Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 75

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

They ask you, [O Muhammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allah and the Messenger." So fear Allah and amend that which is between you and obey Allah and His Messenger, if you should be believers.

صفحة ٢٤٨

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعْلَمُوا ماذا يَكُونُ في شَأْنِ المُسَمّى عِنْدَهُمُ الأنْفالَ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّهم حاوَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن يَتَكَلَّمُ بِصَرِيحِ السُّؤالِ، ومِنهم مَن يُخاصِمُ أوْ يُجادِلُ غَيْرَهُ بِما يُؤْذِنُ حالُهُ بِأنَّهُ يَتَطَلَّبُ فَهْمًا في هَذا الشَّأْنِ، وقَدْ تَكَرَّرَتِ الحَوادِثُ يَوْمَئِذٍ: فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ أصَبْتُ سَيْفًا لِسَعِيدِ بْنِ العاصِي فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيءَ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِيهِ فَقالَ: ضَعْهُ في القَبَضِ، ثُمَّ قُلْتُ نَفِّلْنِيهِ فَقالَ: ضَعْهُ حَيْثُ أخَذْتَهُ، ثُمَّ قُلْتُ نَفِّلْنِيهِ فَقالَ ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ»، فَنَزَلَتْ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ، وسِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأنْفالِ فَقالَ: فِينا مَعْشَرَ أصْحابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ فانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا حِينَ ساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا فَرَدَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَقَسَمَهُ بَيْنَنا عَلى بَواءٍ» . يَقُولُ عَلى السَّواءِ، ورَوى أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ذَهَبَ الشُّبّانُ لِلْقِتالِ وجَلَسَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ فَلَمّا كانَتِ الغَنِيمَةُ جاءَ الشُّبّانُ يَطْلُبُونَ نَفَلَهم فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُونَ عَلَيْنا فَإنّا كُنّا تَحْتَ الرّاياتِ ولَوِ انْهَزَمْتُمْ لَكُنّا رِدْءًا لَكم. واخْتَصَمُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ.

والسُّؤالُ حَقِيقَتُهُ الطَّلَبُ، فَإذا عُدِّيَ بِعْنَ فَهو طَلَبُ مَعْرِفَةِ المَجْرُورِ بِعْنَ وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ فَهو طَلَبُ إعْطاءِ الشَّيْءِ، فالمَعْنى هُنا: يَسْألُونَكَ مَعْرِفَةَ الأنْفالِ، أيْ مَعْرِفَةَ حَقِّها فَهو مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِاسْمِ ذاتٍ والمُرادُ حالُها بِحَسَبِ القَرِينَةِ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وإنَّما سَألُوا عَنْ حُكْمِها صَراحَةً وضِمْنًا في ضِمْنِ سُؤالِهِمُ الأثَرَةَ بِبَعْضِها.

ومَجِيءُ الفِعْلِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ دالٌّ عَلى تَكَرُّرِ السُّؤالِ، إمّا بِإعادَتِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى مِن سائِلَيْنِ مُتَعَدِّدَيْنِ، وإمّا بِكَثْرَةِ السّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ المُحاوَرَةِ في مَوْقِفٍ واحِدٍ.

ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ يَسْألُونَكَ مُؤْذِنًا بِتَنازُعٍ بَيْنَ الجَيْشَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الأنْفالِ، وقَدْ كانَتْ لَهم عَوائِدُ مُتَّبَعَةٌ في الجاهِلِيَّةِ في الغَنائِمِ والأنْفالِ أرادُوا العَمَلَ بِها وتَخالَفُوا في شَأْنِها فَسَألُوا

صفحة ٢٤٩

وضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِ إلى مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّبِيءِ وبَيْنَ السّامِعِينَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ.

والأنْفالُ جَمْعُ نَفَلَ - بِالتَّحْرِيكِ - والنَّفَلُ مُشْتَقٌّ مِنَ النّافِلَةِ وهي الزِّيادَةُ في العَطاءِ، وقَدْ أطْلَقَ العَرَبُ في القَدِيمِ الأنْفالَ عَلى الغَنائِمِ في الحَرْبِ كَأنَّهُمُ اعْتَبَرُوها زِيادَةً عَلى المَقْصُودِ مِنَ الحَرْبِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنَ الحَرْبِ هو إبادَةُ الأعْداءِ، ولِذَلِكَ رُبَّما كانَ صَنادِيدُهم يَأْبَوْنَ أخْذَ الغَنائِمِ كَما قالَ …

2

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

The believers are only those who, when Allah is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ تَقْوى اللَّهِ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ وطاعَتِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ ”إنَّما“ مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمِلَ المُتَّصِفِينَ بِهِ عَلى الِامْتِثالِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الأمْرِ الثَّلاثِ السّابِقَةِ،

