Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٩ ) وكانَتِ المُقاتَلَةُ مَظَنَّةَ حُصُولِ الغَنِيمَةِ، ذَكَرَ حُكْمَ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَها إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ ما يُصابُ مِنهم وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُنالُ بِسَعْيٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَومَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّه، والمَحْرُومُ مَحْرُومُ

وأمّا مَعْنى الغَنِيمَةِ في الشَّرْعِ، فَحَكى القُرْطُبِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مالِ الكُفّارِ إذا ظَفَرَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ عَلى وجْهِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ.

قالَ: ولا تَقْتَضِي اللُّغَةُ هَذا التَّخْصِيصَ، ولَكِنْ عُرْفَ الشَّرْعِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِهَذا النَّوْعِ.

وقَدِ ادَّعى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ ( الأنْفالِ: ١ ) وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلى الغانِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ نَزَلَتْ حِينَ تَشاجَرَ أهْلُ بَدْرٍ في غَنائِمِ بَدْرٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ، وقِيلَ: إنَّها - أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ - مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ الغَنِيمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَتْ مَقْسُومَةً بَيْنَ الغانِمِينَ وكَذَلِكَ لِمَن بَعْدَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، قالُوا: ولِلْإمامِ أنْ يُخْرِجَها عَنْهم، واحْتَجُّوا بِفَتْحِ مَكَّةَ وقِصَّةِ حُنَيْنٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَسِّمْها ولَمْ يَجْعَلْها فَيْئًا، وقَدْ حَكى الإجْماعَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغانِمِينَ، ومِمَّنْ حَكى ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ،، والدّاوُدِيُّ،، والمازِرِيُّ،، والقاضِي عِياضٌ،، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ بَيْنَ الغانِمِينَ وكَيْفِيَّتِها كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، بَلْ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ناسِخٌ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيفُ ولا التَّبْدِيلُ لِكِتابِ اللَّهِ.

وأمّا قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ فَلا حُجَّةَ فِيها لِاخْتِلافِ العُلَماءِ في فَتْحِها، قالَ: وأمّا قِصَّةُ حُنَيْنٍ فَقَدْ عَوَّضَ الأنْصارَ لَمّا قالُوا تُعْطِي الغَنائِمَ قُرَيْشًا وتَتْرُكُنا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ نَفْسِهِ، فَقالَ لَهم: أمّا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النّاسُ بِالدُّنْيا وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بُيُوتِكم كَما في مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ، بَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الغَنِيمَةِ و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما المَوْصُولَةِ، وقَدْ خَصَّصَ الإجْماعُ مِن عُمُومِ الآيَةِ الأُسارى، فَإنَّ الخِيَرَةَ فِيها إلى الإمامِ بِلا خِلافٍ، وكَذَلِكَ سَلَبُ المَقْتُولِ إذا …

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

لَمّا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالقِتالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ( الأنْفالِ: ٣٩ ) وكانَتِ المُقاتَلَةُ مَظَنَّةَ حُصُولِ الغَنِيمَةِ، ذَكَرَ حُكْمَ الغَنِيمَةِ، والغَنِيمَةُ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ أصْلَها إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ ما يُصابُ مِنهم وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُنالُ بِسَعْيٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَومَ الغُنْمِ مُطْعَمُهُ ∗∗∗ أنّى تَوَجَّه، والمَحْرُومُ مَحْرُومُ

وأمّا مَعْنى الغَنِيمَةِ في الشَّرْعِ، فَحَكى القُرْطُبِيُّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مالِ الكُفّارِ إذا ظَفَرَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ عَلى وجْهِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ.

قالَ: ولا تَقْتَضِي اللُّغَةُ هَذا التَّخْصِيصَ، ولَكِنْ عُرْفَ الشَّرْعِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِهَذا النَّوْعِ.

وقَدِ ادَّعى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ الإجْماعَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ ( الأنْفالِ: ١ ) وأنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ مَقْسُومَةٌ عَلى الغانِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ نَزَلَتْ حِينَ تَشاجَرَ أهْلُ بَدْرٍ في غَنائِمِ بَدْرٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ، وقِيلَ: إنَّها - أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ - مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ الغَنِيمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَتْ مَقْسُومَةً بَيْنَ الغانِمِينَ وكَذَلِكَ لِمَن بَعْدَهُ مِنَ الأئِمَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، قالُوا: ولِلْإمامِ أنْ يُخْرِجَها عَنْهم، واحْتَجُّوا بِفَتْحِ مَكَّةَ وقِصَّةِ حُنَيْنٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَسِّمْها ولَمْ يَجْعَلْها فَيْئًا، وقَدْ حَكى الإجْماعَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغانِمِينَ، ومِمَّنْ حَكى ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ،، والدّاوُدِيُّ،، والمازِرِيُّ،، والقاضِي عِياضٌ،، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ بَيْنَ الغانِمِينَ وكَيْفِيَّتِها كَثِيرَةٌ جِدًّا.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، بَلْ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ ناسِخٌ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيفُ ولا التَّبْدِيلُ لِكِتابِ اللَّهِ.

وأمّا قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ فَلا حُجَّةَ فِيها لِاخْتِلافِ العُلَماءِ في فَتْحِها، قالَ: وأمّا قِصَّةُ حُنَيْنٍ فَقَدْ عَوَّضَ الأنْصارَ لَمّا قالُوا تُعْطِي الغَنائِمَ قُرَيْشًا وتَتْرُكُنا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ نَفْسِهِ، فَقالَ لَهم: أمّا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النّاسُ بِالدُّنْيا وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بُيُوتِكم كَما في مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ لِغَيْرِهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ، بَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الغَنِيمَةِ و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِما المَوْصُولَةِ، وقَدْ خَصَّصَ الإجْماعُ مِن عُمُومِ الآيَةِ الأُسارى، فَإنَّ الخِيَرَةَ فِيها إلى الإمامِ بِلا خِلافٍ، وكَذَلِكَ سَلَبُ المَقْتُولِ إذا …

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

إذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيِ اذْكُرْ أوْ هو بَدَلٌ ثانٍ مِن يَوْمِ الفُرْقانِ.

والمَعْنى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في مَنامِهِ قَلِيلًا فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَباتِهِمْ، ولَوْ رَآهم في مَنامِهِ كَثِيرًا لَفَشِلُوا وجَبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وتَنازَعُوا في الأمْرِ هَلْ يُلاقُونَهم أمْ لا ؟ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ سَلَّمَهم وعَصَمَهم مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ فَقَلَّلَهم في عَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَنامِ، وقِيلَ: عَنى بِالمَنامِ مَحَلَّ النُّوَّمِ، وهو العَيْنُ: أيْ في مَوْضِعِ مَنامِكَ وهو عَيْنُكَ، رُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ الحَسَنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الأوَّلَ أسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ رُؤْيَةَ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ: أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إراءَتِكم إيّاها حالَ كَوْنِهِمْ قَلِيلًا، حَتّى قالَ القائِلُ مِنَ المُسْلِمِينَ لِآخَرَ: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: هم نَحْوُ المِائَةِ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، وكانَ هَذا قَبْلَ القِتالِ، فَلَمّا شَرَعُوا فِيهِ كَثَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، كَما قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ١٣ )، ووَجْهُ تَقْلِيلِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ هو أنَّهم إذا رَأوْهم قَلِيلًا أقْدَمُوا عَلى القِتالِ غَيْرَ خائِفِينَ، ثُمَّ يَرَوْنَهم كَثِيرًا فَيَفْشَلُونَ وتَكُونُ الدّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اللَّهِ وسَوْطُ عِقابِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما سَبَقَ مِثْلُهُ قَرِيبًا، وإنَّما كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ المُعَلَّلِ بِهِ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها يَفْعَلُ فِيها ما يُرِيدُ ويَقْضِي في شَأْنِها ما يَشاءُ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ قالَ: أراهُ اللَّهُ إيّاهم في مَنامِهِ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: لَجَبُنْتُمْ ﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ قالَ: لاخْتَلَفْتُمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ أتَمَّ.

وأخْرَجَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يَقُولُ: سَلَّمَ لَهم أمْرَهم حَتّى أظْهَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم﴾ الآيَةَ قالَ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تُراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: لا بَلْ هم مِائَةٌ، حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم فَسَألْناهُ قالَ: كُنّا ألْفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: حَضَّضَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ …

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ اللِّقاءُ الحَرْبُ، والفِئَةُ الجَماعَةُ، أيْ إذا حارَبْتُمْ جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ فاثْبُتُوا لَهم ولا تَجْبُنُوا عَنْهم، وهَذا لا يُنافِي الرُّخْصَةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ ( الأنْفالِ: ١٦ ) فَإنَّ الأمْرَ بِالثَّباتِ هو في حال السِّعَةِ، والرُّخْصَةُ هي في حالِ الضَّرُورَةِ.

وقَدْ لا يَحْصُلُ الثَّباتُ إلّا بِالتَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ جَزَعِ قُلُوبِكم فَإنَّ ذِكْرَهُ يُعِينُ عَلى الثَّباتِ في الشَّدائِدِ، وقِيلَ: المَعْنى: اثْبُتُوا بِقُلُوبِكم واذْكُرُوا بِألْسِنَتِكم فَإنَّ القَلْبَ قَدْ يَسْكُنُ عِنْدَ اللِّقاءِ ويَضْطَرِبُ اللِّسانُ، فَأمَرَهم بِالذِّكْرِ حَتّى يَجْتَمِعَ ثَباتُ القَلْبِ واللِّسانِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ في هَذِهِ الحالَةِ بِما قالَهُ أصْحابُ طالُوتَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٥٠ ) .

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الذِّكْرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، حَتّى في هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تَرْجُفُ فِيها القُلُوبُ وتَزِيغُ عِنْدَها البَصائِرُ.

