۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.
قوله عزّ وجلّ:
﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
مَوْضِعُ "أنَّ" الثانِيَةِ رَفْعٌ، التَقْدِيرُ: "فَحُكْمُهُ أنَّ"، فَهي في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والغَنِيمَةُ في اللُغَةِ ما يَنالُهُ الرَجُلُ أوِ الجَماعَةُ بِسَعْيٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ طُفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ
وقالَ آخَرُ:
؎ ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ
ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في الرَهْنِ: "لَهُ غُنْمُهُ وعَلَيْهِ مَخْرَجُهُ"،» وقَوْلُهُ: « "الصِيامُ في الشِتاءِ هو الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"». فالشَيْءُ الَّذِي يَنالُهُ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ بِالسَعْيِ وإيجافِ الخَيْلِ والرِكابِ: غَنِيمَةٌ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ هَذا المَعْنى حَتّى صارَ عُرْفًا لَهُ.
والفَيْءُ مَأْخُوذٌ مِن "فاءَ يَفِيءُ" إذا رَجَعَ، وهو كُلُّ ما دَخَلَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ولا إيجافٍ كَخَراجِ الأرْضِ، وجِزْيَةِ الجَماجِمِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ، ونَحْوِ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والزَكَواتُ أيْضًا مالٌ عَلى حِدَتِهِ، أحْكامُهُ مُنْفَرِدَةٌ دُونَ أحْكامِ هَذَيْنِ، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "الغَنِيمَةُ: ما أُخِذَ عنوَةً والفَيْءُ: ما أُخِذَ صُلْحًا"، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا بَيَّناهُ. وقالَ قَتادَةُ: الفَيْءُ والغَنِيمَةُ شَيْءٌ واحِدٌ فِيهِما الخُمْسُ، وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في الأنْفالِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ [الحشر: ٧] وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ كانَتِ الحُكْمَ أوَّلًا، ثُمَّ أعْطى اللهُ أهْلَها الخُمْسَ فَقَطْ، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ الأخْماسِ في المُقاتِلِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ نَصَّ العُلَماءُ عَلى ضَعْفِهِ، وأنْ لا وجْهَ لَهُ مِن جِهاتٍ، مِنها أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الحَشْرِ، هَذِهِ بِبَدْرٍ، وتِلْكَ في بَنِي النَضِيرِ وقُرى عُرَيْنَةَ. ولِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَّفِقَتانِ وحُكْمُ الخُمْسِ وحُكْمُ تِلْكَ الآيَةِ واحِدٌ لِأنَّها نَزَلَتْ في بَنِي النَضِيرِ حِينَ جُلُوا وهَرَبُوا، وأهْلُ فَدَكٍ حِينَ دُعُوا إلى صُلْحٍ ونالَ المُسْلِمُونَ ما لَهم دُونَ إيجافٍ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّ في الفَيْءِ الخُمْسَ، وأنَّهُ كانَ في قُرى عُرَيْنَةَ زَمَنَ النَبِيِّ ﷺ، وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها كانَ لِلرَّسُولِ ﷺ خاصَّةً دُونَ المُسْلِمِينَ يَضَعُها حَيْثُ شاءَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةُ، ولَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنائِمَ بَدْرٍ فَنُسِخَ حُكْمُهُ في تَرْكِ التَخْمِيسِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في البُخارِيِّ: "كانَتْ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ بِبَدْرٍ، وشارِفٌ أعْطانِيها رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الخُمْسِ حِينَئِذٍ" أنَّ غَنِيمَةَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَسَدَ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُمْسُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِن إحْدى الغَزَواتِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، …