Muslim99Muslim99
← Tafsir library

8. Al-Anfaal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

سُورَةُ الأَنفَالِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 75

31

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ ۙ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ أيِ: المَتْلُوِّ.

وهَذا غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ.

كَيْفَ لا ؟ ولَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَما الَّذِي كانَ يَمْنَعُهم مِنَ المَشِيئَةِ، وقَدْ تُحُدُّوا غَيْرَ ما مَرَّةٍ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وقُرِّعُوا عَلى العَجْزِ، وذاقُوا مِن ذَلِكَ الأمَرَّيْنِ، ثُمَّ قُورِعُوا بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يُعارِضُوا سِواهُ، مَعَ فَرْطِ أنَفَتِهِمْ، واسْتِنْكافِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا، خُصُوصًا في بابِ البَيانِ الَّذِي هم فُرْسانُهُ، المالِكُونَ لِأزِمَّتِهِ، وغايَةِ ابْتِهاجِهِمْ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما سَطَرُوهُ وكَتَبُوهُ مِنَ القَصَصِ. قِيلَ: (أساطِيرُ) لا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ؛ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وأسْطارٌ، جُمُوعُ سَطْرٍ وأحادِيثَ. والأصْلُ في السَّطْرِ الخَطُّ والكِتابَةُ. يُقالُ: سَطَرَ: كَتَبَ، ويُطْلَقُ عَلى الصَّفِّ مِنَ الشَّيْءِ كالكِتابِ والشَّجَرِ. كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.

وقَدْ رُوِيَ «أنَّ قائِلَ هَذا النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن كِلْدَةَ، وأنَّهُ كانَ ذَهَبَ إلى بِلادِ فارِسَ وجاءَ مِنها بِنُسْخَةِ حَدِيثِ رُسْتُمَ وأسْفِنْدِيارَ، ولَمّا قَدِمَ ووَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ، وهو يَتْلُو عَلى النّاسِ ما قَصَّهُ تَعالى مِن أحادِيثِ القُرُونِ.

قالَ: لَوْ شِئْتَ لَقُلْتَ مِثْلَ هَذا، فَزَعَمَ أنَّهُ مِثْلُ ما تَلَقَّفَهُ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قامَ مِن مَجْلِسٍ، جَلَسَ فِيهِ النَّضْرُ فَحَدَّثَهم مِن مُتَلَقِّفاتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: بِاللَّهِ ! أيُّنا أحْسَنُ قَصَصًا، أنا أوْ مُحَمَّدٌ ؟

وقَدْ أمْكَنَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ يَوْمَ بَدْرِ، وأسَرَهُ المِقْدادُ، ثُمَّ أمَرَ ﷺ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ».

وإسْنادُهُ قَوْلُهُ إلى الجَمِيعِ، إمّا لِرِضا الباقِينَ بِهِ أوْ لِأنَّ قائِلَهُ كَبِيرٌ مُتَّبَعٌ، وقَدْ كانَ اللَّعِينُ قاصَّهُمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُمُ الباطِلَ ويَقُودُهم إلَيْهِ، ويَغُرُّهم بِمِثْلِ هَذِهِ الجَعْجَعَةِ.

Al-Anfaal 8:31Listen in Qur'an →
32

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

And [remember] when they said, "O Allah, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الجُحُودِ بَلِيغٌ، لِأنَّهم عَدُّوا حَقِيَّةَ القُرْآنِ مُحالًا، فَلِذا عَلَّقُوا عَلَيْهِ طَلَبَ العَذابِ الَّذِي لا يَطْلُبُهُ عاقِلٌ، ولَوْ كانَ مُمْكِنًا لَفَرُّوا مِن تَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ.

والمَعْنى، إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا، فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِالسِّجِّيلِ، كَما فَعَلْتَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أوْ بِعَذابٍ آخَرَ.

