Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلِ الغَنِيمَةُ والفَيْءُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمْ يَخْتَلِفانِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ. ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ، والفَيْءِ: ما ظُهِرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِينَ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ. والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ: ما أُخِذَ عُنْوَةً والفَيْءُ، ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. وقِيلَ: بَلِ الفَيْءُ: ما لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بَخِيلٍ ولا رِكابٍ، كالعُشُورِ، والجِزْيَةِ، وأمْوالِ المُهادَنَةِ، والصُّلْحِ، وما هَرَبُوا عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهُما واحِدٌ، وهُما: كُلُّ ما نِيلَ مِنَ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الأمْوالُ ثَلاثَةُ أصْنافٍ؛ فَما صارَ إلى المُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ في حالِ الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى: أنْفالًا وغَنائِمَ؛ وما صارَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن خَراجٍ أوْ جِزْيَةٍ مِمّا لَمْ يُؤْخَذْ في الحَرْبِ، فَقَدْ سَمّاهُ: فَيْئًا؛ وما خَرَجَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ، كالزَّكاةِ والنُّذُرِ، والقِرَبِ، سَمّاهُ: صَدَقَةً. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ فالمُرادُ بِهِ: كُلُّ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَخِيطُ مِنَ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ورَوى عَبْدُ الوارِثِ: "خُمْسَهُ" بِسُكُونِ المِيمِ. وفي المُرادِ بِالكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ نَصِيبَ اللَّهِ مُسْتَحَقٌّ يُصْرَفُ إلى بَيْتِهِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: كانَ يُجاءُ بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيُقَسِّمُ أرْبَعَةً بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مِنَ السَّهْمِ الخامِسَ لَلْكَعْبَةِ؛ وهَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ فِيما يُقالُ.

والثّانِي: أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هاهُنا لِأحَدِ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ المُتَحَكِّمُ فِيهِ، والمالِكُ لَهُ، والمَعْنى: فَإنَّ لَلرَّسُولِ خَمْسَةٌ ولِذِي القُرْبى، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنْفالِ:١] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ الخُمْسَ مَصْرُوفٌ في وُجُوهِ القُرْبِ إلى اللَّهِ، تَعالى، وهَذَّ قَوْلُ الجُمْهُورِ. فَعَلى هَذا، تَكُونُ الواوُ زائِدَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ بِالصّافّاتِ:١٠٣] المَعْنى: نادَيْناهُ؛ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

فَصْلٌ

أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِأهْلِ الحَرْبِ خاصَّةً؛ فَأمّا الخُمْسُ الخامِسُ، فَكَيْفَ يُقَسَّمُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُقَسَّمُ مِنهُ لَلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِمَن ذُكِرَ في الآَيَةِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا مِمّا انْفَرَدَ بِهِ أبُو العالِيَةِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يُقَسِّمَ عَلى سِتَّةِ أسْهُمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مَقْسُومٌ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلرَّسُولِ وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِأبْناءِ السَّبِيلِ، عَلى ظاهِرِ الآَيَةِ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ. فَسَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسَهْمُ رَسُولِهِ عائِدٌ عَلى ذَوِي القُرْبى، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا، وهَذا المَعْنى رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. * فَصْلٌ

فَأمّا سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ كانَ يَصْنَعُ فِيهِ ما بَيَّنّا، وهَلْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، أمْ لا؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ يَسْقُطْ …