صفحة ٢٥٥

وقَدِ اقْتَضى ظاهِرُ القِصَرِ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ أنَّ مَن لَمْ يَجِلْ قَلْبُهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ، ولَمْ تَزِدْهُ تِلاوَةُ آياتِ اللَّهِ إيمانًا مَعَ إيمانِهِ، ولَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، ولَمْ يُقِمِ الصَّلاةَ، ولَمْ يُنْفِقْ، لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَهَذا ظاهِرٌ مُؤَوَّلٌ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ لا يَنْقُضُهُ الإخْلالُ بِبَعْضِ الواجِباتِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] فَتَعَيَّنَ أنَّ القَصْرَ ادِّعائِيٌّ بِتَنْزِيلِ الإيمانِ الَّذِي عُدِمَ الواجِباتِ العَظِيمَةَ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وهو قَصْرٌ مَجازِيٌّ لِابْتِنائِهِ عَلى التَّشْبِيهِ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ: شُبِّهَ الجانِبُ المَنفِيُّ في صِيغَةِ القَصْرِ بِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وطُوِيَ ذِكْرُ المُشَبَّهِ بِهِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِذِكْرِ لازِمِهِ وهو حَصْرُ الإيمانِ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي لَمْ يَتَّصِفْ بِها المُشَبَّهُ بِهِ، ويُؤَوَّلُ هَذا إلى مَعْنى: إنَّما المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ الإيمانِ، فالتَّعْرِيفُ في ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ قَصْرًا ادِّعائِيًّا عَلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ مُبالَغَةً، وحَرْفُ ”ال“ فِيهِ هو ما يُسَمّى بِالدّالَّةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ.

وقَدْ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ سائِلٍ يُثِيرُهُ الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] بِأنْ يَتَساءَلُوا عَنْ هَذا الِاشْتِراطِ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ مِن قَبْلُ، وهَلْ يُمْتَرى في أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَيُجابُوا بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ، فَيَعْلَمُوا أنَّ الإيمانَ المَجْعُولَ شَرْطًا هو الإيمانُ الكامِلُ فَتَنْبَعِثَ نُفُوسُهم إلى الِاتِّسامِ بِهِ والتَّباعُدِ عَنْ مَوانِعِ زِيادَتِهِ.

وإذْ قَدْ كانَ الِاحْتِمالانِ غَيْرَ مُتَنافِيَيْنِ صَحَّ تَحْمِيلُ الآيَةِ إيّاهُما تَوْفِيرًا لِمَعانِي الكَلامِ المُعْجِزِ، فَإنَّ عِلَّةَ الشَّيْءِ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ، وإنَّ بَيانَ العِلَّةِ مِمّا يَصِحُّ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.

وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ وقَعَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِاسْتِغْنائِها عَنِ الرَّبْطِ وإنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُ الِاسْتِغْناءِ بِاخْتِلافِ الِاحْتِمالَيْنِ، والِاعْتِباراتُ البَلاغِيَّةُ يَصِحُّ تَعَدُّدُ أسْبابِها في المَوْقِعِ الواحِدِ لِأنَّها اعْتِباراتٌ مَعْنَوِيَّةٌ ولَيْسَتْ كَيْفِيّاتٍ لَفْظِيَّةً فَتَحَقَّقْهُ حَقَّ تَحَقُّقِهِ.

والمَعْنى لَيْسَ المُؤْمِنُونَ الكامِلُ إيمانُهم إلّا أصْحابَ هَذِهِ الصِّلَةِ الَّتِي يَعْرِفُ المُتَّصِفُ بِها تَحَقُّقَها فِيهِ أوْ عَدَمَهُ مِن عَرْضِ نَفْسِهِ عَلى حَقِيقَتِها، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكَلامُ وارِدًا

صفحة ٢٥٦

مَوْرِدَ الأمْرِ بِالتَّخَلُّقِ بِما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ أُحِيلُوا في مَعْرِفَةِ أماراتِ هَذا التَّخَلُّقِ عَلى صِفاتٍ يَأْنَسُونَها مِن أنْفُسِهِمْ …

3

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

صفحة ٢٦٠

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وصْفُهم بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُنْفِقُونَ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ جاءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، كَما أُعِيدَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ، في وصْفِهِمْ، إلى غَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي اجْتُلِبَ المَوْصُولُ الأوَّلُ لِأجْلِهِ، وهو هُنا غَرَضُ مُحافَظَتِهِمْ عَلى رُكْنَيِ الإيمانِ: وهُما إقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، فَلا عَلاقَةَ لِلصِّلَةِ المَذْكُورَةِ هُنا بِأحْكامِ الأنْفالِ والرِّضى بِقَسْمِها، ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ المَدْحِ، وعَبَّرَ في جانِبِ الصَّلاةِ بِالإقامَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ في يُقِيمُونَ ويُنْفِقُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ.

