ: دَرَجاتٌ عالِيَةٌ في الجَنَّةِ، وهو إمّا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَعْدادِ مَناقِبِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم بِمُقابَلَةِ هَذِهِ الخِصالِ، فَقِيلَ: لَهم كَيْتَ كَيْتَ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٌ) مُؤَكِّدَةً، لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: كائِنَةٌ عِنْدَهُ تَعالى، أوْ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَبَرُ أعْنِي لَهم مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وفي إضافَةِ الظَّرْفِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ ولُطْفٍ لَهُمْ، وإيذانٌ بِأنَّ ما وعَدَ لَهم مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ والحُصُولِ، مَأْمُونُ الفَواتِ.

﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا يَنْقَضِي أمَدُهُ ولا يَنْتَهِي عَدَدُهُ، وهو ما أُعِدَّ لَهم مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ.

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ الكافُ في مَحْلِ الرَّفْعِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الحالُ كَحالِ إخْراجِكَ، يَعْنِي: أنَّ حالَهم في كَراهَتِهِمْ لِما رَأيْتَ - مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا - كَحالِهِمْ في كَراهَتِهِمْ لِخُرُوجِكَ لِلْحَرْبِ وهو حَقٌّ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ أيِ: الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا مِثْلَ ثَباتِ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ في المَدِينَةِ، أوْ مِنَ المَدِينَةِ إخْراجًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ.

﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنْ فَرِيقًا مِنهم كارِهُونَ لِلْخُرُوجِ إمّا لِنَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنِ القِتالِ، أوْ لِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ، وذَلِكَ أنَّ عِيرَقُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، وعَمْرُو بْنُ هِشامٍ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّي العِيرِ لِكَثْرَةِ الخَيْرِ، وقِلَّةِ القَوْمِ، فَلَمّا خَرَجُوا بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنادى أبُو جَهْلٍ فَوْقَ الكَعْبَةِ بِأهْلِ مَكَّةَ: النَّجاةَ النَّجاةَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ عِيرُكم أمْوالُكُمْ، إنْ أصابَها مُحَمَّدٌ لَمْ تُفْلِحُوا بَعْدَها أبَدًا.

وَقَدْ رَأتْ أُخْتُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -رُؤْيا فَقالَتْ لِأخِيها: إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ، ثُمَّ حَلَّقَ بِها فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ مَكَّةَ إلّا أصابَهُ حَجَرٌ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ، فَحَدَّثَ بِها العَبّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ما يَرْضى رِجالُهم أنْ يَتَنَبَّئُوا حَتّى تَتَنَبَّأ نِساؤُهُمْ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ النَّفِيرُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ العِيرَ أخَذَتْ طَرِيقَ السّاحِلِ ونَجَتْ، فارْجِعْ بِالنّاسِ إلى مَكَّةَ، فَقالَ: لا، واللّاتِ لا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا حَتّى نَنْحَرَ الجَزُورَ، ونَشْرَبَ الخُمُورَ، ونُقِيمَ القَيْناتِ والمَعازِفَ بِبَدْرٍ، فَيَتَسامَعُ جَمِيعُ العَرَبِ بِمَخْرَجِنا وأنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُصِبِ العِيرَ، وأنّا قَدْ أعْضَضْناهُ فَمَضى بِهِمْ إلى بَدْرٍ، وبَدْرٌ: ماءٌ كانَتِ العَرَبُ تَجْتَمِعُ فِيهِ لِسُوقِهِمْ يَوْمًا في السِّنَةِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ وعَدَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إمّا العِيرَ وإمّا قُرَيْشًا، فاسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ، فَقالَ: "ما تَقُولُونَ إنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا مَن مَكَّةَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، فالعِيرُ أحَبُّ إلَيْكم أمِ النَّفِيرُ؟" فَقالُوا: بَلِ العِيرُ أحَبُّ إلَيْنا مِن لِقاءِ العَدُوِّ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَدَّدَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: "إنَّ العِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ"، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَقامَ - عِنْدَما غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ - أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَأحْسَنا، ثُمَّ قامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ فَقالَ: انْظُرْ أمْرَكَ فامْضِ، فَواللَّهِ لَوْ سِرْتَ إلى عَدَنِ أبْيَنَ ما تَخَلَّفَ عَنْكَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ قالَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ فَإنّا مَعَكَ حَيْثُما أحْبَبْتَ، لا …

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ الَّذِي هو تَلَقِّي النَّفِيرِ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّيَ العِيرِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: أخْرَجَكَ في حالِ مُجادَلَتِهِمْ إيّاكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في لَكارِهُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ مَنصُوبٌ بِيُجادِلُونَكَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ لَهم بِإعْلامِكَ أنَّهم يُنْصَرُونَ أيْنَما تَوَجَّهُوا، ويَقُولُونَ: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ، وهَلّا قُلْتَ لَنا لِنَسْتَعِدَّ ونَتَأهَّبَ، وكانَ ذَلِكَ لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ.

﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكارِهُونَ، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِالَّذِينَ يُساقُونَ بِالعُنْفِ والصَّغارِ إلى القَتْلِ ﴿وَهم يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ، أيْ: والحالُ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أسْبابِ المَوْتِ ويُشاهِدُونَها عِيانًا، وما كانَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ الخَوْفِ والجَزَعِ إلّا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ وكَوْنِهِمْ رَجّالَةً، رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا فارِسانِ.

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِن قِلَّةِ الحَزْمِ، ودَناءَةِ الهِمَّةِ، وقُصُورِ الرَّأْيِ، والخَوْفِ والجَزَعِ، و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ، و"إحْدى الطّائِفَتَيْنِ" مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَعِدُكُمْ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ وعْدِ اللَّهِ إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وتَذْكِيرُ الوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ بِتَفاصِيلِها، فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَ ما وقَعَ فِيهِ حاضِرًا مُفَصَّلًا كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عِيانًا، وقُرِئَ (يَعِدْكُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الوَعْدِ، أيْ: يَعِدُكم أنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كائِنَةٌ لَكُمْ، مُخْتَصَّةٌ بِكُمْ، مُسَخَّرَةٌ لَكُمْ، تَتَسَلَّطُونَ عَلَيْها تَسَلُّطَ المُلّاكِ، وتَتَصَرَّفُونَ فِيهِمْ كَيْفَ شِئْتُمْ.

﴿وَتَوَدُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَعِدُكم داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ بِالذِّكْرِ، أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ لا ذاتَ الشَّوْكَةِ وهي النَّفِيرُ، ورَئِيسُهم أبُو جَهْلٍ وهم ألْفُ مُقاتِلٍ، وغَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ هي العِيرُ، إذْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أرْبَعُونَ فارِسًا ورَأْسُهم أبُو سُفْيانَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ وِدادَتِهِمْ لِمُلاقاتِهِمْ ومُوجَبِ كَراهَتِهِمْ ونَفْرَتِهِمْ عَنْ مُوافاةِ النَّفِيرِ، والشَّوْكَةُ الحِدَّةُ، مُسْتَعارَةٌ مِن واحِدَةِ الشَّوْكِ، وشَوْكُ القَنا شَباها.

﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ عَطْفٌ عَلى تَوَدُّونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ التَّذْكِيرِ، لِيُظْهِرَ لَهم عَظِيمَ لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ مَعَ دَناءَةِ هِمَمِهِمْ وقُصُورِ آرائِهِمْ، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ وعْدِهِ تَعالى إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، ووِدادَتَكم لِأدْناهُما، وإرادَتَهُ تَعالى لِأعْلاهُما، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُثْبِتَهُ ويُعْلِيَهُ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ في هَذا الشَّأْنِ، أوْ بِأوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ، وبِما قَضى مِن أسْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قَلِيبِ بَدْرٍ، وقُرِئَ بِكَلِمَتِهِ.

﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: آخِرَهم ويَسْتَأْصِلَهم بِالمَرَّةِ، والمَعْنى: أنْتُمْ تُرِيدُونَ سَفْسافَ الأُمُورِ، واللَّهُ - عَزَّ وعَلا - يُرِيدُ مَعالِيَها، وما يَرْجِعُ إلى عُلُوِّ كَلِمَةِ الحَقِّ وسُمُوِّ رُتْبَةِ الدِّينِ، وشَتّانَ بَيْنَ المُرادَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، ونَصْرِهِمْ عَلَيْها مَعَ إرادَتِهِمْ لِغَيْرِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ عَنْها، أيْ: لِهَذِهِ الغايَةِ الجَلِيلَةِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَيْسَ فِيهِ تَكْرارٌ؛ إذِ الأوَّلُ لِبَيانِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وهَذا لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما ذُكِرَ، ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ: إظْهارُ حِقِّيَتِهِ، لا جَعْلُهُ حَقًّا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وكَذا حالُ إبْطالِ الباطِلِ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ ذَلِكَ، أيْ: إحْقاقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ.

