قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُفّارِ مَكَّةَ أمانَيْنَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابَ بِسَبَبِهِما:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ ﷺ فِيهِمْ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً ونَبِيُّهم فِيهِمْ.
والثّانِي: اسْتِغْفارُهُمُ اللَّهَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [ ٨ ]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ نَقَلَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الأمانَيْنَ مُنْتَفِيانِ، فالنَّبِيُّ ﷺ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ مُهاجِرًا واسْتِغْفارُهم مَعْدُومٌ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
فَجُمْلَةُ الحالِ أُرِيدَ بِها أنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِهِمْ في حالَةِ اسْتِغْفارِهِمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا ولا في حالَةِ وُجُودِ نَبِيِّهِمْ فِيهِمْ، لَكِنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يَسْتَغْفِرُوا لِكُفْرِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها وصْفٌ لِصاحِبِها، فالِاسْتِغْفارُ مَثَلًا قَيْدٌ في نَفْيِ العَذابِ، لَكِنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِالقَيْدِ، فَتَقْرِيرُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا، وبَعْدَ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، يَوْمَ بَدْرٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ اسْتِغْفارُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ ﷺ كانَ اسْتِغْفارُ المُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِرَفْعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ عَنِ الكُفّارِ المُسْتَعْجِلِينَ لِلْعَذابِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [ ٨ ] .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ أسْنَدَ الِاسْتِغْفارَ إلى مَجْمُوعِ أهْلِ مَكَّةَ الصّادِقِ بِخُصُوصِ المُؤْمِنِينَ مِنهم، ونَظِيرُ الآيَةِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، ومَعَ أنَّ العاقِرَ واحِدٌ مِنهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]، أيْ جَعَلَ القَمَرَ في مَجْمُوعِهِنَّ الصّادِقِ بِخُصُوصِ السَّماءِ الَّتِي فِيها القَمَرُ، لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ في كُلِّ سَماءٍ قَمَرًا،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]،
أيْ مِن مَجْمُوعِكُمُ الصّادِقِ بِخُصُوصِ الإنْسِ عَلى الأصَحِّ، إذْ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ.
وَأمّا تَمْثِيلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ لِإطْلاقِ المَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، زاعِمِينَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”مِنهُما“ أيْ مِن مَجْمُوعِهِما الصّادِقِ بِخُصُوصِ البَحْرِ المِلْحِ، لِأنَّ العَذْبَ لا يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ ولا مَرْجانٌ، فَهو قَوْلٌ باطِلٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ.
فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِاسْتِخْراجِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ مِنَ البَحْرَيْنِ كِلَيْهِما حَيْثُ قالَ: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا …