Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 75

41

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allah is one fifth of it and for the Messenger and for [his] near relatives and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler, if you have believed in Allah and in that which We sent down to Our Servant on the day of criterion - the day when the two armies met. And Allah, over all things, is competent.

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْفالِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

انْتِقالٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ مِن حُكْمِ الأنْفالِ، الَّذِي افْتَتَحَتْهُ السُّورَةُ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ ما جَرى مِنَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ إنْ عادُوا إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]

وافْتِتاحُهُ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى رِعايَةِ العَمَلِ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] فَإنَّ المَقْصُودَ بِالعِلْمِ تَقَرُّرُ الجَزْمِ بِأنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ، والعَمَلُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ، فَيَكُونُ ”اعْلَمُوا“ كِنايَةً مُرادًا بِهِ صَرِيحُهُ ولازِمُهُ. والخِطابُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ وبِالخُصُوصِ جَيْشُ بَدْرٍ ولَيْسَ هَذا نَسْخًا لِحُكْمِ الأنْفالِ المَذْكُورِ أوَّلَ السُّورَةِ، بَلْ هو بَيانٌ لِإجْمالِ قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّها ناسِخَةٌ، وإنَّ اللَّهَ شَرَعَ ابْتِداءً أنَّ قِسْمَةَ المَغانِمِ لِرَسُولِهِ ﷺ يُرِيدُ أنَّها لِاجْتِهادِ الرَّسُولِ بِدُونِ تَعْيِينٍ، ثُمَّ شَرَعَ التَّخْمِيسَ. وذَكَرُوا: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُخَمِّسْ مَغانِمَ بَدْرٍ ثُمَّ خَمَّسَ مَغانِمَ أُخْرى بَعْدَ بَدْرٍ، أيْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أعْطاهُ شارِفًا مِنَ الخُمُسِ يَوْمَ بَدْرٍ»، فاقْتَضَتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ أنَّ مَغانِمَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ.

صفحة ٦

وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ قَدِيمًا في المُرادِ مِنَ المَغْنَمِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ تَنْضَبِطْ تَقارِيرُ أصْحابِ التَّفاسِيرِ في طَرِيقَةِ الجَمْعِ بَيْنَ كَلامِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَلَطَها مَعَ آيَةِ سُورَةِ الحَشْرِ، فَجَعَلَ هَذِهِ ناسِخَةً لِآيَةِ الحَشْرِ والعَكْسَ، أوْ أنَّ إحْدى الآيَتَيْنِ مُخَصِّصَةً لِلْأُخْرى: إمّا في السِّهامِ، وإمّا في أنْواعِ المَغانِمِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَطُولُ. وتَرَدَّدُوا في مُسَمّى الفَيْءِ، فَصارَتْ ثَلاثَةُ أسْماءٍ مَجالًا لِاخْتِلافِ الأقْوالِ: النَّفْلُ، والغَنِيمَةُ، والفَيْءُ.

والوَجْهُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ واتِّصالِها بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (ما غَنِمْتُمْ) في هَذِهِ الآيَةِ: ما حَصَّلْتُمْ مِنَ الغَنائِمِ مِن مَتاعِ الجَيْشِ، وذَلِكَ ما سُمِّيَ بِالأنْفالِ في أوَّلِ السُّورَةِ، فالنَّفْلُ والغَنِيمَةُ مُتَرادِفانِ، وذَلِكَ مُقْتَضى اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ: الأنْفالُ الغَنائِمُ. وعَلَيْهِ فَوَجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إذْ قالَ - تَعالى - هُنا ”غَنِمْتُمْ“ وقالَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] لِاقْتِضاءِ الحالِ التَّعْبِيرَ هُنا بِفِعْلٍ، ولَيْسَ في العَرَبِيَّةِ فِعْلٌ مِن مادَّةِ النَّفْلِ يُفِيدُ إسْنادَ مَعْناهُ إلى مَن حَصَلَ لَهُ، ولِذَلِكَ فَآيَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ سِيقَتْ هُنا بَيانًا لِآيَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١] فَإنَّهُما ورَدَتا في …

Al-Anfaal 8:41Listen in Qur'an →
42

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَٰدِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allah might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ”إذْ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَهو ظَرْفٌ لِـ ”أنْزَلْنا“ أيْ زَمَنَ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا، وقَدْ أُرِيدَ مِن هَذا الظَّرْفِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ تَذْكِيرُهم بِحالَةٍ حَرِجَةٍ كانَ المُسْلِمُونَ

صفحة ١٦

فِيها، وتَنْبِيهُهم لِلُطْفٍ عَظِيمٍ حَفَّهم مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وهي حالَةُ مَوْقِعِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ مِن جَيْشِ المُشْرِكِينَ، وكَيْفَ التَقى الجَيْشانِ في مَكانٍ واحِدٍ عَنْ غَيْرِ مِيعادٍ، ووَجَدَ المُسْلِمُونَ أنْفُسَهم أمامَ عَدُوٍّ قَوِيِّ العِدَّةِ والعُدَّةِ والمَكانَةِ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ. ولَوْلا هَذا المَقْصِدُ مِن وصْفِ هَذِهِ الهَيْئَةِ لَما كانَ مِن داعٍ لِهَذا الإطْنابِ إذْ لَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ وصْفُ المَنازِلِ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ عِبْرَةٌ.

