Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Siraj fi Bayan Gharib al-Qur'an by Muhammad al-Khudayri

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

{41} يقول تعالى: {واعلموا أنَّما غنمتُم من شيءٍ}؛ أي: أخذتم من مال الكفار قهراً بحقٍّ قليلاً كان أو كثيراً، {فأنَّ لله خُمُسَه}؛ أي: وباقيه لكم أيها الغانمون؛ لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها، فدلَّ على أن الباقي لهم، يُقسم على ما قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للراجل سهمٌ، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له، وأما هذا الخمس؛ فيقسم خمسة أسهم: سهمٌ لله ولرسوله يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين لمصلحة؛ لأنَّ الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيَّان عنه، فعُلِمَ أنه لعباد الله؛ فإذا لم يعيِّن الله له مصرفاً؛ دلَّ على أن مَصْرِفَه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلاً على أنَّ العلة فيه مجرَّد القرابة، فيستوي فيه غنيُّهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث: لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغارٌ، جعل الله لهم خُمُسَ الخمس رحمةً بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فُقِدَ من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع: للمساكين؛ أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ذكور وإناث. والخمس الخامس: لابن السبيل، و [هو] الغريب المنقطَعُ به في غير بلده، وبعض المفسرين يقول: إن خمس الغنيمة لا يخرُجُ عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تَبَعٌ للمصلحة، وهذا هو الأولى.

وجعل الله أداء الخُمُس على وجهه شرطاً للإيمان، فقال:{إن كُنتم آمنتُم بالله وما أنزلۡنا على عبدِنا يوم الفرقان}: وهو يوم بدرٍ، الذي فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل، وأظهر الحقَّ وأبطل الباطل. {يوم التقى الجمعانِ}: جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كان إيمانُكم بالله وبالحقِّ الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دلَّ على أن ما جاء به هو الحقُّ. {والله على كلِّ شيء قدير}: لا يغالبه أحدٌ إلا غلبه.

{42}{إذ أنتم بالعُدۡوَةِ الدُّنيا}؛ أي: بعُدْوَة الوادي القريبة من المدينة. وهم بعدوته؛ أي: جانبه البعيدة من المدينة؛ فقد جمعكم وادٍ واحدٌ. {والركب}: الذي خرجتُم لطلبه، وأراد الله غيره {أسفلَ منكم}: مما يلي ساحل البحر. {ولو تواعدتُم}: أنتم وإيَّاهم على هذا الوصف وبهذه الحال، {لاختلفتُم في الميعادِ}؛ أي: لا بدَّ من تقدُّم أو تأخُّر أو اختيار منزل أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم يصدُفُكم عن ميعادهم. ولكنَّ: اللهَ جمعكم على هذه الحال، {لِيَقۡضِيَ الله أمرا كان مفعولا}؛ أي: مقدراً في الأزل لا بدَّ من وقوعه. {لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عن بيِّنة}؛ أي: ليكون حجَّة وبيَّنة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذرٌ عند الله. {ويحيا مَنۡ حَيَّ عن بيِّنةٍ}؛ أي: يزداد المؤمن بصيرةً ويقيناً بما أرى الله الطائفتين من أدلَّة الحقِّ وبراهينه ما هو تذكرة لأولي الألباب. {وإن الله لسميعٌ عليمٌ}: سميعٌ لجميع الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات، عليمٌ بالظواهر والضمائر والسرائر والغيب والشهادة.

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

{41} يقول تعالى: {واعلموا أنَّما غنمتُم من شيءٍ}؛ أي: أخذتم من مال الكفار قهراً بحقٍّ قليلاً كان أو كثيراً، {فأنَّ لله خُمُسَه}؛ أي: وباقيه لكم أيها الغانمون؛ لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها، فدلَّ على أن الباقي لهم، يُقسم على ما قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للراجل سهمٌ، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له، وأما هذا الخمس؛ فيقسم خمسة أسهم: سهمٌ لله ولرسوله يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين لمصلحة؛ لأنَّ الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله غنيَّان عنه، فعُلِمَ أنه لعباد الله؛ فإذا لم يعيِّن الله له مصرفاً؛ دلَّ على أن مَصْرِفَه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلاً على أنَّ العلة فيه مجرَّد القرابة، فيستوي فيه غنيُّهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث: لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغارٌ، جعل الله لهم خُمُسَ الخمس رحمةً بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فُقِدَ من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع: للمساكين؛ أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ذكور وإناث. والخمس الخامس: لابن السبيل، و [هو] الغريب المنقطَعُ به في غير بلده، وبعض المفسرين يقول: إن خمس الغنيمة لا يخرُجُ عن هذه الأصناف، ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تَبَعٌ للمصلحة، وهذا هو الأولى.

وجعل الله أداء الخُمُس على وجهه شرطاً للإيمان، فقال:{إن كُنتم آمنتُم بالله وما أنزلۡنا على عبدِنا يوم الفرقان}: وهو يوم بدرٍ، الذي فرَّق الله به بين الحقِّ والباطل، وأظهر الحقَّ وأبطل الباطل. {يوم التقى الجمعانِ}: جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كان إيمانُكم بالله وبالحقِّ الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دلَّ على أن ما جاء به هو الحقُّ. {والله على كلِّ شيء قدير}: لا يغالبه أحدٌ إلا غلبه.

{42}{إذ أنتم بالعُدۡوَةِ الدُّنيا}؛ أي: بعُدْوَة الوادي القريبة من المدينة. وهم بعدوته؛ أي: جانبه البعيدة من المدينة؛ فقد جمعكم وادٍ واحدٌ. {والركب}: الذي خرجتُم لطلبه، وأراد الله غيره {أسفلَ منكم}: مما يلي ساحل البحر. {ولو تواعدتُم}: أنتم وإيَّاهم على هذا الوصف وبهذه الحال، {لاختلفتُم في الميعادِ}؛ أي: لا بدَّ من تقدُّم أو تأخُّر أو اختيار منزل أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم يصدُفُكم عن ميعادهم. ولكنَّ: اللهَ جمعكم على هذه الحال، {لِيَقۡضِيَ الله أمرا كان مفعولا}؛ أي: مقدراً في الأزل لا بدَّ من وقوعه. {لِيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عن بيِّنة}؛ أي: ليكون حجَّة وبيَّنة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذرٌ عند الله. {ويحيا مَنۡ حَيَّ عن بيِّنةٍ}؛ أي: يزداد المؤمن بصيرةً ويقيناً بما أرى الله الطائفتين من أدلَّة الحقِّ وبراهينه ما هو تذكرة لأولي الألباب. {وإن الله لسميعٌ عليمٌ}: سميعٌ لجميع الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات، عليمٌ بالظواهر والضمائر والسرائر والغيب والشهادة.

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

{43} وكان الله قد أرى رسولَه المشركين في الرؤيا العدو قليلاً، فبشَّر بذلك أصحابه، فاطمأنَّت قلوبُهم وثبتت أفئدتهم. {ولو أراكَهم اللهُ كثيراً}: فأخبرتَ بذلك أصحابك، {لَفَشِلۡتُم ولَتَنازَعۡتُم في الأمر}: فمنكم من يرى الإقدامَ على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، والتنازع مما يوجب الفشل ، {ولكنَّ الله سلَّم}؛ أي: لطف بكم. {إنَّه عليمٌ بذات الصُّدور}؛ أي: بما فيها من ثبات وجَزَع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سبباً للطفه وإحسانِهِ بكم وصدق رؤيا رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوَّهم قليلاً في أعينهم، ويقلِّلكم يا معشر المؤمنين في أعينهم؛ فكلٌّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلة؛ لِتُقْدِمَ كلٌّ منهما على الأخرى. {ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً}: من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ له اسم يذكر، فيتيسَّر بعد ذلك انقيادُهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضاً لطفاً بالباقين، الذين مَنَّ الله عليهم بالإسلام. {وإلى الله تُرۡجَعُ الأمور}؛ أي: جميع أمور الخلائق تَرْجِعُ إلى الله، فَيميزُ الخبيثَ من الطيب، ويحكمُ في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جَوْر فيه ولا ظلم.

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

{43} وكان الله قد أرى رسولَه المشركين في الرؤيا العدو قليلاً، فبشَّر بذلك أصحابه، فاطمأنَّت قلوبُهم وثبتت أفئدتهم. {ولو أراكَهم اللهُ كثيراً}: فأخبرتَ بذلك أصحابك، {لَفَشِلۡتُم ولَتَنازَعۡتُم في الأمر}: فمنكم من يرى الإقدامَ على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، والتنازع مما يوجب الفشل ، {ولكنَّ الله سلَّم}؛ أي: لطف بكم. {إنَّه عليمٌ بذات الصُّدور}؛ أي: بما فيها من ثبات وجَزَع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سبباً للطفه وإحسانِهِ بكم وصدق رؤيا رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوَّهم قليلاً في أعينهم، ويقلِّلكم يا معشر المؤمنين في أعينهم؛ فكلٌّ من الطائفتين ترى الأخرى قليلة؛ لِتُقْدِمَ كلٌّ منهما على الأخرى. {ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً}: من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين، وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ له اسم يذكر، فيتيسَّر بعد ذلك انقيادُهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضاً لطفاً بالباقين، الذين مَنَّ الله عليهم بالإسلام. {وإلى الله تُرۡجَعُ الأمور}؛ أي: جميع أمور الخلائق تَرْجِعُ إلى الله، فَيميزُ الخبيثَ من الطيب، ويحكمُ في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جَوْر فيه ولا ظلم.

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.

{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.

{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.

{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.

ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.

{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً …

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.

{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.

{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.

{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.

ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.

{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً …

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.

{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.

{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.

{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.

ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.

{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً …

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.

{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.

{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.

{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.

ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.

{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً …

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

{45} يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ أي: طائفة من الكفار تقاتلكم، {فاثبُتوا}: لقتالها، واستعمِلوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتُها العزُّ والنصر، واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللَّه. {لعلَّكم تفلحون}؛ أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم؛ فالصبرُ والثبات والإكثار من ذِكْر الله من أكبر الأسباب للنصر.