واعْلَمْ أنَّ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ في الخَبَرِ بِالصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، الَّتِي مَوْصُولُها خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ أنْ تُعْتَبَرَ خَبَرًا بِعِدَّةِ أشْياءَ فَهي بِمَنزِلَةِ أخْبارٍ مُتَكَرِّرَةٍ، ومُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ في الأخْبارِ المُتَعَدِّدَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يُعْتَبَرُ خَبَرًا مُسْتَقِلًّا عَنِ المُبْتَدَأِ فَلِذَلِكَ تَكُونُ كُلُّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ بِمَنزِلَةِ خَبَرٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ وهي مَحْصُورٌ فِيها المُؤْمِنُونَ أيْ حالُهم فَيَكُونُ المَعْنى، ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] . وهَكَذا فَمَتى اخْتَلَّتْ صِفَةٌ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ اخْتَلَّ وصْفُ الإيمانِ عَنْ صاحِبِها، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَصْرِ المُبالِغَةَ الآيِلَةَ إلى مَعْنى قَصْرِ الإيمانِ الكامِلِ عَلى صاحِبِ كُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ، وعَلى صاحِبِ الخِبْرَيْنِ، لِظُهُورِ أنَّ أصْلَ الإيمانِ لا يُسْلَبُ مَن أحَدٍ ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَلا يَجِلُ قَلْبُهُ فَإنَّ أدِلَّةً قَطْعِيَّةً مَن أصُولُ الدِّينِ تُنافِي هَذا الِاحْتِمالَ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ ”المُؤْمِنُونَ“ عَلى إرادَةِ أصْحابِ الإيمانِ الكامِلِ.

4

أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٢] إلى آخِرِها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.

صفحة ٢٦١

وعُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ صِفاتٍ لِتَدُلَّ الإشارَةُ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ المُسْنَدِ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ، فَكَأنَّ المُخْبَرَ عَنْهم قَدْ تَمَيَّزُوا لِلسّامِعِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَصارُوا بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِمْ.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ قَصْرٌ آخَرُ يُشْبِهُ القَصْرَ الَّذِي قَوْلُهُ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] حَيْثُ قُصِرَ الإيمانُ مَرَّةً أُخْرى عَلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّفاتِ ولَكِنَّهُ قُرِنَ هُنا بِما فِيهِ بَيانُ المَقْصُورِ وهو أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الأحِقّاءُ بِوَصْفِ الإيمانِ.

والحَقُّ أصْلُهُ مَصْدَرُ حَقَّ بِمَعْنى ثَبَتَ، واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ لِلشَّيْءِ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. قالَ - تَعالى - ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .

ويُطْلَقُ كَثِيرًا، عَلى الكامِلِ في نَوْعِهِ، الَّذِي لا سُتْرَةَ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ نَوْعِهِ فِيهِ، كَما يَقُولُ أحَدٌ لِابْنِهِ البارِّ بِهِ: أنْتَ ابْنِي حَقًّا، ولَيْسَ يُرِيدُ أنَّ غَيْرَهُ مِن أبْنائِهِ لَيْسُوا بِرَشَدَةٍ ولَكِنَّهُ يُرِيدُ أنْتَ بُنُوَّتُكَ واضِحَةٌ وآثارُها، ويُطْلَقُ الحَقُّ عَلى الصَّوابِ والحِكْمَةِ فاسْمُ الحَقِّ يَجْمَعُ مَعْنى كَمالِ النَّوْعِ.

ولِكُلِّ صِيغَةِ قَصْرٍ: مَنطُوقٌ ومَفْهُومٌ، فَمَنطُوقُها هُنا أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّلاتُ هم مُؤْمِنُونَ حَقًّا، ومَفْهُومُها أنَّ مَنِ انْتَفى عَنْهُ أحَدُ مَدْلُولاتِ تِلْكَ الصِّلاتِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَقًّا أيْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كامِلًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ إحْداها كانَ مُؤْمِنًا كامِلًا، إذا لَمْ يَتَّصِفْ بِبَقِيَّةِ خِصالِ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ، فَمَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا: أنَّ مَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَقًّا أيْ كامِلًا.

وهَذا تَأْوِيلٌ لِلْكَلامِ دَعا إلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ عَدِيدِ الأدِلَّةِ الوارِدَةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِن ثُبُوتِ وصْفِ الإيمانِ لِكُلِّ مَن أيْقَنَ بِأنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى النّاسِ كافَّةً، فَتِلْكَ الأدِلَّةُ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ المُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّ الإخْلالَ بِالواجِباتِ الدِّينِيَّةِ لا يَسْلِبُ صِفَةَ الإيمانِ والإسْلامِ عَنْ صاحِبِهِ، فَلَيْسَ حَمْلُ القَصْرِ عَلى الِادِّعائِي هُنا مُجَرَّدُ صُنْعِ اليَدِ، أوْ ذَهابٍ مَعَ الهَوى، عَلى أنَّ شَأْنَ الِاتِّصافِ بِبَعْضِ صِفاتِ الفَضائِلِ أنْ يَتَناسَقَ مَعَ نَظائِرِها فَمَن كانَ بِحَيْثُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَ قَلْبُهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ زادَتْهُ إيمانًا، فَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى القَصْرَيْنِ.