والعُدْوَةُ بِتَثْلِيثِ العَيْنِ ضَفَّةُ الوادِي وشاطِئُهُ، والضَّمُّ والكَسْرُ في العَيْنِ أفْصَحُ وعَلَيْهِما القِراءاتُ المَشْهُورَةُ، فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ العَيْنِ.

والمُرادُ بِها شاطِئُ وادِي بَدْرٍ. وبَدْرٌ اسْمُ ماءٍ. و”الدُّنْيا“ هي القَرِيبَةُ أيِ العُدْوَةُ الَّتِي مِن جِهَةِ المَدِينَةِ فَهي أقْرَبُ لِجَيْشِ المُسْلِمِينَ مِنَ العُدْوَةِ الَّتِي مِن جِهَةِ مَكَّةَ. والعُدْوَةُ القُصْوى هي الَّتِي مِمّا يَلِي مَكَّةَ وهي كَثِيبٌ وهي قُصْوى بِالنِّسْبَةِ لِمَوْقِعِ بَلَدِ المُسْلِمِينَ.

والوَصْفُ بِالدُّنْيا والقُصْوى يَشْعُرُ المُخاطَبُونَ بِفائِدَتِهِ وهي أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا حَرِيصِينَ أنْ يَسْبِقُوا المُشْرِكِينَ إلى العُدْوَةِ القُصْوى لِأنَّها أصْلَبُ أرْضًا فَلَيْسَ لِلْوَصْفِ بِالدُّنُوِّ والقُصُوِّ أثَرٌ في تَفْضِيلِ إحْدى العُدْوَتَيْنِ عَلى الأُخْرى ولَكِنَّهُ صادَفَ أنْ كانَتِ القُصْوى أسْعَدَ بِنُزُولِ الجَيْشِ، فَلَمّا سَبَقَ جَيْشُ المُشْرِكِينَ إلَيْها اغْتَمَّ المُسْلِمُونَ فَلَمّا نَزَلَ المُسْلِمُونَ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا أرْسَلَ اللَّهُ المَطَرَ وكانَ الوادِي دَهْسًا فَلَبَّدَ المَطَرُ الأرْضَ ولَمْ يَعُقْهم عَنِ المَسِيرِ وأصابَ الأرْضَ الَّتِي بِها قُرَيْشٌ فَعَطَّلَهم عَنِ الرَّحِيلِ فَلَمْ يَبْلُغُوا بَدْرًا إلّا بَعْدَ أنْ وصَلَ المُسْلِمُونَ وتَخَيَّرُوا أحْسَنَ مَوْقِعٍ وسَبَقُوا إلى الماءِ فاتَّخَذُوا حَوْضًا يَكْفِيهِمْ وغَوَّرُوا الماءَ فَلَمّا وصَلَ المُشْرِكُونَ إلى الماءِ وجَدُوهُ قَدِ احْتازَهُ المُسْلِمُونَ فَكانَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَ ولا يَجِدُ المُشْرِكُونَ ماءً.

وضَمِيرُ ”وهم“ عائِدٌ إلى ما في لَفْظِ ”الجَمْعانِ“ مِن مَعْنى: جَمْعُكم وجَمْعُ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ لَمْ يَبْقَ مَعادٌ لِضَمِيرِ ”وهم“ إلّا الجَمْعُ الآخَرُ وهو جَمْعُ المُشْرِكِينَ.

والرَّكْبُ هو رَكْبُ قُرَيْشٍ الرّاجِعُونَ مِنَ الشّامِ، وهو العِيرُ، أسْفَلَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ أخْفَضَ مِن مَنازِلِهِما؛ لِأنَّ العِيرَ كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِ السّاحِلِ وقَدْ

صفحة ١٧

تَرَكُوا ماءَ بَدْرٍ عَنْ يَسارِهِمْ. ذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ المُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِتَلَقِّي عِيرِهِ رَجَعَ بِالعِيرِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي تَمُرُّ بِبَدْرٍ، وسَلَكَ طَرِيقَ السّاحِلِ لِيَنْجُوَ بِالعِيرِ، فَكانَ …

Al-Anfaal 8:42Listen in Qur'an →
43

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

[Remember, O Muhammad], when Allah showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allah saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

صفحة ٢٢

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ [الأنفال: ٤٢] فَإنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ زَمانُ كَوْنِهِمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا لِوُقُوعِها في مُدَّةِ نُزُولِ المُسْلِمِينَ بِالعُدْوَةِ مِن بَدْرٍ، فَهو بَدَلٌ مِن بَدَلٍ.

والمَنامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى النَّوْمِ ويُطْلَقُ عَلى زَمَنِ النَّوْمِ وعَلى مَكانِهِ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي مَنامِكَ﴾ بِفِعْلِ ”يُرِيكَهم“ فالإرادَةُ إرادَةُ رُؤْيا، وأُسْنِدَتِ الإرادَةُ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّ رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ وحْيٌ بِمَدْلُولِها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى، حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ وابْنِهِ ﴿قالَ يا بُنَيَّ إنِّيَ أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَإنَّ أرْواحَ الأنْبِياءِ لا تَغْلِبُها الأخْلاطُ، ولا تَجُولُ حَواسُّهُمُ الباطِنَةُ في العَبَثِ، فَما رُؤْياهم إلّا مُكاشَفاتٌ رُوحانِيَّةٌ عَلى عالَمِ الحَقائِقِ.