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "بِالعِدْوَةِ" و"العِدْوَةِ" العَيْنُ فِيهِما مَكْسُورَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما. قالَ الأخْفَشُ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ إلّا الكَسْرُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: بَلِ الضَّمُّ أكْثَرُ اللُّغَتَيْنِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: عُدْوَةُ الوادِي وعِدْوَتُهُ: جانِبُهُ؛ والجَمْعُ: عِدًى وعُدًى. والدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى؛ وضِدُّها القُصْوى، وهي تَأْنِيثُ الأقْصى؛ وما كانَ مِنَ النُّعُوتِ عَلى "فَعَلى" مِن ذَواتِ الواوِ، فَإنَّ العَرَبَ تُحَوِّلُهُ إلى الياءِ، نَحْوُ: الدُّنْيا، مِن: دَنَوْتُ؛ والعُلْيا، مِن: عَلَوْتُ؛ لِأنَّهم يَسْتَثْقِلُونَ الواوَ مَعَ ضَمٍّ الأوَّلِ، ولَيْسَ في هَذا اخْتِلافٌ، إلّا أنَّ أهْلَ الحِجازِ قالُوا: القُصْوى، فَأظْهَرُوا الواوَ، وهو نادِرٌ؛ وغَيْرُهم يَقُولُ: القُصْيا قالَ المُفَسِّرُونَ: إذْ أنْتُمْ بِشَفِيرِ الوادِي الأدْنى مِنَ المَدِينَةِ، وعَدْوِكم بِشَفِيرِهِ الأقْصى مِن مَكَّةَ، وكانَ الجَمْعانِ قَدْ نَزَلا وادِي بَدْرٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، والرَّكْبُ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ "أسْفَلَ" أرادَ: والرَّكْبُ مَكانًا أسْفَلَ مِنكم، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: والرَّكْبُ أشَدُّ تَسَفُّلًا مِنكم. قالَ قَتادَةُ: وكانَ المُسْلِمُونَ أعْلى الوادِي، والمُشْرِكُونَ أسْفَلَهُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَوْ تَواعَدْتُمْ، ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَتُهم، لَتَأخَّرْتُمْ عَنِ المِيعادِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ

والثّانِي: لَوْ تَواعَدْتُمْ عَلى الِاجْتِماعِ في المَكانِ الَّذِي اجْتَمَعْتُمْ فِيهِ مِن عِدْوَتِي وادِي بَدْرٍ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَتْ تَقَعُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، أوِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ وهو إعْزازُ الإسْلامِ وإذْلالُ الشِّرْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ . ورَوى خَلْفٌ عَنْ يَحْيى: "لِيُهْلَكَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مِن حَيَّ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ رِوايَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "حَيِيَ" بِياءَيْنِ، الأُولى مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ. فَمَن قَرَأ بِياءَيْنِ، بَيَّنَ ولَمْ يُدْغِمْ. ومَن أدْغَمَ ياءَ "حَيِّيَ" فَلِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ. وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيَقْتُلَ مَن قَتَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ حُجَّةٍ، ويَبْقى مَن بَقِيَ مِنهم عَنْ حُجَّةٍ.

والثّانِي: لِيَكْفُرَ مَن كَفَرَ بَعْدَ حُجَّةٍ، ويُؤْمِنَ مَن آَمَنَ عَنْ حُجَّةٍ.

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأى عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ في المَنامِ قَبْلَ لِقائِهِمْ في قِلَّةٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أخْبَرَ أصْحابَهُ بِأنَّهُ رَآَهم في المَنامِ قَلِيلًا، كانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لَهم. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ أصْحابُكَ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ، إذْ حَدَّثْتُهم بِما رَأيْتَ في مَنامِكَ.

والثّانِي: إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ بِعَيْنِكَ الَّتِي تَنامُ بِها، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ الزَّجّاجُ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُونَ إلى هَذا المَذْهَبِ. ومَعْناهُ عِنْدَهم إذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَوْضِعِ مَنامِكَ، أيْ: بِعَيْنِكَ؛ ثُمَّ حَذَفَ المَوْضِعَ، وأقامَ المَنامَ مَقامَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وتَأخَّرْتُمْ عَنْ حَرْبِهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَفَشَلَ أصْحابُكَ، ولَرَأوْا ذَلِكَ في وجْهِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: لاخْتَلَفْتُمْ في حَرْبِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِن دَواعِي هَزِيمَتِكم، ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ المُخالَفَةِ والفَشَلِ.

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَدَقَ اللَّهُ رُؤْيا رَسُولِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها المُؤْمِنِينَ عَنْ قِلَّةٍ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ لِقائِهِمْ، بِأنَّ قَلَّلَهم وقْتَ اللِّقاءِ في أعْيُنِهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قَلُّوا في أعْيُنِنا، حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي: أتَراهم سَبْعِينَ؟ قالَ أراهم مِائَةً؛ حَتّى أخَذْنا رَجُلًا مِنهم، فَسَألْناهُ، فَقالَ: كُنّا ألْفًا. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْتَقَلَّ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ، والمُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ، فاجْتَرَأ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الرُّؤْيَةِ هاهُنا، وقَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأُولى كانَتْ في المَنامِ، والثّانِيَةَ في اليَقَظَةِ.