صفحة ٢٦٢

ومِمّا يَزِيدُ هَذا المَعْنى وُضُوحًا ما رَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ الحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِلْحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ ”يا حارِثُ كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. قالَ: اعْلَمْ ما تَقُولُ - أوِ انْظُرْ ما تَقُولُ - إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ ؟ قالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا …

5

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ

[It is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾

تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، إمّا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هو اسْمُ إشارَةٍ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ ما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَراهِيَةُ المُؤْمِنِينَ في بادِئِ الأمْرِ لِما هو خَيْرٌ لَهم في الواقِعِ

صفحة ٢٦٤

وإمّا بِتَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِفِعْلِ الِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ بِالمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] إذِ التَّقْدِيرُ: اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ اسْتِقْرارًا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، أيْ فِيما يَلُوحُ إلى الكَراهِيَةِ والِامْتِعاضِ في بادِئِ الأمْرِ، ثُمَّ نَوالِهِمُ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ في نِهايَةِ الأمْرِ، فالتَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيٌّ ولَيْسَ مُراعًى فِيهِ تَشْبِيهُ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، أيْ أنَّ ما كَرِهْتُمُوهُ مِن قِسْمَةِ الأنْفالِ عَلى خِلافِ مُشْتَهاكم سَيَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ لَكم، حَسَبَ عادَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ما في الكَلامِ مِن مَعْنى مُخالَفَةِ مُشْتَهاهم قَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] كَما تَقَدَّمَ، مَعَ قَوْلِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ .

فَجُمْلَةُ وإنَّ فَرِيقًا في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها أخْرَجَكَ رَبُّكَ، هَذا وجْهُ اتِّصالِ كافِ التَّشْبِيهِ بِما قَبْلَها عَلى الأظْهَرِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَتِ العِشْرِينَ قَدِ اسْتَقْصاها ابْنُ عادِلٍ، وهي لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وبَعْضُها مُتَّحِدُ المَعْنى، وبَعْضُها مُخْتَلِفُهُ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا وتَقْدِيرُهُ بَعِيدٌ مِنهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الأُسْلُوبِ: الِانْتِقالُ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ وما ظَهَرَ فِيهِ مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ.

وما مَصْدَرِيَّةٌ. والإخْراجُ: إمّا مُرادٌ بِهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ لِلْغَزْوِ، وإمّا تَقْدِيرُ الخُرُوجِ لَهم وتَيْسِيرُهُ.

والخُرُوجُ مُفارَقَةُ المَنزِلِ والبَلَدِ إلى حِينِ الرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خُرِجَ مِنهُ، أوْ إلى حِينِ البُلُوغِ إلى المَوْضِعِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ.

والإخْراجُ مِنَ البَيْتِ: هو الإخْراجُ المُعَيَّنُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ غازِيًا إلى بَدْرٍ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ إخْراجًا مُصاحِبًا لِلْحَقِّ، والحَقُّ هُنا الصَّوابُ، لِما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّ اسْمَ الحَقِّ جامِعٌ لِمَعْنى كَمالِ كُلِّ شَيْءٍ في مَحامِدِ نَوْعِهِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ إلى المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ أمْرًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ في حالِ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ الخُرُوجَ.

صفحة ٢٦٥

وقَدْ أشارَ هَذا الكَلامُ إلى السَّبَبِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ المُسْلِمِينَ إلى بَدْرٍ، فَكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ يَوْمُ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في أوائِلِ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ أنْ قَفَلَتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ وتِجارَةٌ لَهم مِن بِلادِ الشّامِ، راجِعَةً إلى مَكَّةَ، وفِيها أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ …

6

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾

تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، إمّا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هو اسْمُ إشارَةٍ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ ما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَراهِيَةُ المُؤْمِنِينَ في بادِئِ الأمْرِ لِما هو خَيْرٌ لَهم في الواقِعِ

صفحة ٢٦٤

وإمّا بِتَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِفِعْلِ الِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ بِالمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] إذِ التَّقْدِيرُ: اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ اسْتِقْرارًا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، أيْ فِيما يَلُوحُ إلى الكَراهِيَةِ والِامْتِعاضِ في بادِئِ الأمْرِ، ثُمَّ نَوالِهِمُ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ في نِهايَةِ الأمْرِ، فالتَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيٌّ ولَيْسَ مُراعًى فِيهِ تَشْبِيهُ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، أيْ أنَّ ما كَرِهْتُمُوهُ مِن قِسْمَةِ الأنْفالِ عَلى خِلافِ مُشْتَهاكم سَيَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ لَكم، حَسَبَ عادَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ما في الكَلامِ مِن مَعْنى مُخالَفَةِ مُشْتَهاهم قَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] كَما تَقَدَّمَ، مَعَ قَوْلِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ .

فَجُمْلَةُ وإنَّ فَرِيقًا في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها أخْرَجَكَ رَبُّكَ، هَذا وجْهُ اتِّصالِ كافِ التَّشْبِيهِ بِما قَبْلَها عَلى الأظْهَرِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَتِ العِشْرِينَ قَدِ اسْتَقْصاها ابْنُ عادِلٍ، وهي لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وبَعْضُها مُتَّحِدُ المَعْنى، وبَعْضُها مُخْتَلِفُهُ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا وتَقْدِيرُهُ بَعِيدٌ مِنهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الأُسْلُوبِ: الِانْتِقالُ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ وما ظَهَرَ فِيهِ مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ.

وما مَصْدَرِيَّةٌ. والإخْراجُ: إمّا مُرادٌ بِهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ لِلْغَزْوِ، وإمّا تَقْدِيرُ الخُرُوجِ لَهم وتَيْسِيرُهُ.

والخُرُوجُ مُفارَقَةُ المَنزِلِ والبَلَدِ إلى حِينِ الرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خُرِجَ مِنهُ، أوْ إلى حِينِ البُلُوغِ إلى المَوْضِعِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ.

والإخْراجُ مِنَ البَيْتِ: هو الإخْراجُ المُعَيَّنُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ غازِيًا إلى بَدْرٍ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ إخْراجًا مُصاحِبًا لِلْحَقِّ، والحَقُّ هُنا الصَّوابُ، لِما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّ اسْمَ الحَقِّ جامِعٌ لِمَعْنى كَمالِ كُلِّ شَيْءٍ في مَحامِدِ نَوْعِهِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ إلى المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ أمْرًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ في حالِ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ الخُرُوجَ.

صفحة ٢٦٥

وقَدْ أشارَ هَذا الكَلامُ إلى السَّبَبِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ المُسْلِمِينَ إلى بَدْرٍ، فَكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ يَوْمُ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في أوائِلِ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ أنْ قَفَلَتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ وتِجارَةٌ لَهم مِن بِلادِ الشّامِ، راجِعَةً إلى مَكَّةَ، وفِيها أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ …

7

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ

[Remember, O believers], when Allah promised you one of the two groups - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allah intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

صفحة ٢٦٩

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ [الأنفال: ٥] عَطْفُ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَيَكُونَ المَعْطُوفُ مُشَبَّهًا بِهِ التَّشْبِيهُ المُفادُ بِالكافِ، والمَعْنى: كَإخْراجِكَ اللَّهُ مِن بَيْتِكَ، وكَوَقْتِ ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ الآيَةَ. واسْمُ الزَّمانِ إذا أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ كانَتِ الجُمْلَةُ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَتُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَوَقْتِ وعْدِ اللَّهِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَ ”إذِ“ اسْمُ زَمانٍ مُتَصَرِّفٌ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى مَجْرُورِ كافِ التَّشْبِيهِ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”إذْ“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفٍ شَأْنَ ”إذِ“ الواقِعَةِ في مُفْتَتَحِ القَصَصِ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةِ الأمْرِ المُقَدَّرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] والمُناسَبَةُ هي أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ فِيهِ تَوْقِيفُهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ وأنَّ ما كَرِهُوهُ هو الخَيْرُ لَهم.

والطّائِفَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُمْلَةُ أنَّها لَكم في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: يَعِدُكم مَصِيرَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لَكم، أيْ كَوْنُها مُعْطاةً لَكم، وهو إعْطاءُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْها بَيْنَ قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ.

واللّامُ لِلْمِلْكِ وهو هُنا مِلْكٌ عُرْفِيٌّ، كَما يَقُولُونَ كانَ يَوْمُ كَذا لِبَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ، فَيُعْرَفُ أنَّهُ كانَ لَهم غَلَبَةَ حَرْبٍ وهي بِالقَتْلِ والأسْرِ والغَنِيمَةِ.

”وتَوَدُّونَ“ إمّا عَطْفٌ عَلى ”يَعِدُكم“ أيْ إذْ يَقَعُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ والوُدُّ مِنكم، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ، أيْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ في حالِ وُدِّكم لِقاءَ الطّائِفَةِ غَيْرِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهَذا الوُدُّ هو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ الَّذِي أفادَهُ عَطْفُ ”وإذْ يَعِدُكم“ مَجْرُورِ الكافِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] فَهو مِمّا شُبِّهَ

صفحة ٢٧٠

بِهِ حالُ سُؤالِهِمْ عَنِ الأنْفالِ سُؤالًا مَشُوبًا بِكَراهِيَةِ صَرْفِ الأنْفالِ عَنِ السّائِلَيْنِ عَنْها الرّائِمِينَ أخْذَها.

والوُدُّ المَحَبَّةُ، وذاتُ الشَّوْكَةِ صاحِبَةُ الشَّوْكَةِ، ووَقَعَ ”ذاتَ“ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ الطّائِفَةُ غَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ، أيِ الطّائِفَةُ الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ القِتالَ.

والشَّوْكَةُ أصْلُها الواحِدَةُ مِنَ الشَّوْكِ وهو ما يَخْرُجُ في بَعْضِ النَّباتِ مِن أعْوادٍ دَقِيقَةٍ تَكُونُ مُحَدَّدَةَ الأطْرافِ كالإبَرِ، فَإذا نَزَغَتْ جِلْدَ الإنْسانِ أدْمَتْهُ أوْ آلَمَتْهُ، وإذا عَلِقَتْ بِثَوْبٍ أمْسَكَتْهُ، وذَلِكَ مِثْلُ ما في ورَقِ العَرْفَجِ، ويُقالُ هَذِهِ شَجَرَةٌ شائِكَةٌ، ومِنَ الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ الشَّرِّ قَوْلُهم ”إنَّ العَوْسَجَ قَدْ أوْرَقَ“، وشَوْكَةُ العَقْرَبِ البَضْعَةُ الَّتِي في ذَنَبِها تَلْسَعُ بِها.

وشاعَ اسْتِعارَةُ الشَّوْكَةِ لِلْبَأْسِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو شَوْكَةٍ، أيْ ذُو بَأْسٍ يُتَّقى، كَما يُسْتَعارُ القَرْنُ لِلْبَأْسِ في قَوْلِهِمْ: أبْدى قَرْنَهُ، والنّابُ أيْضًا في قَوْلِهِمْ: كَشَّرَ عَنْ نابِهِ، وذَلِكَ …

8

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

صفحة ٢٦٩

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ [الأنفال: ٥] عَطْفُ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَيَكُونَ المَعْطُوفُ مُشَبَّهًا بِهِ التَّشْبِيهُ المُفادُ بِالكافِ، والمَعْنى: كَإخْراجِكَ اللَّهُ مِن بَيْتِكَ، وكَوَقْتِ ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ الآيَةَ. واسْمُ الزَّمانِ إذا أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ كانَتِ الجُمْلَةُ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَتُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَوَقْتِ وعْدِ اللَّهِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَ ”إذِ“ اسْمُ زَمانٍ مُتَصَرِّفٌ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى مَجْرُورِ كافِ التَّشْبِيهِ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”إذْ“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفٍ شَأْنَ ”إذِ“ الواقِعَةِ في مُفْتَتَحِ القَصَصِ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةِ الأمْرِ المُقَدَّرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] والمُناسَبَةُ هي أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ فِيهِ تَوْقِيفُهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ وأنَّ ما كَرِهُوهُ هو الخَيْرُ لَهم.

والطّائِفَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُمْلَةُ أنَّها لَكم في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: يَعِدُكم مَصِيرَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لَكم، أيْ كَوْنُها مُعْطاةً لَكم، وهو إعْطاءُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْها بَيْنَ قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ.

واللّامُ لِلْمِلْكِ وهو هُنا مِلْكٌ عُرْفِيٌّ، كَما يَقُولُونَ كانَ يَوْمُ كَذا لِبَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ، فَيُعْرَفُ أنَّهُ كانَ لَهم غَلَبَةَ حَرْبٍ وهي بِالقَتْلِ والأسْرِ والغَنِيمَةِ.

”وتَوَدُّونَ“ إمّا عَطْفٌ عَلى ”يَعِدُكم“ أيْ إذْ يَقَعُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ والوُدُّ مِنكم، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ، أيْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ في حالِ وُدِّكم لِقاءَ الطّائِفَةِ غَيْرِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهَذا الوُدُّ هو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ الَّذِي أفادَهُ عَطْفُ ”وإذْ يَعِدُكم“ مَجْرُورِ الكافِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] فَهو مِمّا شُبِّهَ

صفحة ٢٧٠

بِهِ حالُ سُؤالِهِمْ عَنِ الأنْفالِ سُؤالًا مَشُوبًا بِكَراهِيَةِ صَرْفِ الأنْفالِ عَنِ السّائِلَيْنِ عَنْها الرّائِمِينَ أخْذَها.

والوُدُّ المَحَبَّةُ، وذاتُ الشَّوْكَةِ صاحِبَةُ الشَّوْكَةِ، ووَقَعَ ”ذاتَ“ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ الطّائِفَةُ غَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ، أيِ الطّائِفَةُ الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ القِتالَ.

والشَّوْكَةُ أصْلُها الواحِدَةُ مِنَ الشَّوْكِ وهو ما يَخْرُجُ في بَعْضِ النَّباتِ مِن أعْوادٍ دَقِيقَةٍ تَكُونُ مُحَدَّدَةَ الأطْرافِ كالإبَرِ، فَإذا نَزَغَتْ جِلْدَ الإنْسانِ أدْمَتْهُ أوْ آلَمَتْهُ، وإذا عَلِقَتْ بِثَوْبٍ أمْسَكَتْهُ، وذَلِكَ مِثْلُ ما في ورَقِ العَرْفَجِ، ويُقالُ هَذِهِ شَجَرَةٌ شائِكَةٌ، ومِنَ الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ الشَّرِّ قَوْلُهم ”إنَّ العَوْسَجَ قَدْ أوْرَقَ“، وشَوْكَةُ العَقْرَبِ البَضْعَةُ الَّتِي في ذَنَبِها تَلْسَعُ بِها.

وشاعَ اسْتِعارَةُ الشَّوْكَةِ لِلْبَأْسِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو شَوْكَةٍ، أيْ ذُو بَأْسٍ يُتَّقى، كَما يُسْتَعارُ القَرْنُ لِلْبَأْسِ في قَوْلِهِمْ: أبْدى قَرْنَهُ، والنّابُ أيْضًا في قَوْلِهِمْ: كَشَّرَ عَنْ نابِهِ، وذَلِكَ …

9

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ

[Remember] when you asked help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ﴾ يَتَعَلَّقُ ظَرْفُ ”إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم“ بِفِعْلِ ”يُرِيدُ اللَّهُ“ لِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ مُسْتَمِرٌّ تَعَلُّقُها

صفحة ٢٧٤

بِأزْمِنَةٍ مِنها زَمانُ اسْتِغاثَةِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ رَبَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ، حِينَ لِقائِهِمْ مَعَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكانَتِ اسْتِجابَةُ اللَّهِ لَهم بِإمْدادِهِمْ بِالمَلائِكَةِ، مِن مَظاهِرِ إرادَتِهِ تَحْقِيقَ الحَقِّ فَكانَتْ الِاسْتِغاثَةُ يَوْمَ القِتالِ في بَدْرٍ وإرادَةُ اللَّهِ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ حَصَلَتْ في المَدِينَةِ يَوْمَ وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، ورَشَّحَ لَهم أنْ تَكُونَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ذاتَ الشَّوْكَةِ، وبَيْنَ وقْتِ الإرادَةِ ووَقْتِ الِاسْتِغاثَةِ مُدَّةُ أيّامٍ، ولَكِنْ لَمّا كانَتِ الإرادَةُ مُسْتَمِرَّةً إلى حِينِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ صَحَّ تَعْلِيقُ ظَرْفِ الِاسْتِغاثَةِ بِفِعْلِها، لِأنَّهُ اقْتِرانٌ بِبَعْضِها في امْتِدادِها، وهَذا أحْسَنُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها في مُتَعَلِّقٍ هَذا الظَّرْفِ أوْ مَوْقِعِهِ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «نَظَرَ نَبِيءُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفَ وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فاسْتَقْبَلَ نَبِيءُ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ ألْتَزِمُهُ مِن ورائِهِ فَقالَ يا نَبِيءَ اللَّهِ كَفاكَ مُناشَدَةَ رَبِّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ» أيْ فَأنْزَلَ اللَّهُ في حِكايَةِ تِلْكَ الحالَةِ. وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ ضَمِيرُ ”تَسْتَغِيثُونَ“ مُرادًا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو لِأجْلِهِمْ، ولِأنَّهُ كانَ مُعْلِنًا بِدُعائِهِ وهم يَسْمَعُونَهُ، فَهم بِحالِ مَن يَدْعُونَ، وقَدْ جاءَ في السِّيرَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا نَزَلُوا بِبَدْرٍ ورَأوْا كَثْرَةَ المُشْرِكِينَ اسْتَغاثُوا اللَّهَ - تَعالى - فَتَكُونُ الِاسْتِغاثَةُ في جَمِيعِ الجَيْشِ والضَّمِيرُ شامِلًا لَهم.

والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو الإعانَةُ عَلى رَفْعِ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ ولَمّا كانُوا يَوْمَئِذٍ في شِدَّةٍ ودَعَوْا بِطَلَبِ النَّصْرِ عَلى العَدُوِّ القَوِيِّ كانَ دُعاؤُهُمُ اسْتِغاثَةً.

فاسْتَجابَ لَكم أيْ وعَدَكم بِالإغاثَةِ.

وفِعْلُ اسْتَجابَ يَدُلُّ عَلى قَبُولِ الطَّلَبِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ تَحْقِيقُ المَطْلُوبِ

صفحة ٣٧٥

وقَوْلُهُ ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ هو الكَلامُ المُسْتَجابُ بِهِ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِأنَّ أصْلَهُ بِأنِّي مُمِدُّكم أيْ فَحَذَفَ الجارَ وسَلَّطَ عَلَيْهِ اسْتَجابَ فَنَصَبَ مَحَلَّهُ.