وكانَ النَّبِيءُ ﷺ قَدْ رَأى رُؤْيا مَنامٍ، جَيْشَ المُشْرِكِينَ قَلِيلًا، أيْ قَلِيلَ العَدَدِ وأخْبَرَ بِرُؤْياهُ المُسْلِمِينَ فَتَشَجَّعُوا لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، وحَمَلُوها عَلى ظاهِرِها، وزالَ عَنْهم ما كانَ يُخامِرُهم مِن تَهَيُّبِ جَيْشِ المُشْرِكِينَ. فَكانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا مِن أسْبابِ النَّصْرِ، وكانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا مِنَّةً مِنَ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، وكانَتْ قِلَّةُ العَدَدِ في الرُّؤْيا رَمْزًا وكِنايَةً عَنْ وهَنِ أمْرِ المُشْرِكِينَ لا عَنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ.

ولِذَلِكَ جَعَلَها اللَّهُ في رُؤْيا النَّوْمِ دُونَ الوَحْيِ؛ لِأنَّ صُوَرَ المَرائِي المَنامِيَّةِ تَكُونُ رُمُوزًا لِمَعانٍ فَلا تُعَدُّ صُورَتُها الظّاهِرِيَّةُ خُلْفًا، بِخِلافِ الوَحْيِ بِالكَلامِ.

وقَدْ حَكاها النَّبِيءُ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأخَذُوها عَلى ظاهِرِها، لِعِلْمِهِمْ أنَّ رُؤْيا النَّبِيءِ وحْيٌ، وقَدْ يَكُونُ النَّبِيءُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى تَعْبِيرِها الصّائِبِ، وقَدْ يَكُونُ صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَظَنَّ كالمُسْلِمِينَ ظاهِرَها، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ. فَرُؤْيا النَّبِيءِ

صفحة ٢٣

ﷺ لَمْ تُخْطِئْ ولَكِنَّها أوْهَمَتْهم قِلَّةَ العَدَدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَرْغُوبُهم والمَقْصُودُ مِنهُ حاصِلٌ، وهو تَحَقُّقُ النَّصْرِ، ولَوْ أُخْبِرُوا بِعَدَدِ المُشْرِكِينَ كَما هو لَجَبُنُوا عَنِ اللِّقاءِ فَضَعُفَتْ أسْبابُ النَّصْرِ الظّاهِرَةُ المُعْتادَةُ الَّتِي تُكْسِبُهم حُسْنَ الأُحْدُوثَةِ. ورُؤْيا النَّبِيءِ لا تُخْطِئُ ولَكِنَّها قَدْ تَكُونُ جارِيَةً عَلى الصُّورَةِ الحاصِلَةِ في الخارِجِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ عائِشَةَ في بَدْءِ الوَحْيِ: «أنَّهُ كانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، وهَذا هو الغالِبُ وخاصَّةً قَبْلَ ابْتِداءِ نُزُولِ المَلَكِ بِالوَحْيِ»، وقَدْ تَكُونُ رُؤْيا النَّبِيءِ ﷺ رَمْزِيَّةً وكِنايَةً كَما في حَدِيثِ رُؤْياهُ بَقَرًا تُذْبَحُ ويُقالُ لَهُ: اللَّهُ خَيْرٌ. فَلَمْ يَعْلَمِ المُرادَ حَتّى تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَمّا أرادَ اللَّهُ خَذْلَ المُشْرِكِينَ وهَزْمَهم أرى نَبِيئَهُ المُشْرِكِينَ قَلِيلًا كِنايَةً بِأحَدِ أسْبابِ الِانْهِزامِ، فَإنَّ الِانْهِزامَ يَجِيءُ مِن قِلَّةِ العَدَدِ.

وقَدْ يُمْسِكُ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ بَيانِ …

Al-Anfaal 8:43Listen in Qur'an →
44

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allah might accomplish a matter already destined. And to Allah are [all] matters returned.

﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٤٣] وهَذِهِ رُؤْيَةُ بَصَرٍ أراها اللَّهُ الفَرِيقَيْنِ عَلى خِلافِ ما في نَفْسِ الأمْرِ، فَكانَتْ خَطَأً مِنَ الفَرِيقَيْنِ، ولَمْ يَرَها النَّبِيءُ ﷺ ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ رُؤْيا المَنامِ الصّادِقَةُ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ، في قَوْلِهِ:

صفحة ٢٦

إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ وجُعِلَتِ الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ الخاطِئَةُ مُسْنَدَةً إلى ضَمائِرِ الجَمْعَيْنِ، وظاهِرُ الجَمْعِ يَعُمُّ النَّبِيءَ ﷺ فَيُخَصُّ مِنَ العُمُومِ. أرى اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَلِيلُونَ، وأرى المُشْرِكِينَ أنَّ المُسْلِمِينَ قَلِيلُونَ. خَيَّلَ اللَّهُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ قِلَّةَ الفَرِيقِ الآخَرِ، بِإلْقاءِ ذَلِكَ التَّخَيُّلِ في نُفُوسِهِمْ، وجَعَلَ الغايَةَ مِن تَيْنَكِ الرُّؤْيَتَيْنِ نَصْرَ المُسْلِمِينَ.