ثُمَّ أمَرَهم بِطاعَةِ اللَّهِ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فِيما يُرْشِدُهم إلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّنازُعِ وهو الِاخْتِلافُ في الرَّأْيِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الفَشَلُ، وهو الجُبْنُ في الحَرْبِ.

والفاءُ جَوابُ النَّهْي، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ " أنْ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَعْطُوفًا عَلى تَنازَعُوا مَجْزُومًا بِجازِمِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قُرِئَ بِنَصْبِ الفِعْلِ، وجَزْمِهِ عَطْفًا عَلى تَفْشَلُوا عَلى الوَجْهَيْنِ، والرِّيحُ: القُوَّةُ والنَّصْرُ، كَما يُقالُ: الرِّيحُ لِفُلانٍ إذا كانَ غالِبًا في الأمْرِ، وقِيلَ: الرِّيحُ الدَّوْلَةُ شُبِّهَتْ في نُفُوذِ أمْرِها بِالرِّيحِ في هُبُوبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنَمَها فَعُقْبى كُلِّ خافِقَةٍ سُكُونُ

وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيحِ رِيحُ الصَّبا؛ لِأنَّ بِها كانَ يَنْصُرُ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ في كُلِّ أمْرٍ يَنْبَغِي الصَّبْرُ فِيهِ، ويا حَبَّذا هَذِهِ المَعِيَّةُ الَّتِي لا يَغْلِبُ مَن رُزِقَها غالِبٌ، ولا يُؤْتى صاحِبُها مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً.

ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ تَكُونَ حالَتُهم كَحالَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِيَحْفَظُوا العِيرَ الَّتِي مَعَ أبِي سُفْيانَ ومَعَهُمُ القِيانُ والمَعازِفُ، فَلَمّا بَلَغُوا الجُحْفَةَ بَلَغَهم أنَّ العِيرَ قَدْ نَجَتْ وسَلِمَتْ، فَلَمْ يَرْجِعُوا بَلْ قالُوا: لا بُدَّ لَهم مِنَ الوُصُولِ إلى بَدْرٍ؛ لِيَشْرَبُوا الخَمْرَ، وتُغْنِيَ لَهُمُ القِيانُ، وتَسْمَعَ العَرَبُ بِمَخْرَجِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِنهم بَطَرًا وأشَرًا وطَلَبًا لِلثَّناءِ مِنَ النّاسِ، ولِلتَّمَدُّحِ إلَيْهِمْ والفَخْرِ عِنْدَهم، وهو الرِّياءُ، قِيلَ: والبَطَرُ في اللُّغَةِ: التَّقَوِّي بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى مَعاصِيهِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ خَرَجُوا بَطِرِينَ مُرائِينَ وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لَهُ وكَذا " رِياءً ": أيْ خَرَجُوا لِلْبَطَرِ والرِّياءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " بَطَرًا "، والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ: أيْ خَرَجُوا بَطِرِينَ مُرائِينَ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ …

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والمَعْنى: ولَوْ رَأيْتَ؛ لِأنَّ لَوْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، وإذْ ظَرْفٌ لِتَرى، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَوْ تَرى الكافِرِينَ وقْتَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهم، قِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا مَن لَمْ يُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هي فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ بِأدْبارِهِمْ أسْتاهُهم، كَنّى عَنْها بِالأدْبارِ، وقِيلَ: ظُهُورُهم، قِيلَ: هَذا الضَّرْبُ يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ كَما يُفِيدُهُ ذِكْرُ التَّوَفِّي، وقِيلَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَسِيرُونَ بِهِمْ إلى النّارِ.

قَوْلُهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ، المَعْنى: ويَقُولُونَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى يَضْرِبُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، والذَّوْقِ قَدْ يَكُونُ مَحْسُوسًا، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ، وأصْلُهُ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ: أيْ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ المَعاصِي واقْتَرَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وجُمْلَةُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وهي ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ المَعاصِي، وبِسَبَبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتَبَهُ، وأوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ، وهَداهُمُ النَّجْدَيْنِ كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( النَّحْلُ: ١١٨ ) .

قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ما أنْزَلَهُ بِأهْلِ بَدْرٍ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في فِرَقِ الكافِرِينَ، والدَّأْبُ: العادَةُ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَأْبِ هَؤُلاءِ مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .

والمَعْنى: أنَّهُ جُوزِيَ هَؤُلاءِ كَما جُوزِيَ أُولَئِكَ، فَكانَتِ العادَةُ في عَذابِ هَؤُلاءِ كالعادَةِ الماضِيَةِ لِلَّهِ في تَعْذِيبِ طَوائِفِ الكُفْرِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: أي دَأْبُهم هَذا هو أنَّهم كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ كُفْرِهِمْ أخْذُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لَهم، والمُرادُ بِذُنُوبِهِمْ: مَعاصِيهِمُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الباءَ في ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ فَأخَذَهم مُتَلَبِّسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى العِقابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ.

والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ العِقابَ بِسَبَبِ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في عِبادِهِ عَدَمُ تَغْيِيرِ نِعَمِهِ …

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.