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمْ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ، فالمُرادُ: تَذْكِيرُ اسْتِمْدادِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ والتِجائِهِمْ إلَيْهِ تَعالى حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وإمْدادِهِ تَعالى حِينَئِذٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لِيُحِقَّ الحَقَّ" عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لِيُحِقَّ" مُسْتَقْبَلٌ - لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنْ فَلا يُمْكِنُ عَمَلُهُ في إذْ لِأنَّهُ ظَرْفٌ لِما مَضى - لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مُسْتَقْبَلًا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ حَتّى لا يَعْمَلَ فِيهِ، بَلْ هُما في وقْتٍ واحِدٍ إنَّما عُبِّرَ عَنْ زَمانِها بِإذْ نَظَرًا إلى زَمانِ النُّزُولِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في (تَسْتَغِيثُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ، أيِ: اذْكَرُوا وقْتَ اسْتِغاثَتِكُمْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القِتالِ جَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى قائِلِينَ: أيْ رَبِّ، انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ أغِثْنا.

وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ، وإلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشْرَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ" فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأخَذَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَألْقاهُ عَلى مَنكِبِهِ والتَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ» .

﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (تَسْتَغِيثُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ لِما عَرَفْتَ أنَّهُ ماضٍ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: بِأنِّي فَحُذِفَ الجارُّ وسُلِّطَ عَلَيْهِ الفِعْلُ، فَنُصِبَ مَحَلُّهُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ (اسْتَجابَ) مَجْرى قالَ؛ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِن مَقُولَةِ القَوْلِ ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أيْ: جاعِلِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ رَدِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، فالمُرادُ بِهِمْ: رُؤَساؤُهُمُ المُسْتَتْبِعُونَ لِغَيْرِهِمْ، وقَدِ اكْتَفى هَهُنا بِهَذا البَيانِ الإجْمالِيِّ وبَيَّنَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مِقْدارَ عَدَدِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ مُتْبِعِينَ أنْفُسَهم مَلائِكَةً آخِرِينَ، أوْ مُتْبِعِينَ المُؤْمِنِينَ، أوْ بَعْضَهم بَعْضًا، مِن أرْدَفْتُهُ إذا جِئْتَ بَعْدَهُ، أوْ مُتْبِعِينَ بَعْضَهم بَعْضَ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنْفُسَهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن أرْدَفْتُهُ إيّاهُ فَرَدِفَهُ.

وَقُرِئَ (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِّ، أيْ: مُتْبَعِينَ أوْ مُتَّبَعِينَ بِمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ أوْ ساقَتَهُمْ، وقُرِئَ (مُرِدِّفِينَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها وتَشْدِيدِ الدّالِّ، وأصْلُهُما مُرْتَدِفِينَ، بِمَعْنى: مُتَرادِفِينَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فالتَقى السّاكِنانِ، فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ، أوِ بِالضَّمِّ عَلى الإتْباعِ، وقُرِئَ (بِآلافٍ) لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألْفِ: الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ، أوِ السّاقَةُ،أوْ وُجُوهُهم …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مُخْتَصٌّ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًا مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأُمِدُّكم بِهِمْ، وما جَعَلَ إمْدادَكم بِهِمْ ﴿إلا بُشْرى﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عِيانًا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نُفُوسُكم كَما كانَتِ السَّكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، فَكِلاهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِلْجَعْلِ، وقَدْ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، وبَقِيَ الثّانِي عَلى حالِهِ لِفِقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ، وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي قَصْرِ الإمْدادِ عَلَيْهِما إشْعارٌ بِعَدَمِ مُباشَرَةِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ، وإنَّما كانَ إمْدادُهم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُباشِرِينَ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ ونَحْوِهِ، كَما هو رَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ، وقِيلَ الجَعْلُ مُتَّعَدٍ إلى اثْنَيْنِ، ثانِيهِما: إلّا بُشْرى عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكُمْ، فاللّامُ في (وَلِتَطْمَئِنَّ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، تَقْدِيرُهُ ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم فَعَلَ ذَلِكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وَما النَّصْرُ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَرِكَةٌ مِن جِهَةِ الأسْبابِ والعَدَدِ، وإنَّما هي مَظاهِرُ لَهُ بِطَرِيقِ جَرَيانِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ ولا يُنازَعُ في أقْضِيَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مُتَضَمِّنٌ لِلْإشْعارِ بِأنَّ النَّصْرَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.