Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 31–40 of 75

31

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ ۙ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

Explained together with ayah 29

Al-Anfaal 8:31Listen in Qur'an →
32

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

Explained together with ayah 29

Al-Anfaal 8:32Listen in Qur'an →
33

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

وَتَأمَّلْ قَوْله تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إذا كانَ وُجُودُ بَدَنِهِ وذاتِهِ فِيهِمْ دَفَعَ عَنْهم العَذابَ وهم أعْداؤُهُ، فَكَيْفَ وُجُودُ سِرِّهِ والإيمانِ بِهِ ومَحَبَّتِهِ ووُجُودُ ما جاءَ بِهِ إذا كانَ في قَوْمٍ أوْ كانَ في شَخْصٍ؟

أفَلَيْسَ دَفْعُهُ العَذابَ عَنْهم بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى؟

[فائدة بديعة لام كي ولام الجحود]

(لام كي والجحود) حرفان ماضيان بإضمار أن إلا أن لام كي هي لام العلة فلا يقع فيها إلا فعل يكون علة لما بعدها فإن كان ذلك الفعل منفيا لم يخرجها عن أن تكون لام كي كما ذهب إليه الصيمري لأن معنى العلة فيها باق وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي وذلك من ستة أوجه:

أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كون منفي بشرط المضي، إما ما كان أو لم يكن، لا مستقبلا، فلا تقول ما أكون لأزورك، وتكون زمانية ناقصة لا تامة.

ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول ما كان زيد عندك ليذهب ولا أمس ليخرج.

فهذه أربعة فروق.

والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض أن كان الزمانية عبارة عن زمان ماض فلا يكون علة لحادث ولا يتعدى إلى المفعول من أجله ولا إلى الحال وظروف المكان وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر وهذا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة أو يقع بعدها المجرور أو الظرف

وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو أن الفعل بعد لام الجحود لا يكون فاعله إلا عائدا على اسم كان لأن الفعل بعدها في موضع الخبر فلا تقول ما كان زيد ليذهب عمرو كما تقول يا زيد ليذهب عمرو أو لتذهب أنت ولكن تقول ما كان ليذهب وما كنت لأفعل.

والفرق السادس جواز إظهار (أن) بعد لام كي، ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها، وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فجاء بلام الجحود حيث كان نفيا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل ثم قال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيا من استقبال ومثله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ ثم قال: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ فلاحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك لام العاقبة أو لام الصيرورة.

وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت، فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله.

ونظيره «إنِّي أنْسى لِأسُنَّ»

[ضعيفٌ]

ومن رواه «أُنَسَّى» بالتشديد فقد كشف قناعَ المعنى، وسمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو: لدوا للموت وابنوا للخراب

فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة ومن هو على كل شيء قدير فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء.

Al-Anfaal 8:33Listen in Qur'an →
34

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

(تحقيق معنى الولاية)

قال: ذكر بعضهم أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن ولا يقول: أنا ولي وفرق بينهما فإن الله تعالى أمر من ظهر منه الإيمان أن يسمى مؤمنا قال تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ الآية.

ولم يأمر من ظهر منه ذلك أن يسمى وليا ولا فرق بينهما فإن الله قد وصف الولي بصفة المؤمن فقال: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلاّ المُتَّقُونَ﴾ وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن ولأنه إنما يكون وليا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن.

قلت: هذه حجة من منع قول القائل: أنا مؤمن بدون استثناء كما لا يقول: أنا ولي ومن فرق بينهما أجاب بأنه لا يمكنه العلم بأنه ولي لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل فوليُّ الله هو القريب منه المختص به.

والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع فلا يعلم العبد هل هو ولي الله أم لا وأما الإيمان فهو أن يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ويلتزم أداء فرائضه وترك محارمه وهذا يمكن أن يعلمه من نفسه بل ويعلمه غيره منه.

والذي يظهر لي من ذلك أن ولاية الله تعالى نوعان عامة وخاصة: فالعامة: ولاية كل مؤمن فمن كان مؤمنا لله تقيا كان له وليا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه، ولا يمتنع في هذه الولاية أن يقول: أنا ولي إن شاء الله كما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

والولاية الخاصة: إن علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه مؤثِر له على كل ما سواه في جميع حالاته قد صارت مراضي الله ومحابة هي همه ومتعلق خواطره يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق فهذا إذا قال: أنا ولي الله كان صادقا.

وقد ذهب المحققون في مسألة (أنا مؤمن) إلى هذا التفصيل بعينه فقالوا:

له أن يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يقول: (أنا مؤمن) لأن قوله: (أنا مؤمن) يفيد الإيمان المطلق الكامل الآتي صاحبه بالواجبات، التارك للمحرمات بخلاف قوله: (آمنت بالله) فتأمله.

Al-Anfaal 8:34Listen in Qur'an →
35

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

And their prayer at the House was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved.

قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق".

وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء.

قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء.

وأما التصدية: فهي في اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه.

قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:

؎إذا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ ∗∗∗ صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى والمُكاءُ

وهكذا الأشباه يكون المسلمون في الصلوات الفرض والتطوع، وهم في الصفير والتصفيق.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".

وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.

ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.

فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني.

قال ابن عرفة، وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة.

والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولًا وفعلًا؟

Al-Anfaal 8:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

Explained together with ayah 35

Al-Anfaal 8:36Listen in Qur'an →
37

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[This is] so that Allah may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

Explained together with ayah 35

Al-Anfaal 8:37Listen in Qur'an →
38

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.

(فائدة)

الكُفّارُ المُحارِبُونَ إذا اسْتَوْلَوْا عَلى أمْوالِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أسْلَمُوا كانَتْ لَهُمْ، ولَمْ تُرَدَّ إلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّها أُخِذَتْ في اللَّهِ، وأُجُورُهم فِيها عَلى اللَّهِ لِما أتْلَفَهُ الكُفّارُ مِن دِمائِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، فالشُّهَداءُ لا يُضْمَنُونَ، ولَوْ أسْلَمَ قاتِلُ الشَّهِيدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دِيَةٌ ولا كَفّارَةٌ بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ، واتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ عَرَفَ مَن قَتَلُوهُ مِثْلَ وحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قاتِلِ حَمْزَةَ ومِثْلَ قاتِلِ النُّعْمانِ بْنِ قَوْقَلٍ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَطْلُبِ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا بِشَيْءٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].

وَكَذَلِكَ المُرْتَدُّونَ: قَدْ أسْلَمَ طُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ بَعْدَ رِدَّتِهِ، وقَدْ قَتَلَ عُكاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وسائِرُ الصَّحابَةِ لا دِيَةً ولا كَفّارَةً.

وَكَذَلِكَ سائِرُ مَن قَتَلَهُ المُرْتَدُّونَ، والمُحارِبُونَ لَمّا عادُوا إلى الإسْلامِ لَمْ يُضَمِّنْهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

وَهَذا فِيهِ نِزاعٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٌ مِن أصْحابِهِما يَنْصُرُونَ الضَّمانَ، وكَثِيرٌ مِن مُتَأخِّرِي أصْحابِ أحْمَدَ يَظُنُّ أنَّ هَذا هو ظاهِرُ مَذْهَبِهِ، وأنَّ عَدَمَ الضَّمانِ هو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحْمَدَ نَصَّ عَلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وأنَّ أهْلَ الرِّدَّةِ، والمُحارِبِينَ لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوهُ مِنَ النُّفُوسِ، والأمْوالِ كَأهْلِ الحَرْبِ الكُفّارِ الأصْلِيِّينَ، فَإنَّ فِيهِنَّ نِزاعًا في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، والصَّوابُ فِيهِمْ: الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِما.

وَكَذَلِكَ البُغاةُ المُتَأوِّلُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ كالمُقْتَتِلِينَ " بِالجَمَلِ "

" وصِفِّينَ " لا يُضَمَّنُونَ ما أتْلَفَهُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في القِتالِ، وهَذا هو المَنصُورُ عِنْدَ أصْحابِ أحْمَدَ.

قالَ الزُّهْرِيُّ: " وقَعَتِ الفِتْنَةُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوافِرُونَ، فَأجْمَعُوا أنَّ كُلَّ دَمٍ أوْ جُرْحٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ فَإنَّهُ هَدَرٌ، أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ الجاهِلِيَّةِ. " يَعْنِي: لَمّا كانُوا مُتَأوِّلِينَ أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وإنْ كانُوا مُخْطِئِينَ في التَّأْوِيلِ كالكُفّارِ والمُرْتَدِّينَ، وإنَّما يَضْمَنُ مَن كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ، ويُؤاخَذُ كالطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ عَلى عَصَبِيَّةٍ.

وَكُلٌّ مِنهُما يَعْلَمُ أنَّهُ يُقاتِلُ عَصَبِيَّةً لا عَلى حَقٍّ: فَهَؤُلاءِ تَضْمَنُ كُلُّ طائِفَةٍ ما أتْلَفَتْهُ عَلى الأُخْرى، وفي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨].

والمُحارِبُونَ قُطّاعُ الطَّرِيقِ العالِمُونَ بِأنَّ ما فَعَلُوهُ مُحَرَّمٌ يَضْمَنُونَ، وإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَتْ عَنْهم حُدُودُ اللَّهِ كَما تَسْقُطُ عَنِ الكُفّارِ المُمْتَنِعِينَ إذا أسْلَمُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.

Al-Anfaal 8:38Listen in Qur'an →
39

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

(فائدة)

والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله الله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق.

وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله. قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾.

فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر.

والفتنة قد فسرت بالشرك.

فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك.

وهي جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات.

(فصل)

لفظ (الفتنة) في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان.

فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].

ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة﴾ [الأنفال:٣٩] وقوله: ﴿ألا فِى الفِتنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩].

ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣].

ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿إنْ هِى إلا فِتْنَتُكَ تُضِل بها مَن تَشاءُ وتَهْدِى مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي امتحانك وابتلاؤك، تضل بها من وقع فيها، وتهدى من نجا منها.

وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَة﴾ [التغابن: ١٥].

قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى".

وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى.

ويشهد لهذا ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "كان يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما، فوضعهما في حجره على المنبر، وقال: صدق الله: ﴿إنَما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".

وقال ابن مسعود رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضُلات الفتن".

ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].

وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء.

وقالوا لنوح عليه …

Al-Anfaal 8:39Listen in Qur'an →
40

وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ

But if they turn away - then know that Allah is your protector. Excellent is the protector, and Excellent is the helper.

Explained together with ayah 39

Al-Anfaal 8:40Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.