{46}{وأطيعوا الله ورسوله}: في استعمال ما أمرا به والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال، {ولا تنازعوا}: تنازعاً يوجِبُ تشتُت القلوب وتفرقها، {فتفشلوا}؛ أي: تجبُنوا، {وتذهبَ ريحُكم}؛ أي: تنحلُّ عزائمكم وتُفرَّقُ قوتكم ويُرْفَعُ ما وُعِدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله، {واصبروا}: نفوسَكم على طاعة الله. {إنَّ الله مع الصابرين}: بالعون والنصر والتأييد.

{47} واخشعوا لربكم واخضعوا له، {ولا تكونوا كالذين خَرَجوا من ديارهم بطراً ورِئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله}؛ أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارِهم؛ لقصدِ الأشَرِ والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدُّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه. {والله بما يعملون محيطٌ}: فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذَّركم أن تشبَّهوا بهم؛ فإنه سيعاقبهم على ذلك أشدَّ العقوبة، فليكنْ قصدُكم في خروجكم وجهَ الله تعالى، وإعلاء دين الله، والصدَّ عن الطرق الموصلة إلى سَخَطِ الله وعقابِهِ، وجَذْبَ الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم.

{48}{وإذ زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم}: حسَّنها في قلوبهم [وخدعهم]، {وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ من الناس}: فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئةٍ لا يقاومكم فيها محمدٌ ومن معه. {وإني جارٌ لكم}: من أن يأتيكم أحدٌ ممَّن تخشون غائلته؛ لأنَّ إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوةٍ كانت بينهم، فقال لهم الشيطان: أنا جارٌ لكم! فاطمأنت نفوسُهم وأتوا على حَرْدٍ قادرينَ. فلما {تراءتِ الفئتان}: المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريلَ عليه السلام يَزَع الملائكة؛ خاف خوفاً شديداً، {ونكص على عقبيه}؛ أي: ولى مدبراً، {وقال}: لمن خدعهم وغرهم: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون}؛ أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم؛ {إني أخاف الله}؛ أي: أخاف أن يعاجِلَني بالعقوبة في الدنيا، {والله شديد العقاب}.

ومن المحتمل أن يكون الشيطان [قد] سوَّلَ لهم، ووسوس في صدورهم أنَّه لا غالبَ لهم اليوم من الناس وأنَّه جار لهم، فلما أوردهم موارِدَهم؛ نكص عنهم، وتبرَّأ منهم؛ كما قال تعالى:{كَمَثَل الشيطان إذۡ قال للإنسانِ اكفُرۡ فلمَّا كَفَرَ قال إنِّي بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين فكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهما في النارِ خالِدَيۡن فيها وذلك جزاء الظالمين}.

{49}{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ}؛ أي: شكٌّ وشبهةٌ من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلَّتهم على قتال المشركين مع كثرتهم: {غرَّ هؤلاء دينُهم}؛ أي: أوردهم الدينُ الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ولا استطاعةَ لهم بها، يقولونه احتقاراً لهم واستخفافاً لعقولهم، وهم والله الأخفاءُ عقولاً الضعفاءُ أحلاماً؛ فإنَّ الإيمان يوجبُ لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلةِ التي لا يقدِمُ عليها الجيوش العظام؛ فإنَّ المؤمن المتوكِّل على الله الذي يعلم أنه ما من حولٍ ولا قوةٍ ولا استطاعةٍ لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأنَّ الخلق لو اجتمعوا كلُّهم على نفع شخص بمثقال ذرَّةٍ؛ لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوه؛ لم يضرُّوه؛ إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، وعلم أنَّه على الحقِّ، وأن الله تعالى حكيمٌ رحيمٌ في كلِّ ما قدَّره وقضاه؛ فإنَّه لا يبالي بما أقدم عليه من قوَّةٍ وكثرةٍ، وكان واثقاً بربِّه مطمئن القلب لا فزعاً …

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

{50} يقول تعالى: {ولو ترى}: الذين كفروا بآيات الله حين توفَّاهم الملائكةُ الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم والملائكة {يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم}: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم! ونفوسُهم متمنِّعة متعصِّية على الخروج؛ لعلمها ما أمامها من العذاب الأليم. ولهذا قال:{وذوقوا عذابَ الحريق}؛ أي: العذاب الشديد المحرق.

{51} ذلك العذاب حصل لكم غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدَّمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت.

{52} وهذه سنة الله في الأولين والآخرين؛ فإنَّ دأب هؤلاء المكذِّبين؛ أي: سنتهم وما أجرى اللَّه عليهم من الهلاك بذنوبهم، {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم}: من الأمم المكذبة، {كفروا بآياتِ الله فأخَذَهم الله}: بالعقاب {بذنوبهم إنَّ الله قويٌّ شديد العقاب}: لا يعجِزُه أحدٌ يريد أخذه. {ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها}.

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Siraj fi Bayan Gharib al-Qur'an by Muhammad al-Khudayri. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.