وهَذا مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ جَعَلَ لِلشَّيْءِ الواحِدِ أثَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وجَعَلَ لِلْأثَرَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ أثَرًا مُتَّحِدًا، فَكانَ تَخَيُّلُ المُسْلِمِينَ قِلَّةَ المُشْرِكِينَ مُقَوِّيًا لِقُلُوبِهِمْ، وزائِدًا لِشَجاعَتِهِمْ، ومُزِيلًا لِلرُّعْبِ عَنْهم، فَعَظُمَ بِذَلِكَ بَأْسُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؛ لِأنَّهم ما كانَ لِيَفُلَّ مِن بَأْسِهِمْ إلّا شُعُورُهم بِأنَّهم أضْعَفُ مِن أعْدائِهِمْ عَدَدًا وعُدَدًا، فَلَمّا أُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهم، بِتَخْيِيلِهِمْ قِلَّةَ عَدُوِّهِمْ، خَلُصَتْ أسْبابُ شِدَّتِهِمْ مِمّا يُوهِنُها. وكانَ تَخَيُّلُ المُشْرِكِينَ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ كَوْنَهم أقَلَّ مِمّا هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، بَرْدًا عَلى غَلَيانِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الغَيْظِ، وغارًّا إيّاهم بِأنَّهم سَيَنالُونَ التَّغَلُّبَ عَلَيْهِمْ بِأدْنى قِتالٍ، فَكانَ صارِفًا إيّاهم عَنِ التَّأهُّبِ لِقِتالِ المُسْلِمِينَ، حَتّى فاجَأهم جَيْشُ المُسْلِمِينَ، فَكانَتِ الدّائِرَةُ عَلى المُشْرِكِينَ، فَنَتَجَ عَنْ تَخَيُّلِ القِلَّتَيْنِ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ.

وإنَّما لَمْ يَكُنْ تَخَيُّلُ المُسْلِمِينَ قِلَّةَ المُشْرِكِينَ مُثَبِّطًا عَزِيمَتَهم، كَما كانَ تَخَيُّلُ المُشْرِكِينَ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ مُثَبِّطًا عَزِيمَتَهم؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانَتْ قُلُوبُهم مُفْعَمَةً حَنَقًا عَلى المُشْرِكِينَ، وإيمانًا بِفَسادِ شِرْكِهِمْ، وامْتِثالًا أمْرَ اللَّهِ بِقِتالِهِمْ، فَما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَبِّ بَأْسِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ إلّا صَرْفُ ما يُثَبِّطُ عَزائِمَهم. فَأمّا المُشْرِكُونَ، فَكانُوا مُزْدَهِينَ بِعَدائِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكانُوا لا يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ عَلى شَيْءٍ. فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ أدْنى جَوْلَةٍ تَجُولُ بَيْنَهم يَقْبِضُونَ فِيها عَلى المُسْلِمِينَ قَبْضًا، فَلِذَلِكَ لا يَعْبَئُونَ بِالتَّأهُّبِ لَهم، فَكانَ تَخْيِيلُ ما يَزِيدُهم تَهاوُنًا بِالمُسْلِمِينَ يَزِيدُ تَواكُلَهم وإهْمالَ إجْماعِ أمْرِهِمْ.

قالَ أهْلُ السِّيَرِ: كانَ المُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ عَدَدَ المُشْرِكِينَ يَتَراوَحُ بَيْنَ السَبْعِينَ والمِائَةِ وكانُوا في نَفْسِ الأمْرِ زُهاءَ ألْفٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَحْسَبُونَ المُسْلِمِينَ قَلِيلًا، فَقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقَوْمِهِ، وقَدْ حَزَرَ المُسْلِمِينَ: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، أيْ قُرابَةُ المِائَةِ وكانُوا في نَفْسِ الأمْرِ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ.

صفحة ٢٧

وهَذا التَّخَيُّلُ قَدْ يَحْصُلُ مِنِ انْعِكاسِ الأشِعَّةِ واخْتِلافِ الظِّلالِ، …

Al-Anfaal 8:44Listen in Qur'an →
45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allah much that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

لَمّا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ ودَلائِلِ عِنايَتِهِ، وكَشَفَ لَهم عَنْ سِرٍّ مِن أسْرارِ نَصْرِهِ إيّاهم، وكَيْفَ خَذَلَ أعْداءَهم، وصَرَفَهم عَنْ أذاهم، فاسْتَتَبَّ لَهُمُ النَّصْرُ مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ، أقْبَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْ يَأْمُرَهم بِما يُهَيِّئُ لَهُمُ النَّصْرَ في المَواقِعِ كُلِّها، ويَسْتَدْعِي عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ وتَأْيِيدَهُ إيّاهم، فَجَمَعَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ ما بِهِ قِوامُ النَّصْرِ في الحُرُوبِ. وهَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وجُمْلَةِ ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]

وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الوَصايا بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِها، وجُعِلَ طَرِيقُ تَعْرِيفِ المُنادى طَرِيقَ المَوْصُولِيَّةِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يَأْمُرُهم بِهِ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخَصُّ صِفاتِهِمْ تِلْقاءَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]

واللِّقاءُ: أصْلُهُ مُصادَفَةُ الشَّخْصِ ومُواجَهَتُهُ بِاجْتِماعٍ في مَكانٍ واحِدٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى لِقاءٍ خاصٍّ وهو لِقاءُ القِتالِ، فَيُرادِفُ القِتالَ والنِّزالَ.

صفحة ٣٠

وقَدْ تَقَدَّمَ اللِّقاءُ قَرِيبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ١٥] وبِهَذا المَعْنى تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَةِ: فِئَةٌ خاصَّةٌ وهي فِئَةُ العَدُوِّ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

والفِئَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والثَّباتُ: أصْلُهُ لُزُومُ المَكانِ دُونَ تَحَرُّكٍ ولا تَزَلْزُلٍ، ويُسْتَعارُ لِلدَّوامِ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى مَعْناهُ المَجازِيِّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ عَدَمَ التَّحَرُّكِ، بَلْ أُرِيدَ الدَّوامُ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الفِرارِ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا.