والثّانِي: أنَّ الأُولى لَلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، والثّانِيَةَ لَهُ ولِأصْحابِهِ: فَإنْ قِيلَ: تَكْثِيرُ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِ الكافِرِينَ أوْلى، لِمَكانِ إعْزازِهِمْ. فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهم لَوْ كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ، لَمْ يُقْدُمُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ والقِتالُ سَبَبُ النَّصْرِ، فَقَلَّلَهم لِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَلَّلَهم لِئَلّا يَتَأهَّبَ المُشْرِكُونَ كُلَّ التَّأهُّبِ؛ فَإذا تَحَقَّقَ القِتالُ، وجَدَهُمُ المُسْلِمُونَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ، فَظَفِرُوا بِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّلَهم لَيَحْمِلَ الأعْداءُ عَلَيْهِمْ في كَثْرَتِهِمْ، فَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آَيَةً لَلْمُشْرِكِينَ ومُنَبِّهًا عَلى نُصْرَةِ الحَقِّ.

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ الفِئَةُ: الجَماعَةُ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ والنَّصْرُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ التَّنازُعِ والفَشَلِ آَنِفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ورَوى أبانُ: "وَيَذْهَبُ" بِالياءِ والجَزْمِ. وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَذْهَبُ شِدَّتُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِدَّتُكم وجِدُّكم. وقالَ الزَّجّاجُ: صَوْلَتُكم وقُوَّتُكم.

والثّانِي: يَذْهَبُ نَصْرُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: تَتَقَطَّعُ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَبَّتْ لَهُ رِيحُ النَّصْرِ: إذا كانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ. ويُقالُ لَهُ الرِّيحُ اليَوْمَ، أيِ: الدَّوْلَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها رِيحٌ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ فَتَضْرِبَ وُجُوهَ العَدُوِّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ"،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ الفِئَةُ: الجَماعَةُ. ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ والنَّصْرُ. والثّانِي: ذِكْرُ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ التَّنازُعِ والفَشَلِ آَنِفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ورَوى أبانُ: "وَيَذْهَبُ" بِالياءِ والجَزْمِ. وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَذْهَبُ شِدَّتُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: حِدَّتُكم وجِدُّكم. وقالَ الزَّجّاجُ: صَوْلَتُكم وقُوَّتُكم.

والثّانِي: يَذْهَبُ نَصْرُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: تَتَقَطَّعُ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: هَبَّتْ لَهُ رِيحُ النَّصْرِ: إذا كانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ. ويُقالُ لَهُ الرِّيحُ اليَوْمَ، أيِ: الدَّوْلَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها رِيحٌ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يَكُنْ نَصْرٌ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ فَتَضْرِبَ وُجُوهَ العَدُوِّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ"،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هم أبُو جَهْلٍ ومَن خَرَجَ مَعَهُ مِن مَكَّةَ، خَرَجُوا لَيَدْفَعُوا عَنْ عِيرِهِمُ الَّتِي كانَتْ مَعَ أبِي سُفْيانَ، ومَعَهُمُ القِيانُ والمَعازِفُ، وهم يَشْرَبُونَ الخُمُورَ. فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ أنَّهُ قَدْ أحْرَزَ ما مَعَهُ، كَتَبَ إلَيْهِمْ: إنِّي قَدْ أحْرَزْتُ أمْوالَكم فارْجِعُوا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَفْعَلُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا فَنُقِيمُ ثَلاثًا، ونَنْحَرُ الجُزُرَ، ونُطْعِمُ الطَّعامَ، ونَسْقِي الخُمُورَ، وتَسْمَعُ بِنا العَرَبُ، فَلا يَزالُونَ يَهابُونا. فَسارُوا إلى بَدْرٍ، فَكانَتِ الوَقْعَةُ؛ فَسُقُوا كُؤُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحِتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ مَكانَ القِيانِ. فَأمّا البَطَرُ، فَهو الطُّغْيانُ في النِّعَمِ، وتَرْكُ شُكْرِها. والرِّياءُ: العَمَلُ مِن أجْلِ رُؤْيَةِ النّاسِ. وسَبِيلُ اللَّهِ هاهُنا: دِينُهُ.