وفِي إطْلاقِهِمُ (الحَقَّ) عَلَيْهِ، وجَعْلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ ذَلِكَ، مِنَ النَّبِيِّ أوِ المُؤْمِنِينَ. وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا عَلى الوَجْهِ، يَدَّعِيهِ ﷺ، وهو تَنْزِيلُهُ، لا الحَقُّ مُطْلَقًا، لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، غَيْرَ مُنَزَّلٍ كالأساطِيرِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.

و: (أمْطِرْ) اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ (لِأنْزِلْ) .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ. فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ والإمْطارُ لا يَكُونُ إلّا مِنها ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، فَوَضَعَ: ﴿حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ مَوْضِعَ (السِّجِّيلِ)، كَما تَقُولُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ، تُرِيدُ دِرْعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: سِوى الإمْطارِ المَذْكُورِ، أوْ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ.

وعَنْ مُعاوِيَةَ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً ! قالَ: أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ ! قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، ولَمْ يَقُولُوا إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ فاهْدِنا لَهُ.

أيِ: الَّذِي هو الأصْلَحُ لَهم، ولَكِنْ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمُ اسْتَفْتَحُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، واسْتَعْجَلُوا تَقْدِيمَ العُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج: ٢] ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وكَذَلِكَ قالَ الجَهَلَةُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لَهُ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]

وعَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، صاحِبُ القَوْلِ السّالِفِ.

قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ أُنْزِلَ في النَّضْرِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً، فَحاقَ بِهِ ما سَألَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ أبُو جَهْلٍ.

ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ العاصِ واقِفًا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى فَرَسٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فاخْسِفْ بِي وبِفَرَسِي.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Anfaal 8:32Listen in Qur'an →
33

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

But Allah would not punish them while you, [O Muhammad], are among them, and Allah would not punish them while they seek forgiveness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُوجِبِ لِإمْهالِهِمْ، وعَدَمِ إجابَةِ دُعائِهِمْ.

واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم، والنَّبِيُّ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في الحِكْمَةِ، لِأنَّ سُنَّتَهُ تَعالى، وقَضِيَّةَ حِكْمَتِهِ، ألّا يُعَذِّبَ أُمَّةً ونَبِيُّها بَيْنَ ظَهْرانِيها، لِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ العَذابُ في مَكانِهِمْ لَأصابَ كُلَّ مَن كانَ فِيهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم مُرْصَدُونَ بِالعَذابِ إذا هاجَرَ عَنْهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلَ: أنَّ المُرادَ اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ.

قالَ الطِّيبِيُّ: وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ، لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اسْتِغْفارَ الغَيْرِ مِمّا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ عَنْ أمْثالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ.

والثّانِيَ: أنَّ المُرادَ بِهِ دُعاءُ الكَفَرَةِ بِالمَغْفِرَةِ، وقَوْلُهم: (غُفْرانَكَ) في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ، كَما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَيَكُونُ مُجَرَّدُ طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنهُ تَعالى مانِعًا مِن عَذابِهِ، ولَوْ مِنَ الكَفَرَةِ.

والثّالِثَ: أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ، والرُّجُوعُ عَنِ الجَمِيعِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ، فَيَكُونُ القَيْدُ مَنفِيًّا في هَذا، ثابِتًا في الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ.

قالَ القاشانِيُّ: العَذابُ سَوْرَةُ الغَضَبِ وأثَرُهُ، فَلا يَكُونُ إلّا مِن غَضَبِ النَّبِيِّ، أوْ مِن غَضَبِ اللَّهِ المُسَبَّبِ مِن ذُنُوبِ الأُمَّةِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ صُورَةَ الرَّحْمَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولِهَذا لَمّا كَسَرُوا رَباعِيَتَهُ قالَ: ««اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»»، ولَمْ يَغْضَبْ كَما غَضِبَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]

فَوُجُودُهُ فِيهِمْ مانِعٌ مِن نُزُولِ العَذابِ، وكَذا وُجُودُ الِاسْتِغْفارِ، فَإنَّ السَّبَبَ الأوَّلِيَّ لِلْعَذابِ لَمّا كانَ وُجُودُ الذَّنْبِ، والِاسْتِغْفارُ مانِعٌ مِن تَراكُمُ الذَّنْبِ وثَباتِهِ، بَلْ يُوجِبُ زَوالَهُ، فَلا يَتَسَبَّبُ لِغَضَبِ اللَّهِ، فَما دامَ الِاسْتِغْفارُ فِيهِمْ فَهم لا يُعَذَّبُونَ. انْتَهى.

رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِهَذا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وجَلالِكَ، لا أبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما دامَتِ الأرْواحُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: فَبِعِزَّتِي وجَلالِي لا أبْرَحُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَبْدُ آمِنُ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما اسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ».

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم أهْلٌ لِلْعَذابِ لَوْلا المانِعُ المُتَقَدِّمُ بِقَوْلِهِ:

Al-Anfaal 8:33Listen in Qur'an →
34

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But why should Allah not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al- Haram and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم، وحالُهُمُ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ.

قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَيْسَ عَدَمُ نُزُولِ العَذابِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِحَسَبِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ إنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِذَواتِهِمْ، لِصُدُودِهِمْ، وصَدِّهِمُ المُسْتَعِدِّينَ، وعَدَمِ بَقاءِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِمْ، ولَكِنْ يَمْنَعُهُ وجُودُكَ ووُجُودُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ مَعَكَ فِيهِمْ.

ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ الوُجُودَ الإمْكانِيَّ يَتْبَعُ الخَيْرَ الغالِبَ، لِأنَّ الوُجُودَ الواجِبِيَّ هو الخَيْرُ المَحْضُ، فَما رَجَحَ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ فَهو مَوْجُودٌ بِوُجُودِهِ بِالمُناسَبَةِ الخَيْرِيَّةِ، وإذا غَلَبَ الشَّرُّ لَمْ تَبْقَ المُناسَبَةُ، فَلَزِمَ اسْتِئْصالُهُ وإعْدامُهُ.

فَهم ما دامُوا عَلى الصُّورَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ كانَ الخَيْرُ فِيهِمْ غالِبًا، فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الدَّمارَ بِالعَذابِ، وأمّا إذا تَفَرَّقُوا فَما بَقِيَ إلّا شَرُّهم خالِصًا فَوَجَبَ تَدْمِيرُهم، كَما وقَعَ في واقِعَةِ بَدْرٍ.

ومِن هَذا يَظْهَرُ تَحْقِيقُ المَعْنى الثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]

لِغَلَبَةِ الشَّرْعِ عَلى المَجْمُوعِ حِينَئِذٍ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةِ البَيْتَ والحَرَمَ، نَصُدُّ مَن نَشاءُ، ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، أيْ: ما كانُوا مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ، لِشِرْكِهِمْ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ، فَلَهم أنْ يَصُدُّوا المُفْسِدِينَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهم لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ:

Al-Anfaal 8:34Listen in Qur'an →
35

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

And their prayer at the House was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً﴾ أيْ: تَصْفِيرًا: ﴿وتَصْدِيَةً﴾ أيْ: تَصْفِيقًا بِالأكُفِّ.

رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ ابْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حَكى فِعْلَهم، فَصَفَّرَ، وأمالَ خَدَّهُ، وصَفَّقَ بِيَدَيْهِ.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا قالَ: إنَّهم كانُوا يَضَعُونَ خُدُودَهم عَلى الأرْضِ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ لِيَخْلِطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ صَلاتَهُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: يَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿وهم يَصُدُّونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] فَيَكُونُ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ، أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَتِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: هو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ - أيِ: (الفَرَزْدَقِ) ـ:

؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا

والمَعْنى أنَّهُ وضَعَ القُيُودَ والسِّياطَ مَوْضِعَ العَطاءِ، ووَضَعُوا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ.

وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، الرِّجالُ والنِّساءُ، وهم مُشَبِّكُونَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ، يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ.

وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَلاتِهِ، ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ.

ما كُنْتُ أخْشى، أيْ: ما كُنْتُ أعْلَمُ. وأداهِمُ: جَمْعُ (أدْهَمَ)، وهو الأسْوَدُ مِنَ الحَيّاتِ. والعَرَبُ تَذْكُرُ (الأدْهَمَ)، وتُرِيدُ بِهِ (القَيْدَ)، كَما في قِصَّةِ القَبَعْثَرى.

والمُحَدْرَجَةُ: السِّياطُ. انْتَهى.

﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيِ: اعْتِقادًا وعَمَلًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ هَذا الفِعْلَ المُبْطِلَ لِحُرْمَةِ البَيْتِ كُفْرٌ، لِلِاسْتِهانَةِ بِشَعائِرِهِ تَعالى والسُّخْرِيَةِ بِها.

والعَذابُ المَذْكُورُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (" إغاثَةِ اللَّهْفانِ "): المُتَقَرِّبُونَ إلى اللَّهِ بِالصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ، والمُخْلِطُونَ بِهِ عَلى أهْلِ الصَّلاةِ والذِّكْرِ والقِراءَةِ، أشْباهُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ: المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ لَيْسا بِصَلاةٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم جَعَلُوا مَكانَ الصَّلاةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، فَألْزَمَهم ذَلِكَ عَظِيمَ الأوْزارِ. وهَذا كَقَوْلِكَ: زُرْتُهُ فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ: أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ.

والمَقْصُودُ أنَّ المُصَفِّقِينَ والصَّفّارِينَ في يَراعٍ أوْ مِزْمارٍ ونَحْوِهِ، فِيهِمْ شَبَهٌ مِن هَؤُلاءِ، ولَوْ أنَّهُ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ الظّاهِرِ، فَلَهم قِسْطٌ مِنَ الذَّمِّ، بِحَسَبِ تَشَبُّهِهِمْ بِهِمْ، وإنْ لَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في جَمِيعِ مُكائِهِمْ وتَصْدِيَتِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُشَرِّعِ التَّصْفِيقَ لِلرِّجالِ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ في الصَّلاةِ إذا نابَهم أمْرٌ، بَلْ أُمِرُوا بِالعُدُولِ عَنْهُ إلى التَّسْبِيحِ، لِئَلّا يَتَشَبَّهُوا بِالنِّساءِ، فَكَيْفَ إذا فَعَلُوهُ، لا لِحاجَةٍ، …

Al-Anfaal 8:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allah. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ نَزَلَتْ فِيمَن يُنْفِقُ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ، وبَيانَ سُوءِ مَغَبَّةِ هَذا الإنْفاقِ، وقَدْ ذَهَبَ الضَّحّاكُ إلى أنَّهُ عُنِيَ بِها المُطْعِمُونَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ جُزُرٍ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، ونَفَقَتُهُ الأمْوالَ في (أُحُدٍ) لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم بِبَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم، وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ، لَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا بِمَن أُصِيبَ مِنّا، فَفَعَلُوا. قالَ: فَفِيهِمْ - كَما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أُنْزِلَتِ الآيَةُ. ولا يَخْفى شُمُولُ الآيَةِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ.

واللّامُ في ﴿لِيَصُدُّوا﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، لِأنَّ غَرَضَهُمُ الصَّدُّ عَمّا هو سَبِيلُ اللَّهِ بِحَسَبِ الواقِعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ.

وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ وهو دِينُهُ، واتِّباعُ رَسُولِهِ، ولَمّا تَضَمَّنَ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ، والخَبَرُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ، وهو: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ اقْتَرَنَ بِالفاءِ (يُنْفِقُونَ) إمّا حالٌ، أوْ بَدَلٌ مِن: (كَفَرُوا) وفي تَضَمُّنِ الجَزاءِ مِن مَعْنى الإعْلامِ والإخْبارِ، التَّوْبِيخُ عَلى الإنْفاقِ، والإنْكارُ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]

وفِي تَكْرِيرِ الإنْفاقِ في شَبَهِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ سُوءِ الإنْفاقِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقَوْلُهم: مَن أدْرَكَ الصَّمّانَ فَقَدْ أدْرَكَ المَرْعى، والمَعْنى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ، والصَّدِّ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ، سَيَعْلَمُونَ عَنْ قَرِيبٍ سُوءَ مَغَبَّةِ ذَلِكَ الإنْفاقِ، وانْقِلابِهِ إلى أشَدِّ الخُسْرانِ، مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا، والنَّكالِ في العُقْبى: قالَ المُتَنَبِّيُّ:

؎إذا الجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلاصًا مِنَ الأذى فَلا الحَمْدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ باقِيًا

(والأذى هُنا المَنُّ)

وفِي جَعْلِ ذاتِ الأمْوالِ تَصِيرُ: ﴿حَسْرَةً﴾ أيْ: نَدَمًا وتَأسُّفًا - وهي عاقِبَةُ أمْرِها - مُبالَغَةً.

والمُرادُ بِالغَلَبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الغَلَبَةُ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الأمْرُ، وإنْ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَإنْ قُلْتَ: غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى تَحَسُّرِهِمْ، بِالزَّمانِ، فَلِمَ أُخِّرَتْ بِالذِّكْرِ ؟

قُلْتُ: المُرادُ أنَّهم يَغْلِبُونَ في مُواطِنَ أُخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ. كَذا في (" العِنايَةِ ") . …

Al-Anfaal 8:36Listen in Qur'an →
37

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[This is] so that Allah may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أيِ: الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أوْ: ﴿يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾

أيْ: فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ، لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالَ الكانِزِينَ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ، لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ، أوْ إلى المُنْفِقِينَ: ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لِخُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم.

Al-Anfaal 8:37Listen in Qur'an →
38

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ .

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًا ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ وقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ، أوِ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ﴾ إلَخْ دَلِيلٌ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: انْتَقَمْنا مِنهم فَقَدْ مَضَتْ ......... إلَخْ.

تَنْبِيهٌ:

اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ، لا يُخاطَبُ بِقَضاءِ ما فاتَهُ مِن صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ إتْلافِ مالٍ أوْ نَفْسٍ.

وأجْرى المالِكِيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ في المُرْتَدِّ إذا تابَ، لِعُمُومِ الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى إسْقاطِ ما عَلى الذِّمِّيِّ مِن جِزْيَةٍ وجُبِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلامِهِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: لا يُؤاخَذُ كافِرٌ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ، ولَمْ يُعَدَّ طَلاقُهم شَيْئًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ كَذا في (" الإكْلِيلِ ") .

Al-Anfaal 8:38Listen in Qur'an →
39

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شِرْكٌ أوْ إضْلالٌ لِغَيْرِهِمْ، وفَتْنٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: يَخْلُصُ التَّوْحِيدُ لِلَّهِ، فَلا يُعْبَدُ غَيْرُهُ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ظاهِرًا: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِبَواطِنِهِمْ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ، وعَلَيْهِ حِسابُهم، فَكَفُّوا عَنْهم، وإنْ لَمْ تَعْلَمُوا بِبَواطِنِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأُسامَةَ: لَمّا عَلا ذَلِكَ الرَّجُلَ بِالسَّيْفِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لِأُسامَةَ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَقالَ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» ؟ وجَعَلَ يَقُولُ ويُكَرِّرُ عَلَيْهِ: «مَن لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ؟ قالَ أُسامَةُ: حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ».

Al-Anfaal 8:39Listen in Qur'an →
40

وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ

But if they turn away - then know that Allah is your protector. Excellent is the protector, and Excellent is the helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .

﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ولَمْ يَنْتَهُوا ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ناصِرُكم ومُعِينُكم، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ فَلا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ ﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَلا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَصْرِفَ ما أحَلَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وخَصَّها بِهِ، وهو الغَنائِمُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-Anfaal 8:40Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.