وأرى أنَّ حَرْفَ أنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةَ النُّونِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أنْ تَكُونَ مُفِيدَةً لِلتَّفْسِيرِ مَعَ التَّأْكِيدِ كَما كانَتْ تُفِيدُ مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ. …

10

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

And Allah made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allah. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى ”أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ“ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ ”جَعَلَهُ“ عائِدٌ إلى القَوْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم“ أيْ ما جَعَلَ جَوابَكم بِهَذا الكَلامِ إلّا لِيُبَشِّرَكم، وإلّا فَقَدْ كانَ يَكْفِيكم أنْ يَضْمَنَ لَكُمُ النَّصْرَ دُونَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ بِإمْدادٍ مِنَ المَلائِكَةِ.

وفائِدَةُ التَّبْشِيرِ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ في أوَّلِ يَوْمٍ لَقِيَ فِيهِ المُسْلِمُونَ عَدُوًّا قَوِيًّا وجَيْشًا عَدِيدًا، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِكَيْفِيَّةِ النَّصْرِ الَّذِي ضَمِنَهُ لَهم بِأنَّهُ بِجَيْشٍ مِنَ المَلائِكَةِ، لِأنَّ النُّفُوسَ أمْيَلُ إلى المَحْسُوساتِ، فالنَّصْرُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي يَدِقُّ إدْراكُهُ وسُكُونُ النَّفْسِ لِتُصَوُّرِهِ بِخِلافِ الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ مِن تَصْوِيرِ مَدَدِ المَلائِكَةِ ورُؤْيَةِ أشْكالِ بَعْضِهِمْ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلّا لِتَعَرُّضٍ لِما بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَرْتِيبِ النَّظْمِ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُورٍ.

أحَدُها أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ ”﴿إلّا بُشْرى لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ وحَذَفَ ”لَكم“ هُنا دَفْعًا لِتَكْرِيرِ لَفْظِهِ لَسَبْقِ كَلِمَةِ ”لَكم“ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ”فاسْتَجابَ لَكم“ فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّ البُشْرى لَهم، فَأغْنَتْ ”لَكُمُ“ الأوْلى، بِلَفْظِها ومَعْناها، عَنْ ذِكْرِ ”لَكم“ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِأنَّ آيَةَ آلِ عِمْرانَ سِيقَتْ مَساقَ الِامْتِنانِ والتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ النَّصْرِ في حِينِ القِلَّةِ والضَّعْفِ، فَكانَ تَقْيِيدُ ”بُشْرى“ بِأنَّها لِأجْلِهِمْ زِيادَةً في المِنَّةِ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بُشْرى لِأجْلِكم كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] وأمّا آيَةُ الأنْفالِ فَهي مَسُوقَةٌ مَساقَ العِتابِ عَلى كَراهِيَةِ الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ في أوَّلِ الأمْرِ، وعَلى اخْتِيارِ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ الَّتِي تُلاقِيهِمْ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، فَجَرَّدَ

صفحة ٢٧٧

بُشْرى عَنْ أنْ يُعَلِّقَ بِهِ ”لَكم“ إذْ كانَتِ البُشْرى لِلنَّبِيءِ ﷺ ومَن لَمْ يَتَرَدَّدُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ.

ثانِيها تَقْدِيمُ المَجْرُورِ هُنا في قَوْلِهِ ”بِهِ قُلُوبُكم“ وهو يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم لا بِغَيْرِهِ، وفي هَذا الِاخْتِصاصِ تَعْرِيضٌ بِما اعْتَراهم مِنَ الوَجَلِ مِنَ الطّائِفَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ وقَناعَتِهِمْ بِغَنْمِ العُرُوضِ الَّتِي كانَتْ مَعَ العِيرِ، فَعَرَّضَ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَتَفَهَّمُوا مُرادَ الرَّسُولِ ﷺ، حِينَ اسْتَشارَهم، وأخْبَرَهم بِأنَّ العِيرَ سَلَكَتْ طَرِيقَ السّاحِلِ فَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الطّائِفَةَ المَوْعُودَ بِها تَمَحَّضَتْ أنَّها طائِفَةُ النَّفِيرِ. وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَظُنُّوا بِوَعْدِ اللَّهِ أكْمَلَ الأحْوالِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَسْكِينَ رَوْعِهِمْ، وعَدَهم بِنُصْرَةِ المَلائِكَةِ عِلْمًا بِأنَّهُ لا يُطَمْئِنُ قُلُوبَهم إلّا ذَلِكَ. وجَعَلَ الفَخْرُ التَّقْدِيمَ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الوَعْدِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّقْدِيمِ لَكِنَّهُ وجَّهَ تَأْخِيرَهُ في آلِ عِمْرانَ بِما هو غَيْرُ مَقْبُولٍ.

ثالِثُها أنَّهُ قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فَصاغَ الصِّفَتَيْنِ العَلِيَّتَيْنِ في صِيغَةِ …

Al-Anfaal 8:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.