Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

Explained together with ayah 39

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

(فصل)

وأما اللام في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فلام التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد، ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم، فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة، ويحيي من حي بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب، وهذا من أعظم الحكم، ونظير هذا قوله: ﴿إنْ هو إلاّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾.

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

Explained together with ayah 42

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

Explained together with ayah 42

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

(فصل: من علامات المحبة التي يستدل بها عليها)

ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم

؎ذكرتك والخطي يخطر بيننا ∗∗∗ وقد نهلت منا المثقفة السمر

وقال آخر

؎ولقد ذكرتك والرماح كأنها ∗∗∗ أشطان بئر في لبان الأدهم

؎فوددت تقبيل السيوف لأنها ∗∗∗ برقت كبارق ثغرك المتبسم

وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه

؎يذكرنيك الخير والشر والذي ∗∗∗ أخاف وأرجو والذي أتوقع

ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم

؎آخر شيء أنت في كل هجعة ∗∗∗ وأول شيء أنت وقت هبوبي

وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة.

فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب

قال الله تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل

؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا محال في القياس بديع

؎لو كان حبك صادقا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين فقال تعالى ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾.

وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمين فقال تعالى ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعلق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾.

وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾.

وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلى الخاشِعِينَ﴾ وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أو لو الصبر المؤمنون فقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم فقال ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وأن هذه الخصلة لا يلقاها ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾

وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

وقسم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ الموفور فقال في أربع آيات من كتابه ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾

وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وأمر رسوله بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره إنما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ …

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

Explained together with ayah 46

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:

؎دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أسْلَمَهم ∗∗∗ إنَّ الخبِيثَ لمنْ والاهُ غَرّارُ

وتكلم الناس في قول عدو الله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله في قوله ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْن﴾ وكذب في قوله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم.

وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه".

وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه في الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.

قال الكلبي: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه".

وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.

وقال عطاء: "إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.

وقال الزجاج وابن الأنباري: "ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر".

زاد ابن الأنباري قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".

[فصل: ظُهُورُ إبْلِيسَ في صُورَةِ سُراقَةَ الكِنانِيِّ ووَسْوَسَتُهُ لِقُرَيْشٍ]

وَلَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سراقة بن مالك المدلجي، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكم مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا والشَّيْطانُ جارٌ لَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَلَمّا تَعَبَّئُوا لِلْقِتالِ، ورَأى عَدُوُّ اللَّهِ جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، فَرَّ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا: إلى أيْنَ يا سراقة؟ ألَمْ تَكُنْ قُلْتَ: إنَّكَ جارٌ لَنا لا تُفارِقُنا؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، إنِّي أخافُ اللَّهَ، واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، وصَدَقَ في قَوْلِهِ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وكَذَبَ في قَوْلِهِ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وهَذا أظْهَرُ.

وَذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في " مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ " عَنْ رفاعة بن رافع، قالَ: (لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وهو يَظُنُّهُ سراقة بن مالك، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارث فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظْرَتَكَ إيّايَ، وخافَ أنْ يَخْلُصَ إلَيْهِ القَتْلُ، فَأقْبَلَ أبو جهل بن هشام، فَقالَ: يا مَعْشَرَ النّاسِ! لا يَهْزِمَنَّكم خِذْلانُ سراقة إيّاكُمْ، فَإنَّهُ كانَ عَلى ميعاد مِن مُحَمَّدٍ، ولا يَهُولَنَّكم قَتْلُ عتبة وشيبة والوليد فَإنَّهم قَدْ عُجِّلُوا، فَواللّاتِ والعُزّى، لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْرِنَهم بِالحِبالِ، ولا أُلْفِيَنَّ رَجُلًا مِنكم قَتَلَ رَجُلًا مِنهُمْ، ولَكِنْ خُذُوهم أخْذًا حَتّى نُعَرِّفَهم سُوءَ صَنِيعِهِمْ).

وَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ وكَثْرَةَ أعْدائِهِ، ظَنُّوا أنَّ الغَلَبَةَ إنَّما هي …

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:

؎دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أسْلَمَهم ∗∗∗ إنَّ الخبِيثَ لمنْ والاهُ غَرّارُ

وتكلم الناس في قول عدو الله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله في قوله ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْن﴾ وكذب في قوله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم.

وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه".

وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه في الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.

قال الكلبي: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه".

وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.

وقال عطاء: "إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.

وقال الزجاج وابن الأنباري: "ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر".

زاد ابن الأنباري قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".

[فصل: ظُهُورُ إبْلِيسَ في صُورَةِ سُراقَةَ الكِنانِيِّ ووَسْوَسَتُهُ لِقُرَيْشٍ]

وَلَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سراقة بن مالك المدلجي، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكم مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا والشَّيْطانُ جارٌ لَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَلَمّا تَعَبَّئُوا لِلْقِتالِ، ورَأى عَدُوُّ اللَّهِ جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، فَرَّ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا: إلى أيْنَ يا سراقة؟ ألَمْ تَكُنْ قُلْتَ: إنَّكَ جارٌ لَنا لا تُفارِقُنا؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، إنِّي أخافُ اللَّهَ، واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، وصَدَقَ في قَوْلِهِ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وكَذَبَ في قَوْلِهِ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وهَذا أظْهَرُ.

وَذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في " مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ " عَنْ رفاعة بن رافع، قالَ: (لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وهو يَظُنُّهُ سراقة بن مالك، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارث فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظْرَتَكَ إيّايَ، وخافَ أنْ يَخْلُصَ إلَيْهِ القَتْلُ، فَأقْبَلَ أبو جهل بن هشام، فَقالَ: يا مَعْشَرَ النّاسِ! لا يَهْزِمَنَّكم خِذْلانُ سراقة إيّاكُمْ، فَإنَّهُ كانَ عَلى ميعاد مِن مُحَمَّدٍ، ولا يَهُولَنَّكم قَتْلُ عتبة وشيبة والوليد فَإنَّهم قَدْ عُجِّلُوا، فَواللّاتِ والعُزّى، لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْرِنَهم بِالحِبالِ، ولا أُلْفِيَنَّ رَجُلًا مِنكم قَتَلَ رَجُلًا مِنهُمْ، ولَكِنْ خُذُوهم أخْذًا حَتّى نُعَرِّفَهم سُوءَ صَنِيعِهِمْ).

وَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ وكَثْرَةَ أعْدائِهِ، ظَنُّوا أنَّ الغَلَبَةَ إنَّما هي …

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

Explained together with ayah 49

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.