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أجْمَعَتْ قُرَيْشٌ المَسِيرَ إلى بَدْرٍ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِراعًا. وفي المُرادِ بِأعْمالِهِمْ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: شِرْكُهم. والثّانِي: مَسِيرُهم إلى بَدْرٍ. والثّالِثُ: قِتالُهم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: صارَتا بِحَيْثُ رَأتْ إحْداهُما الأُخْرى. وَفِي المُرادِ بِالفِئَتَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: فِئَةُ المُسْلِمِينَ، وفِئَةُ المَلائِكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَجَعَ القَهْقَرى. قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ إبْلِيسُ في صَفِّ المُشْرِكِينَ عَلى صُورَةِ سُراقَةَ، آَخِذًا بِيَدِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَرَأى المَلائِكَةَ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: أفِرارًا مِن غَيْرِ قِتالٍ؟ فَقالَ ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ فَلَمّا هُزِمَ المُشْرِكُونَ، قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما شَعُرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم. قالَ قَتادَةُ: صَدَقَ عِدَّةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾، ذَكَرَ لَنا أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ ومَعَهُ المَلائِكَةُ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا يَدَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ، وكَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾، واللَّهِ ما بِهِ مَخافَةُ اللَّهِ، ولَكِنْ عَلِمَ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهُ بِهِمْ. وقالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ: إنِّي أخافُ اللَّهَ أنْ يُهْلِكَنِيَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ، خافَ أنْ تَكُونَ القِيامَةَ، فَيَكُونُ انْتِهاءَ إنْظارِهِ، فَيَقَعُ بِهِ العَذابُ. ومَعْنى "نَكَصَ" رَجَعَ هارِبًا بِخِزْيٍ وذُلٍّ. واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَلْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ، أوْ تَمامُ الحِكايَةِ عَنْ إبْلِيسَ، عَلى قَوْلَيْنِ.

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ بِمَكَّةَ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا؛ فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةَ المُشْرِكِينَ، ارْتابُوا ونافَقُوا، وقالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ في آَخَرِينَ. وعَدَّهم مُقاتِلٌ، فَقالَ: كانُوا سَبْعَةً: قَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةَ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مَنِيَّةَ بْنِ الحَجّاجِ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، لَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، قالُوا": "غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ" رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ، لَمْ يُظْهِرُوا عَداوَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والمَرَضُ هاهُنا: الشَّكُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "هَؤُلاءِ" إلى المُسْلِمِينَ؛ وإنَّما قالُوا هَذا، لِأنَّهم رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَشُكُّوا في أنَّ قُرَيْشًا تَغْلِبُهم.

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَتَوَفّى" بِالياءِ. ؟ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "تَتَوَفّى" بِتاءَيْنِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في الرَّهْطِ الَّذِينَ قالُوا: "غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ" . وفي المُرادِ بِالمَلائِكَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: مَلائِكَةُ العَذابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم بِبَدْرٍ لَمّا قاتَلُوا، وأدْبارَهم لَمّا انْهَزَمُوا. والثّانِي: أنَّهم جاؤُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ، فالَّذِينَ أمامَهم ضَرَبُوا وُجُوهَهم، والَّذِينَ وراءَهم ضَرَبُوا أدْبارَهم.

والثّالِثُ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَقُوهم، وأدْبارَهم إذا ساقُوهم إلى النّارِ.

والرّابِعُ: أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم عِنْدَ المَوْتِ بِسِياطٍ مِن نارٍ. وهَلِ المُرادُ نَفْسُ الوُجُوهِ والأدْبارِ، أمِ المُرادُ ما أقْبَلَ مِن أبْدانِهِمْ وأدْبَرَ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في الدُّنْيا؛ وفِيهِ إضْمارٌ "يَقُولُونَ" فالمَعْنى: يَضْرِبُونَ ويَقُولُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البَقَرَةِ:١٢٧] رَبَّنا أيْ: ويَقُولانِ. قالَ النّابِغَةُ:

؎ كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقِعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ

والمَعْنى: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ لِبَنِي أُقَيْشٍ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: أنَّ الضَّرْبَ لَهم في الدُّنْيا، فَإذا ورَدُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلى النّارِ، قالَ خَزَنَتُها: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.