وذِكْرُ اللَّهِ، المَأْمُورُ بِهِ هُنا: هو ذِكْرُهُ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ القَلْبِ وزِيادَةً فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ بِلِسانِهِ فَقَدْ ذَكَرَ بِقَلْبِهِ وبِلِسانِهِ، وسَمِعَ الذِّكْرَ بِسَمْعِهِ، وذَكَّرَ مَن يَلِيهِ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، فَفِيهِ فَوائِدُ زائِدَةٌ عَلى ذِكْرِ القَلْبِ المُجَرَّدِ، وقَرِينَةُ إرادَةِ ذِكْرِ اللِّسانِ ظاهِرُ وصْفِهِ بِـ ”كَثِيرًا“ لِأنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ يُوصَفُ بِالقُوَّةِ، والمَقْصُودُ تَذَكُّرُ أنَّهُ النّاصِرُ. وهَذانِ أمْرانِ أُمِرُوا بِهِما وهُما يَخُصّانِ المُجاهِدَ في نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ قالَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ. فَهُما لِإصْلاحِ الأفْرادِ، ثُمَّ أمَرَهم بِأعْمالٍ راجِعَةٍ إلى انْتِظامِ جَيْشِهِمْ وجَماعَتِهِمْ، وهي عَلائِقُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وهي …

Al-Anfaal 8:45Listen in Qur'an →
46

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And obey Allah and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allah is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

لَمّا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ ودَلائِلِ عِنايَتِهِ، وكَشَفَ لَهم عَنْ سِرٍّ مِن أسْرارِ نَصْرِهِ إيّاهم، وكَيْفَ خَذَلَ أعْداءَهم، وصَرَفَهم عَنْ أذاهم، فاسْتَتَبَّ لَهُمُ النَّصْرُ مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ، أقْبَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْ يَأْمُرَهم بِما يُهَيِّئُ لَهُمُ النَّصْرَ في المَواقِعِ كُلِّها، ويَسْتَدْعِي عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ وتَأْيِيدَهُ إيّاهم، فَجَمَعَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ ما بِهِ قِوامُ النَّصْرِ في الحُرُوبِ. وهَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وجُمْلَةِ ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]

وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الوَصايا بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِها، وجُعِلَ طَرِيقُ تَعْرِيفِ المُنادى طَرِيقَ المَوْصُولِيَّةِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يَأْمُرُهم بِهِ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخَصُّ صِفاتِهِمْ تِلْقاءَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]

واللِّقاءُ: أصْلُهُ مُصادَفَةُ الشَّخْصِ ومُواجَهَتُهُ بِاجْتِماعٍ في مَكانٍ واحِدٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى لِقاءٍ خاصٍّ وهو لِقاءُ القِتالِ، فَيُرادِفُ القِتالَ والنِّزالَ.

صفحة ٣٠

وقَدْ تَقَدَّمَ اللِّقاءُ قَرِيبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ١٥] وبِهَذا المَعْنى تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَةِ: فِئَةٌ خاصَّةٌ وهي فِئَةُ العَدُوِّ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

والفِئَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والثَّباتُ: أصْلُهُ لُزُومُ المَكانِ دُونَ تَحَرُّكٍ ولا تَزَلْزُلٍ، ويُسْتَعارُ لِلدَّوامِ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى مَعْناهُ المَجازِيِّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ عَدَمَ التَّحَرُّكِ، بَلْ أُرِيدَ الدَّوامُ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الفِرارِ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا.

وذِكْرُ اللَّهِ، المَأْمُورُ بِهِ هُنا: هو ذِكْرُهُ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ القَلْبِ وزِيادَةً فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ بِلِسانِهِ فَقَدْ ذَكَرَ بِقَلْبِهِ وبِلِسانِهِ، وسَمِعَ الذِّكْرَ بِسَمْعِهِ، وذَكَّرَ مَن يَلِيهِ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، فَفِيهِ فَوائِدُ زائِدَةٌ عَلى ذِكْرِ القَلْبِ المُجَرَّدِ، وقَرِينَةُ إرادَةِ ذِكْرِ اللِّسانِ ظاهِرُ وصْفِهِ بِـ ”كَثِيرًا“ لِأنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ يُوصَفُ بِالقُوَّةِ، والمَقْصُودُ تَذَكُّرُ أنَّهُ النّاصِرُ. وهَذانِ أمْرانِ أُمِرُوا بِهِما وهُما يَخُصّانِ المُجاهِدَ في نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ قالَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ. فَهُما لِإصْلاحِ الأفْرادِ، ثُمَّ أمَرَهم بِأعْمالٍ راجِعَةٍ إلى انْتِظامِ جَيْشِهِمْ وجَماعَتِهِمْ، وهي عَلائِقُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وهي …

Al-Anfaal 8:46Listen in Qur'an →
47

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allah. And Allah is encompassing of what they do.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

جُمْلَةُ ”ولا تَكُونُوا“ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]“ عَطْفَ نَهْيٍ عَلى نَهْيٍ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”فاثْبُتُوا“ عَطْفَ نَهْيٍ عَلى أمْرٍ، إكْمالًا لِأسْبابِ النَّجاحِ والفَوْزِ عِنْدَ اللِّقاءِ: بِأنْ يَتَلَبَّسُوا بِما يُدْنِيهِمْ مِنَ النَّصْرِ، وأنْ يَتَجَنَّبُوا ما يُفْسِدُ إخْلاصَهم في الجِهادِ.

وجِيءَ في نَهْيِهِمْ عَنِ البَطَرِ والرِّئاءِ بِطَرِيقَةِ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ: إدْماجًا لِلتَّشْنِيعِ بِالمُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمْ، وتَكْرِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ تِلْكَ الأحْوالَ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الذَّمِيمَةَ تَتَّضِحُ مَذَمَّتُها، وتَنْكَشِفُ مَزِيدَ الِانْكِشافِ إذا كانَتْ مِن أحْوالِ قَوْمٍ مَذْمُومِينَ

صفحة ٣٣

عِنْدَ آخَرِينَ، وذَلِكَ أبْلَغُ في النَّهْيِ، وأكْشَفُ لِقُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. فَنُهُوا عَنْ أنْ يُشْبِهُوا حالَ المُشْرِكِينَ في خُرُوجِهِمْ لِبَدْرٍ إذْ خَرَجُوا بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ؛ لِأنَّ حَقَّ كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُرِيدَ بِكُلِّ قَوْلٍ وعَمَلٍ وجْهَ اللَّهِ، والجِهادُ مِن أعْظَمِ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ.

والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ جَماعَةٌ خاصَّةٌ، وهم أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ، وقَدْ مَضى خَبَرُ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَإنَّهم خَرَجُوا مِن مَكَّةَ بِقَصْدِ حِمايَةِ عِيرِهِمْ فَلَمّا بَلَغُوا الجُحْفَةَ جاءَهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ، وهو كَبِيرُ العِيرِ يُخْبِرُهم أنَّ العِيرَ قَدْ سَلِمَتْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْدَمَ بَدْرًا نَشْرَبُ بِها وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمُ مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ حَتّى يَتَسامَعَ العَرَبُ بِأنَّنا غَلَبْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَعَبَّرَ عَنْ تَجاوُزِهِمُ الجُحْفَةَ إلى بَدْرٍ، بِالخُرُوجِ لِأنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِخُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ.

وانْتَصَبَ ﴿بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ بَطِرِينَ مُرائِينَ، ووَصَفَهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ الصِّفَتَيْنِ مِنهم لِأنَّ البَطَرَ والرِّياءَ خُلُقانِ مِن خُلُقِهِمْ.

و(البَطَرُ) إعْجابُ المَرْءِ بِما هو فِيهِ مِن نِعْمَةٍ، والِاسْتِكْبارُ والفَخْرُ بِها، فالمُشْرِكُونَ لَمّا خَرَجُوا مِنَ الجُحْفَةِ، خَرَجُوا عُجْبًا بِما هم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والجِدَّةِ.

و(الرِّئاءُ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما أصِيلَةٌ والأخِيرَةُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الياءِ لِوُقُوعِها مُتَطَرِّفَةً أثَرَ ألِفٍ زائِدَةٍ. ووَزْنُهُ ”فِعالٌ“ مَصْدَرُ ”راءى“ (فاعَلَ) مِنَ الرُّؤْيَةِ ويُقالُ: مُراآةٌ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ مُبالَغَةٌ أيْ بالَغَ في إراءَةِ النّاسِ عَمَلَهُ مَحَبَّةً أنْ يَرَوْهُ لِيَفْخَرَ عَلَيْهِمْ.

وسَبِيلِ اللَّهِ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلَيْهِ، وهو الإسْلامُ، شَبَّهَ الدِّينَ في إبْلاغِهِ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى، بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى بَيْتِ سَيِّدِ الحَيِّ لِيَصْفَحَ عَنْ وارِدِهِ أوْ يُكْرِمَهُ.

وجِيءَ في ”يَصُدُّونَ“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ: لِلدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِ وتَجَدُّدِ صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهم حِينَ خَرَجُوا صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومُكَرِّرِينَ ذَلِكَ ومُجَدِّدِينَهُ. وبِاعْتِبارِ الحُدُوثِ كانَتِ الحالُ مُقارِنَةً، وأمّا التَّجَدُّدُ فَمُسْتَفادٌ مِنَ المَضارِعِيَّةِ ولا يُجْعَلُ الحالُ مُقَدَّرَةً.

صفحة ٣٤ …

Al-Anfaal 8:47Listen in Qur'an →
48

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed I fear Allah. And Allah is severe in penalty."

﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّيَ أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾

”وإذْ زَيَّنَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] الآيَةَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، رُتِّبَ نَظْمُهُ عَلى أُسْلُوبِهِ العَجِيبِ لِيَقَعَ هَذا الظَّرْفُ عَقِبَ تِلْكَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ، فَيَكُونُ لَهُ إتْمامُ المُناسَبَةِ بِحِكايَةِ خُرُوجِهِمْ وأحْوالِهِ، فَإنَّهُ مِن عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ فِيما عَرَضَ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الأحْوالِ في خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، مِمّا كانَ فِيهِ سَبَبُ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، ولِيَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٧] عَقِبَ أمْرِ المُسْلِمِينَ بِما يَنْبَغِي لَهم عِنْدَ اللِّقاءِ، لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرِ بِما يَنْبَغِي والتَّحْذِيرِ مِمّا لا يَنْبَغِي، وتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِمَن لا يُرْتَضى، فَيَتِمُّ هَذا الأُسْلُوبُ البَدِيعُ المُحْكَمُ الِانْتِظامِ.

وأشارَتْ هاتِهِ الآيَةُ إلى أمْرٍ عَجِيبٍ كانَ مِن أسْبابِ خِذْلانِ المُشْرِكِينَ إذْ صَرَفَ اللَّهُ عَنِ المُسْلِمِينَ كَيْدًا لَهم: حِينَ وسْوَسَ الشَّيْطانُ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الكِنانِيِّ أنْ يَجِيءَ في جَيْشٍ مِن قَوْمِهِ بَنِي كِنانَةَ لِنَصْرِ المُشْرِكِينَ حِينَ خَرَجُوا لِلدِّفاعِ عَنْ عِيرِهِمْ،

صفحة ٣٥

فَألْقى اللَّهُ في رَوْعِ سُراقَةَ مِنَ الخَوْفِ ما أوْجَبَ انْخِذالَهُ وجَيْشَهُ عَنْ نَصْرِ المُشْرِكِينَ، وأفْسَدَ اللَّهُ كَيْدَ الشَّيْطانِ بِما قَذَفَهُ اللَّهُ في نَفْسِ سُراقَةَ مِنَ الخَوْفِ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى السَّيْرِ إلى إنْقاذِ العِيرِ ذَكَرُوا ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ فَكادَ أنْ يُثَبِّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، فَلَقِيَهم في مِسِيرِهِمْ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ في جُنْدٍ مَعَهُ رايَةٌ وقالَ لَهم: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ، وإنِّي مُجِيرُكم مِن كِنانَةَ، فَقَوِيَ عَزْمُ قُرَيْشٍ عَلى المَسِيرِ.

فَلَمّا أمْعَنُوا السَّيْرَ وتَقارَبَ المُشْرِكُونَ مِن مَنازِلِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، ورَأى سُراقَةُ الجَيْشَيْنِ، نَكَصَ سُراقَةُ بِمَن مَعَهُ وانْطَلَقُوا، فَقالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، أخُو أبِي جَهْلٍ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالِ ؟ فَقالَ سُراقَةُ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ فَكانَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ عَزْمِ قُرَيْشٍ عَلى الخُرُوجِ والمَسِيرِ، حَتّى لَقُوا هَزِيمَتَهُمُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم في بَدْرٍ.

وكانَ خُرُوجُ سُراقَةَ ومَن مَعَهُ بِوَسْوَسَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، لِئَلّا تَنْثَنِيَ قُرَيْشٌ عَنِ الخُرُوجِ، وكانَ انْخِذالُ سُراقَةَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَتِمَّ نَصْرُ المُسْلِمِينَ، وكانَ خاطِرُ رُجُوعِ سُراقَةَ خاطِرًا مَلَكِيًّا ساقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لِأنَّ سُراقَةَ لَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ في أنْ يُسْلِمَ مُنْذُ يَوْمِ لِقائِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ، حِينَ شاهَدَ مُعْجِزَةَ سَوْخِ قَوائِمِ فَرَسِهِ في الأرْضِ، وأخْذِهِ الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُوِيَتْ لَهُ أبْياتٌ خاطَبَ بِها أبا جَهْلٍ في قَضِيَّتِهِ في يَوْمِ الهِجْرَةِ، وما زالَ بِهِ ذَلِكَ حَتّى أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ.

وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادًا مَجازِيًّا، وإنَّما المُزَيِّنُ لَهم سُراقَةُ بِإغْراءِ الشَّيْطانِ، بِما سَوَّلَ إلى سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ مِن …

Al-Anfaal 8:48Listen in Qur'an →
49

إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allah - then indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

يَتَعَلَّقُ ”إذْ يَقُولُ“ بِأقْرَبِ الأفْعالِ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ؛ لِأنَّ ”إذْ“ لا تَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المُقارَنَةِ في الزَّمانِ بَيْنَ ما تُضافُ إلَيْهِ وبَيْنَ مُتَعَلَّقِها، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُنافِقِينَ واقِعًا في وقْتِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَ المُشْرِكِينَ، فَيَتِمُّ تَعْلِيقُ وقْتِ قَوْلِ المُنافِقِينَ بِوَقْتِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَ المُشْرِكِينَ، وإنَّما تُطْلَبُ المُناسَبَةُ لِذِكْرِ هَذا الخَبَرِ عَقِبَ الَّذِي ولِيَهُ هو، وتِلْكَ هي أنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ يَتَضَمَّنُ قُوَّةَ جَيْشِ المُشْرِكِينَ، وضَعْفَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، ويَقِينُ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ بِأنَّ النَّصْرَ سَيَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ.

فالخَبَرُ الأوَّلُ عَنْ طائِفَةٍ أعانَتِ المُشْرِكِينَ بِتَأْمِينِهِمْ مِن عَدُوٍّ يَخْشَوْنَهُ فانْحازَتْ إلَيْهِمْ عَلَنًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَقْبِيحَ ما أقْحَمَ المُسْلِمُونَ فِيهِ أنْفُسَهم إذْ عَمَدُوا إلى قِتالِ قَوْمٍ أقْوِياءَ. والخَبَرُ الثّانِي عَنْ طائِفَتَيْنِ شَوَّهَتا صَنِيعَ المُسْلِمِينَ: حَمَّقَتاهم ونَسَبَتاهم إلى الغُرُورِ فَأسَرُّوا ذَلِكَ ولَمْ يَبُوحُوا بِهِ، وتَحَدَّثُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، أوْ أسَرُّوهُ في نُفُوسِهِمْ.

فَنَظْمُ الكَلامِ هَكَذا: وزَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم حِينَ كانَ المُنافِقُونَ يُقَبِّحُونَ أعْمالَ المُسْلِمِينَ ويَصِفُونَهم بِالغُرُورِ وقِلَّةِ التَّدْبِيرِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في دِينِهِمُ الَّذِي أوْقَعَهم في هَذا الغُرُورِ ويَجُولُ في نُفُوسِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِثْلُ هَذا.

صفحة ٣٨

و(القَوْلُ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ: الشّامِلُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم طائِفَةٌ غَيْرُ المُنافِقِينَ، بَلْ هم مَن لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَهُ في أنْفُسِهِمْ لِما لَهم مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ وعْدِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهم غَيْرُ مُوالِينَ لِلْمُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ بَيْنَ جَماعَتِهِمْ.

و(المَرَضُ) هُنا مَجازٌ في اخْتِلالِ الِاعْتِقادِ، شُبِّهَ بِالمَرَضِ بِوَجْهِ سُوءِ عاقِبَتِهِ عَلَيْهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] في أوَّلِ البَقَرَةِ.

وأشارُوا بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، وقَدْ جَرَتِ الإشارَةُ عَلى غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّهم مَذْكُورُونَ في حَدِيثِهِمْ أوْ مُسْتَحْضَرُونَ في أذْهانِهِمْ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ الحاضِرِ المُشاهِدِ لَهم وهم يَتَعارَفُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الإشارَةِ في حَدِيثِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.

و(الغُرُورُ): الإيقاعُ في المَضَرَّةِ بِإيهامِ المَنفَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(الدِّينُ) هو الإسْلامُ. وإسْنادُهُمُ الغُرُورَ إلى الدِّينِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآيَةَ، أيْ غَرَّهم ذَلِكَ فَخَرَجُوا وهم عَدَدٌ …

Al-Anfaal 8:49Listen in Qur'an →
50

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved... They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

لَمّا وُفِّيَ وصْفُ حالِ المُشْرِكِينَ حَقَّهُ، وفُصِّلَتْ أحْوالُ هَزِيمَتِهِمْ بِبَدْرٍ، وكَيْفَ أمْكَنَ اللَّهُ مِنهُمُ المُسْلِمِينَ، عَلى ضَعْفِ هَؤُلاءِ وقُوَّةِ أُولَئِكَ، بِما شاهَدَهُ كُلُّ حاضِرٍ حَتّى لَيُوقِنُ السّامِعُ أنَّ ما نالَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ إنَّما هو خِذْلانٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، وإيذانٌ بِأنَّهم لاقُونَ هَلاكَهم ما دامُوا مُناوِئِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ - انْتُقِلَ إلى وصْفِ ما لَقِيَهُ مِنَ العَذابِ مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، مِمّا هو مُغَيَّبٌ عَنِ النّاسِ، لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ ويَرْتَدِعَ الكافِرُونَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَمامِ الخَبَرِ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ.

صفحة ٤٠

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا: جَمِيعَ الكافِرِينَ حَمْلًا لِلْمَوْصُولِ عَلى مَعْنى العُمُومِ. فَتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا مُسْتَطْرَدًا في خِلالِ القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ وصْفِ ما لَقِيَهُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، الَّذِي عُجِّلَ لَهم فِيهِ عَذابُ المَوْتِ.

وابْتُدِئَ الخَبَرُ بِـ ”ولَوْ تَرى“ مُخاطَبًا بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، أيْ: لَوْ تَرى أيُّها السّامِعُ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهَذا الخَبَرِ خُصُوصَ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى يُحْمَلَ الخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ، بَلْ غَيْرُ النَّبِيءِ أوْلى بِهِ مِنهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يُطْلِعَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ كَما أراهُ الجَنَّةَ في عَرْضِ الحائِطِ.

ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكِي يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ مَضى، يَكُنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولَوْ رَأيْتَ إذْ تَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ. فالإتْيانُ بِالمُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ مَكانَ الماضِي: لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ، وهي حالَةُ ضَرْبِ الوُجُوهِ والأدْبارِ، لِيُخَيَّلَ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُشاهِدُ تِلْكَ الحالَةَ، وإنْ كانَ المُرادُ المُشْرِكِينَ حَيْثُما كانُوا كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجِيبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَوَفّى“ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”تَتَوَفّى“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ رَعْيًا لِصُورَةِ جَمْعِ المَلائِكَةِ.

والتَّوَفِّي: الإماتَةُ سُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأنَّها تُنْهِي حَياةَ المَرْءِ أوْ تَسْتَوْفِيها ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]

وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضَ أرْواحِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ يَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، أيْ: يَزِيدُهُمُ المَلائِكَةُ تَعْذِيبًا عِنْدَ نَزْعِ أرْواحِهِمْ. وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَوَفّى“ إنْ كانَ المُرادُ بِالتَّوَفِّي تَوَفِّيًا يَتَوَفّاهُ المَلائِكَةُ الكافِرِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”يَضْرِبُونَ“ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لا مَوْقِعَ لَها مَعَ الَّتِي قَبْلَها، إلّا أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ ويَقُولُونَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى …

Al-Anfaal 8:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.